ليس أمراُ عابراً إعلان فرع المعلومات بقيادة العميد محمود قبرصلي في قوى الأمن الداخليّ تفكيك شبكة أمنيّة خطيرة تنشط بين سوريا ولبنان، وتتبع “الحزب” وفلول النظام الأسديّ السابق. أن توقف الأجهزة الأمنيّة اللبنانيّة 5 أشخاص (ثلاثة سوريّين ولبنانيَّين اثنين) من أفراد الشبكة التي تعمل على نقل مقاتلين سوريّين من الساحل إلى الضاحية الجنوبيّة لبيروت، ثمّ إلى معسكر تدريب في منطقة بعلبك الهرمل، هو تحوّل استراتيجيّ في عقيدة الأمن اللبنانيّ.
في 10 حزيران عام 2000 توفّي حافظ الأسد. بعد 24 ساعة فقط، رُفعت في المدن والشوارع الرئيسيّة اللبنانيّة، من البقاع وطرابلس وعكار وصولاً إلى العاصمة بيروت، صور الراحل حافظ والقادم من بعده نجله بشّار. كُتب تحت صورة حافظ: “ستبقى القائد الملهم”، فيما كُتب تحت صورة بشّار: “الوديعة بأمان”.
تعامل النظام الأسديّ، بشقّيه حافظ وبشّار، مع لبنان كبقعة جغرافيّة ملتصقة بالوطن الأمّ، أي سوريا. وهو وديعة مُطالب بشّار، بعد والده، أن يحفظها ويتمسّك بها.
في 26 نيسان من العام 2005، بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري قرب فندق السان جورج في 14 شباط عبر تفجير موكبه، انسحب الجيش السوريّ من دون قيد أو شرط من الأراضي اللبنانيّة. قام الجيش السوريّ بإجراء أخير قبل انسحابه، ففكّك تمثال باسل الأسد، الذي يمتطي فيه فرساً ضخماً عند بوّابة مدينة شتورة باتّجاه بيروت. ثمّ نُقل التمثال بشاحنة عسكريّة تكاد تلفظ أنفاسها، كباقي شاحنات جيش الأسد، إلى مكان مجهول داخل العاصمة السوريّة. تنقل روايات متعدّدة، أنّ بشّار الأسد عندما سُئل عن التمثال المقتلع من شتورة قال: “ذوّبوه بالكامل”.
ردّ الودائع السّوريّة
بعد 26 عاماً وثلاثة أشهر، دقّت ساعة استرداد الودائع الأمنيّة التي خلّفها النظام الأسديّ الهارب في موسكو، وحلفاؤه في ما كان يُعرف بمحور الممانعة، إلى دمشق، لا لتذويبها كما فعل بشّار بتمثال شقيقه، بل لمحاكمته على ما ارتكبت من مجازر وجرائم ضدّ الإنسانيّة. وبالتالي تتحقق الشراكة اللبنانيّة–السوريّة في تحقيق العدالة الانتقاليّة.
إنّ صناعة الأمن المشترك بين البلدين مهمّة صعبة وملحّة، لكنّ النجاح فيها يشكّل عمليّة إلغاء لتاريخ بين لبنان وسوريا مليء بالصراعات والإشكاليّات. لم تبدأ مع بيت الأسد، ولن تنتهي إن لم ينتقل الأمن اللبنانيّ السوريّ إلى حالة من التنسيق الجديّ غير المنحاز للعهد البائد. وبصراحة هذا الإنحيازالرسمي هو الذي أدخلهم إلى لبنان وتولى حمايتهم ويقال أنّ هذا تمّ بتعليمات من مراجع عليا في الدولة وهنا العقدة على الراوي.
ما فعله فرع المعلومات التابع لقوى الأمن الداخلي من إنجاز، عبر توقيف هذه الشبكة الخماسية التي تضم العقيد السوري مناف علي صافي، الذي كان يشغل مسؤولية أحد الفروع الأمنية في النظام السابق، إضافة إلى عنصر من أمن الدولة اللبناني يعمل مرافقاً لرئيس كتلة نيابية، فيما يقود تدريب هذه المجموعات مسؤول في “الحزب” يُدعى “الحاج علاء”، وكل ذلك يحصل بإدارة اللواء السابق في الجيش السوري محمد جابر، الموجود حالياً في موسكو والمقرّب من الرئيس المخلوع بشار الأسد، هو بداية الطريق نحو علاقات صحية وسليمة بين لبنان وسوريا.
يدرك الجميع في لبنان، سلطة سياسيّة وأجهزة أمنيّة، أنّ هذه الشبكة ليست الأولى ولن تكون الأخيرة. هناك ودائع جمّة لنظام بشّار الأسد ومحور الممانعة في لبنان، من مخيّم الهرمل للنازحين العلويّين، الممنوع على الإعلام والمؤسّسات الاجتماعيّة أن تدخل إليه، وصولاً إلى وسط بيروت، حيث تنتشر المؤسّسات السياحيّة من مطاعم يختبئ خلف عقودها وبين طاولاتها رموز المال المبلل بالدم في نظام بشّار الأسد، مروراً بالضاحية الجنوبيّة وجبل محسن في طرابلس، التي ترفد جبهات الجنوب بمقاتلين سوريّين تقطّعت بهم السبل، علويّين وشيعة.
