في القاهرة قراءة مختلفة لما قدّمته مصر خلال الحرب الراهنة. فهي ترى أنّها وقفت إلى جانب أصدقائها في الخليج بقدر ما تسمح به حسابات أمنها القوميّ، وقدّمت لهم الدعم من دون أن تنزلق إلى حرب لم تخترها ولم تشارك في قرار إشعالها أو تحديد أهدافها.
في موازاة ذلك كانت خريطة التحالفات نفسها تتغيّر. فقد نمت شراكة سياسيّة واضحة بين مصر والسعوديّة وتركيا وباكستان، حتّى باتت الدول الأربع أقرب إلى نواة تنسيق إقليميّ. لكن عندما انتقلت ثلاث منها من التنسيق السياسيّ إلى الضمان الدفاعيّ المتبادل عبر اتّفاق مكّة، توقّفت مصر عند العتبة وبقيت خارجه.
لم تشرح القاهرة علناً حتّى الآن كلّ أسباب عدم انضمامها، واكتفت بالتأكيد أنّها تدرس الاتّفاق بجدّيّة. لكن يكفي النظر إلى خريطة التهديدات المحيطة بمصر لفهم بعض الأسئلة التي لا بدّ أن تدور داخل دوائر صناعة القرار الاستراتيجيّ: ماذا يعني أن يصبح أمن الحليف التزاماً دفاعيّاً؟ من يحدّد أنّ حرباً ما تستوجب تفعيل هذا الالتزام؟ والأهمّ، أيّ من حروب مصر المحتملة ستصبح في المقابل حرباً على حلفائها؟
مسافة السّكّة المعاكسة
في السنوات الأخيرة تعاظم الخلاف بين مصر وإثيوبيا حول سدّ النهضة وما تعتبره القاهرة تهديداً وجوديّاً لأمنها المائيّ، حتّى لامس في مراحل مختلفة حافة التلويح بالمواجهة العسكريّة. ورغم ذلك، نمت علاقة إثيوبيا بالإمارات وتحوّلت إلى شراكة استراتيجيّة، فيما تطوّرت في الوقت نفسه علاقة الإمارات بمصر عبر استثمارات ومشاريع اقتصاديّة كبرى.
لكن إن وصلت المواجهة بين القاهرة وأديس أبابا حول سدّ النهضة إلى العمل العسكريّ، هل تلبّي أبوظبي نداء “مسافة السكّة”؟ وإذا فعلت، ففي أيّ اتّجاه؟
لا يمكن تبسيط الإجابة عن هذا السؤال، تماماً كما لا يمكن اختزال قوس التهديدات المحيط بمصر في إثيوبيا. فإسرائيل، رغم أكثر من أربعة عقود من السلام، لم تخرج يوماً من حسابات الأمن القوميّ والتخطيط العسكريّ المصريّ. وقد أعادت حرب غزّة والتوتّر حول الحدود وشبح الترانسفير وأزمة محور صلاح الدين تذكير القاهرة بأنّ السلام لا يلغي اختلال موازين القوّة ولا احتمالات تضارب المصالح.
يُسجل للسلطة المصرية أنها حافظت على بقاء الشعب الفلسطيني على أرضه في غزة، رغم كل الخسائر التي لحقت به. خالف الجيش المصري اتفاق كامب ديفيد في حركته العسكرية لجهة عديد الجيش المصري ونوعية أسلحته عند الحدود مع غزة.
مصر بين تعدد الشراكات ومأزق الضمانات الأمنية
في السنوات الأخيرة وسّعت مصر مصادر تسليحها وتدريبها وتعاونها العسكريّ، من الولايات المتّحدة وفرنسا وألمانيا إلى الصين وتركيا وكوريا الجنوبيّة، بما يقلّل اعتمادها على شريك واحد ويوسّع قدرتها على الحركة في بيئة عسكريّة تملك فيها إسرائيل تفوّقاً نوعيّاً واضحاً.
إذا كانت إثيوبيا اختباراً لمصالح الحلفاء المتعارضة، فإنّ إسرائيل هي الاختبار الأصعب لفكرة الضمان نفسها: إذا تعرّض الأمن القوميّ المصريّ يوماً لتهديد عسكريّ مباشر، فإلى أيّ مدى يستطيع أيّ تحالف إقليميّ أن يحوّل أمن مصر إلى أمن مشترك؟ وهل يمكن افتراض أنّ الدول التي تنتظر من القاهرة اعتبار التهديد الإيرانيّ لها تهديداً مصريّاً ستتعامل بالطريقة نفسها مع خريطة التهديدات المصريّة؟
لا تطرح القاهرة المسألة بهذه اللغة. فهي تنظر إلى نفسها باعتبارها إحدى دول الارتكاز في الإقليم، مساحة عابرة للانقسامات وجسراً للحوار بين أطراف لا تستطيع الجلوس دائماً إلى الطاولة نفسها. وقد لعبت أدواراً محوريّة في تفاهمات غزّة ولبنان والمسار التفاوضيّ المتعلّق بإيران. كما ترى أنّها وقفت إلى جانب حلفائها العرب في محنتهم الأخيرة من دون كثير من الضوضاء، لأنّ الهدف، وفق المقاربة المصريّة، كان حماية الأصدقاء ودعمهم، لا الدخول في حرب مفتوحة مع إيران.
