تكشف عملية توقيف معراج أورال المعروف أيضاً بـ علي الكيالي ونقله مكبّلاً إلى دمشق عن تقاطع حسابات ومصالح أمنية وسياسية بين تركيا وسوريا، وتطرح تساؤلات حول موقع لبنان من التحولات الجارية، في لحظة تتسع فيها قنوات التواصل بين الدول الثلاث وتبرز مؤشرات على انتقال بعض التفاهمات السياسية والأمنية إلى التعاون الميداني.
أنقرة تلاحق أورال في ملف تفجيرات الريحانية، فيما تضعه دمشق في صلب ملاحقة المتهمين بجرائم الساحل السوري. أما وجوده في لبنان، فيثير أسئلة لا تقل أهمية عن طريقة انتقاله من تركيا إلى سوريا في مطلع الثمانينيات، والجهات التي ربما وفرت له الغطاء أو الدعم اللوجستي خلال إقامته في الأراضي اللبنانية.
ستدعم هذا المسار أو تعرقله حكماً
بيروت بين أنقرة ودمشق
لا يتعلق السؤال فقط بما إذا كان لبنان قد شارك في عملية توقيفه، وهو أمر لم يُحسم بعد، بل أيضاً بما إذا كانت التحولات المحلية والإقليمية تدفع بيروت إلى الانفتاح على تعاون أمني أوسع مع أنقرة ودمشق. فالتحركات بين بيروت ودمشق تجري وسط جهود متزايدة لإعادة تثبيت سلطة الدولة وضبط الحدود ومعالجة ملف السلاح خارج المؤسسات الرسمية، وإن اختلفت طبيعة هذه الملفات من بلد إلى آخر.
لفهم دلالات هذه العملية بالنسبة إلى لبنان، لا بد من البدء بما تكشفه الوقائع عن طبيعة التعاون الأمني التركي ـ السوري وحدوده، وصولاً إلى تحديد موقع لبنان في التحولات الأمنية والإقليمية الجارية:
– تستند مؤشرات تطور التعاون الأمني التركي ـ السوري إلى ما يتجاوز التقارب السياسي بين البلدين . ففي الرابع من الشهر الحالي، أعلنت السلطات السورية توقيف جمال طرابلسي، الذي وصفته بأنه نائب معراج أورال، قبل اجتماع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في أنقرة مع نظيره هاكان فيدان ورئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن في الثامن من تشرين الأول.
ـ لكن المؤشر الأبرز يرتبط بعملية توقيف أورال نفسها، إذ أفادت مصادر أمنية تركية بأن العملية جرت بالتنسيق مع الاستخبارات السورية. وفي تأكيد علني على طبيعة التعاون، أشاد السفير التركي لدى سوريا، نوح يلماز، بالعملية المشتركة بين جهازي الاستخبارات التركي والسوري، وهنّأ العاملين فيهما على تنفيذها.
غياب الدور اللبناني
توفر هذه المؤشرات أساساً للحديث عن تعاون ميداني بين أنقرة ودمشق، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات وجود تنسيق أمني ثلاثي يشمل بيروت، أو تحديد طبيعة الدور اللبناني في توقيف أورال ونقله.
ـ لا تقتصر أهمية تطور العلاقات السورية ـ اللبنانية على معالجة الملفات العالقة بين البلدين، بل تتصل بقدرتهما على بناء آليات تعاون تستجيب لتحديات أمنية تتجاوز حدودهما المشتركة. فتنظيم الملفات القضائية، وضبط الحدود، ومكافحة التهريب، وتبادل المعلومات، يمكن أن ينقل العلاقة من إدارة المشكلات المتراكمة إلى تنسيق المصالح الأمنية. وفي ظل اتساع التعاون الميداني بين أنقرة ودمشق، قد تجد بيروت فرصة لتطوير تعاونها الأمني مع الطرفين.
– أعاد سقوط نظام بشار الأسد والتراجع في القدرات العسكرية والسياسية للحزب تشكيل جانب من البيئة الإقليمية التي تحركت إيران ضمنها، وفتح مجالاً أوسع أمام دول المنطقة لإعادة تقييم علاقاتها الأمنية والسياسية في ما بينها.