الشبكة الخماسيّة التي تمّ توقيفها هي الأولى في مسلسل يحمل عنواناً واضحاً: “ساعة القبض على الودائع الأمنيّة السوريّة”. الجيش السوريّ عندما انسحب في العام 2005 أخذ تمثال باسل الأسد معه، واليوم على الدولة اللبنانيّة أن ترحّل باقي التماثيل الأسديّة الثابت ارتباكها لجرائم خلال توليها المسؤوليات الرسمية في العهدين المستبدين للأب والابن في لبنان، عبر تسليمها للسلطات السوريّة كي تُخضَع لمحاكمات شفّافة وعادلة في سياق العدالة الانتقاليّة.
حدثان في عام واحد
أزمة العلاقات اللبنانيّة السوريّة لم تبدأ مع آل الأسد، ولكن من الممكن أن تنتهي من بعدهم. هي أزمة بدأت في عام واحد عبر حدثين:
1- في 24 تمّوز 1920، وقعت معركة “ميسلون” التي انتهت إلى احتلال الجيش الفرنسيّ لدمشق وتفكيك المملكة العربيّة السوريّة التي أعلنها الملك فيصل.
2- في 1 أيلول 1920، أعلن الجنرال الفرنسيّ غورو قيام دولة لبنان الكبير، ممّا رسم حدوداً جديدة ضمّت مدن الساحل وسهل البقاع والجنوب إلى متصرفيّة جبل لبنان السابقة، وفصلها رسميّاً عن المحيط الإداريّ لدمشق.
الخلاف بين البلدين بدأ في العام 1943 حين نال لبنان استقلاله تاركاً سوريا في عهدة الانتداب للعام 1945. ولم تقُم العلاقة بين البلدين بناءً على اتّفاقية حسن الجوار، ولا على مفاوضات بين جار وجار.
بعد سقوط نظام الأسد وفراره إلى روسيا وتشتّت حلفائه في أصقاع الأرض شمالاً ويميناً، يعود ملفّ العلاقات اللبنانيّة السوريّة طارحاً نفسه بقوّة في ثلاث محطّات سمعها رئيس الجمهوريّة العماد جوزف عون مباشرة من زعيمين ومسؤول كبير.
المسؤول الكبير كان وزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو، الذي التقى الرئيس عون في 19 آب الفائت في مقرّ الخارجيّة الأميركيّة، فطلب منه العمل على تعزيز العلاقات مع سوريا، عارضاً المساعدات الأميركيّة لإنجاز ذلك. ثمّ التقى الرئيس عون، بعد 48 ساعة، بالزعيم الأوّل، الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، الذي أكّد في المؤتمر الصحافيّ المشترك ضرورة العمل على تعزيز العلاقات اللبنانيّة السوريّة والاستثمار فيها. أمّا الزعيم الثاني فالتقاه في 30 تمّوز الفائت وكان الرئيس التركيّ رجب طيّب إردوغان، الذي عرض مساعدة تركيا لتحسين العلاقات بين سوريا ولبنان.
هناك إدراك دوليّ، شرقاً وغرباً، لأهميّة العلاقات اللبنانيّة السوريّة، لكنّ السؤال الذي يطرح نفسه: هل يدرك السوريّون واللبنانيّون أهميّة تعزيز تلك العلاقات؟
الجغرافيا وحدها كافية لتقول إنّ لبنان وسوريا لا يستطيع أحدهما إدارة ظهره للآخر. لكنّ الجغرافيا ليست وحدها ما يجمعهما. هناك تاريخ طويل، وحدود مشتركة، وتشابك اجتماعيّ واقتصاديّ، وحركة تجارة ونقل، علاوة على ملفّات أمنيّة وسياسيّة وإنسانيّة لا يمكن لأيّ من الدولتين معالجتها منفردة. كان حافظ الأسد يقول أنّ حركة التنقل بين البلدين الجارين يومياً هو الأعلى في العالم بين مثيلهما من الدول المجاورة لبعضهما البعض.
لذلك، فإنّ المطلوب اليوم ليس الانتقال من زمن الوصاية إلى زمن القطيعة أو البعد، إن أردنا تلطيف العبارة، ولا استبدال الهيمنة بالعداء، أو الاستقلال بالانعزال. المطلوب بناء علاقة طبيعيّة للمرّة الأولى، يكون فيها لبنان لبنان، وسوريا سوريا، من دون أن يعني استقلال أحدهما تهديداً للآخر.
لا يمكن بعد اليوم أن يُحكم لبنان من سوريا، كما لا يمكن أن يتحوّل لبنان إلى غرفة عمليّات عسكريّة وأمنيّة تتآمر على سوريا.
حسناً فعل “الحزب” عندما أصدر بياناً ينفي فيه علاقته بهذه الشبكة، لكن ليس بالبيانات وحدها تُثبت الوقائع، إلّا إن كان هناك قسم من هذا “الحزب” يعمل خارج سياق “قيادته” وبياناتها، تماماً كما يحصل في تلال عليّ الطاهر وفي أزرار الصواريخ التي أُطلقت من لبنان “ثأراً” لخامنئيّ؟