هنا تحديداً تكمن المسافة بين الرؤيتين. فما تعتبره القاهرة استقلالاً استراتيجيّاً قد يراه الحليف تحفّظاً عندما يتعرّض هو للخطر، وما يعتبره الحليف ضمانة واجبة قد تراه القاهرة تنازلاً عن حقّها في تحديد متى يصبح تهديد الآخرين تهديداً يستوجب حرباً مصريّة.
لكنّ الثابت أنّ الإقليم يتغيّر، وأنّ قواعد الاشتباك القديمة تتساقط تباعاً. وما حمى مصر في سنوات التصدّع ليس مضموناً أن يحميها في سنوات إعادة تشكيل النظام الإقليميّ. فهل يستطيع نظام التحوّط وتعدّد الشراكات إبقاء القاهرة آمنة ومستقلّة، أم يغامر النموذج المصريّ بترك مصر خارج الهيكليّة التي ستنظّم توازنات القوّة الناشئة في الإقليم؟
استقلالان استراتيجيّان
مصر والسعوديّة واجهتا المشكلة نفسها، لكنّهما اختارتا طريقين مختلفين لحماية حيادهما الاستراتيجيّ: السعوديّة تنوّع ضماناتها كي تكبّر حجر الردع وترفع كلفة المواجهة، وأمّا مصر فتنوّع خياراتها كي لا يقرّر أحد متى تقاتل.
من هنا تبدو عضويّة مصر في اتّفاق مكّة أكثر تعقيداً من مجرّد إضافة الجيش العربيّ الأكبر إلى منظومة دفاعيّة ناشئة. فمبدأ اعتبار الاعتداء على دولة اعتداءً على الجميع لا يعني، بحسب التفسيرات المعلنة للاتّفاق، دخول بقيّة الأطراف الحرب بصورة آليّة، إذ تبقى طبيعة المساعدة وحجمها خاضعين لطلب الدولة المعنيّة والتشاور بين الشركاء. لكنّه ينقل العلاقة من مساحة التنسيق السياسيّ المرن إلى مساحة الضمان الأمنيّ المتبادل، وهي النقطة التي طالما تعاملت معها القاهرة بحذر.
هل يمكن أن تدخل مصر حرباً مع الهند إذا انفجرت إحدى جولات الصراع المتكرّرة بينها وبين باكستان؟ وهل يقاتل الجيش الباكستانيّ إسرائيل إذا تعرّضت سيناء لاعتداء؟ وهل تتحوّل خلافات تركيا في شرق المتوسّط إلى شأن أمنيّ مصريّ، فيما تتعارض بعض المصالح المصريّة والتركيّة أصلاً في هذه المساحة؟
هذه ليست أسئلة افتراضيّة غرضها التشكيك في الاتّفاق، بل هي المعضلة الأصليّة لأيّ منظومة دفاع مشترك تجمع دولاً كبيرة ذات خرائط تهديد مختلفة. فكلّ عضو جديد يضيف إلى التحالف قوّة وجغرافيا وقدرات عسكريّة، لكنّه يحمل إليه أيضاً خصوماته ومصالحه وحساباته.
بالنسبة إلى السعوديّة، يبدو الرهان واضحاً: بناء شبكة ردع تجعل كلفة الاعتداء عليها موزّعة على أكثر من قوّة إقليميّة. أمّا بالنسبة إلى مصر، فالانضمام يمنحها موقعاً داخل إحدى البنى التي قد تصنع النظام الأمنيّ الجديد، لكنّه يقتطع جزءاً من المساحة الرماديّة التي بنت فيها القاهرة استقلالها الاستراتيجيّ طوال عقود. والبقاء خارجه يحفظ لها حرّية القرار، لكنّه يحمل مخاطرة معاكسة: أن تحتفظ مصر بحقّ تحديد متى تحارب، فيما يحدّد الآخرون شكل النظام الذي ستضطرّ إلى خوض حروبها أو منعها داخله.
نجح النموذج المصريّ حتّى الآن في عبور عقد من الفوضى الإقليميّة بأقلّ قدر ممكن من الانخراط العسكريّ المباشر. لكنّ نجاح الأمس ليس دليلاً على صلاحيّة النموذج للغد. فالحياد الاستراتيجيّ لا يعني الحصانة من البيئة الاستراتيجيّة، والاحتفاظ بقرار الحرب لا يعني الاحتفاظ بقرار عدم الحرب عندما تصل تداعياتها إلى الحدود، المياه، الممرّات، والاقتصاد.
لقد أجابت مصر حتّى الآن عن سؤال: كيف لا نحارب حروب الآخرين؟ أمّا السؤال الذي يفرضه الإقليم الجديد فهو أصعب: كيف نضمن ألّا يصنع الآخرون، فيما نتجنّب حروبهم، نظاماً إقليميّاً يحدّد لنا شروط الحرب والسلام؟
وعلى رأي صديقي المصريّ: “هي مسافة السكّة دي طريق باتّجاهين… ولا هي “وان واي”؟”.