تنسيق بلا تحالف
في الحالة اللبنانية، قد يتيح تطور العلاقات مع دمشق توسيع دور مؤسسات الدولة في إدارة الملفات الأمنية، ويفتح المجال أمام بيروت ودمشق لتطوير قنوات تعاون أكثر استقلالاً عن التجاذبات الإقليمية.
– لا يتحرك التقارب التركي ـ السوري والتواصل السوري ـ اللبناني في فراغ إقليمي، بل يتزامنان مع مسارات أخرى تضع أمن الحدود وتبادل المعلومات وتعزيز سلطة الدولة في مقدمة الأولويات.
التعاون الأمني المتنامي بين أنقرة وبغداد، بالتوازي مع تطوير التنسيق الحدودي بين دمشق وبغداد، يكشف عن تقاطع في المصالح الأمنية، وإن اختلفت حسابات كل دولة وأولوياتها.
لا تكفي هذه المسارات للحديث عن منظومة أمنية رباعية موحدة، لكنها تتيح قراءة التقارب بين أنقرة ودمشق، والانفتاح الأمني المحتمل بين العواصم الثلاث، ضمن سياق أوسع من إعادة تنظيم العلاقات الأمنية .
قد يفتح تلاقي هذه المسارات المجال أمام الانتقال من تفاهمات ثنائية بين العواصم الأربع إلى تنسيق أوسع في ملفات أمنية محددة، من دون أن يعني ذلك وجود مشروع إقليمي مكتمل أو توافق على مجمل القضايا السياسية والأمنية.
تتجاوز أهمية التحركات الأمنية المتوازية حدود العلاقات الثنائية بين سوريا لبنان، لتتقاطع مع مصالح قوى دولية معنية بأمن المنطقة واستقرارها. فتعزيز مؤسسات الدولة، وضبط الحدود، ومكافحة التهريب، والحد من تحرك الشبكات المسلحة خارج الأطر الرسمية، أهداف تتقاطع مع بعض الأولويات الأميركية والأوروبية في المنطقة. لكن التقاطع حول هذه الأهداف لا يعني بالضرورة توافق الولايات المتحدة الأميركية مع طبيعة الترتيبات الإقليمية التي قد تنشأ، أو مع موازين القوى التي يمكن أن تنتج منها.
الحسابات الإسرائيلية الحاضرة
تبقى إسرائيل جزءاً من الحسابات التي ينبغي أخذها في الاعتبار عند تقدير فرص توسيع التعاون الإقليمي بين كل من تركيا وسوريا ولبنان، من دون افتراض أنها ستدعم هذا المسار أو تعرقله حكماً. فقد تتقاطع مصالحها مع بعض نتائج هذا التعاون الأمني إذا أسهم في ضبط الحدود والحد من تحرك الشبكات المسلحة، لكنها قد تتحفظ على ترتيبات أوسع إذا رأت أنها تعزز أدواراً إقليمية أو تنتج توازنات لا تنسجم مع تقديراتها الأمنية. لذلك، لن يتوقف احتمال توسيع التعاون بين أنقرة ودمشق وبيروت على تقاطع المصالح بين هذه العواصم وحدها، بل سيتأثر أيضاً بطبيعة التوازنات التي قد تنتج منه وكيفية تعامل القوى الإقليمية معها.
لم يثبت توقيف معراج أورال قيام تنسيق أمني مسبق بين أنقرة ودمشق وبيروت، لكنه كشف عن تعاون تركي ـ سوري معلن، وطرح سؤالاً عن موقع لبنان من إعادة ترتيب العلاقات الأمنية في المنطقة. فالدلالة الاستراتيجية للعملية لا تكمن في أنها دشّنت تنسيقاً ثلاثياً، بل في أنها تتيح اختبار ما إذا كان تقاطع المصالح الأمنية، في ظل التحولات الإقليمية الجارية، قادراً على نقل التعاون من مسارات ثنائية إلى تنسيق أوسع، تبقى حدوده وآلياته رهناً بحسابات الدول المعنية ومواقف القوى الإقليمية والدولية.
