
في مقهى بدمشق يعرض أعمالاً فنية لفنانين سوريين (أ ف ب)
طالما كانت المقاهي الثقافية في دمشق الملاذ الآمن للحركات الشعرية الجديدة، وخلال العقدين الأخيرين حسم عديد من الشاعرات والشعراء السوريين مواقفهم إزاء المراكز الثقافية الرسمية. رويداً رويداً تسرب هؤلاء من دوي وصراخ القصائد الحماسية العصماء في مديح القائد الرمز. في تلك اللحظة من عمر البلاد صارت تنبت ملتقيات الشعر كالفطر في شوارع وجنبات المدينة.
تغييرات جذرية طاولت مقاهي دمشق في العقدين الأخيرين من الألفية الراهنة، فبعدما كانت هذه الأماكن في معظمهما لتزجية الوقت وشرب القهوة وتدخين النارجيلة، أو ملتقى بديلاً للمناضلين والشعراء والفنانين، أمست اليوم بمثابة “برلمان الشعب”، إذ ضيقت السلطات في عهد “البعث” على هذه الأماكن، وبثت عيونها والعسس خلف كل طاولة، واليوم يستعيد المقهى حضوره كواجهة للحياة الثقافية، مبتعداً مرة أخرى من قاعات محاضرات المؤسسات الرسمية، التي تختص مراكزها الثقافية حالياً – في معظمها – بأمسيات قصيدة العمود وندوات عن التراث الشعبي وحملات أيام النظافة.
وتحفل مقاهي دمشق بذاكرة تاريخية كثيفة لحركات شعبية وسياسية وفكرية تمتد لعشرات السنين، فمنها ما اتخذ شكلاً تراثياً تنتصب في منتصفه “سدة الحكواتي”، كما في “مقهى النوفرة” الذي أسسه آل الرباط عام 1669، ولا يزال المقهى الواقع خلف البوابة الشرقية للجامع الأموي حتى اليوم قبلة لسياح ومرضى النوستالجيا (الحنين) ودارسي الفلكلور الشعبي. ومنها مقاهٍ كانت موئلاً لفناني خيال الظل الذين دمجوا ببراعة وتلقائية بين الاجتماع الأهلي وفرجتهم الشعبية كأداة من أدوات التعبير الضاربة ضد عسف السلطات وبطشها على مر الأزمان.
وانتشرت المقاهي التي كانت تقدم بابات (فصول) خيال الظل في أحياء العمارة والدرويشية وباب الجابية والبحصة البرانية في العاصمة السورية منذ منتصف القرن الـ17، وأبرز فناني هذه الحرفة الدمشقية كان المخايل علي حبيب الذي تأثر به رائد المسرح الغنائي العربي أبو خليل القباني في الربع الأخير من القرن الـ19، لكن هذه الأماكن رجعت اليوم إلى وظيفتها التقليدية في تقديم المشروبات وطاولات النرد والنرجيلة، فيما اندثر جزء كبير منها بعد النهضة العمرانية التي شهدتها المدينة منتصف القرن الماضي، وتخلو المقاهي الحالية من تلك المشهديات ما قبل المسرحية، إذ يستطيع الزائر ملاحظة الأثر الذي تركته الأيام الخوالي. تصاوير عديمة المنظور معلقة على جدران تلك المقاهي حققها الرسام الشعبي أبو صبحي التيناوي (1888-1973)، وتتجلى في هذه الأعمال نكهة الفن الفطري لرسوم جسدت أبطالاً وشخصيات رواها حكواتية السير الشعبية، من الزير سالم وعنترة وعبلة وأبو زيد الهلالي.
عصور من السياسة والفكر
يروي المؤرخ والباحث نجاة قصاب حسن (1920-1997) في كتابه “حديث دمشقي” عن مقهى طريف عرف باسم “خود عليك” أي “خذ عليك، أو “أوسع لي مكاناً”، وهو من أبرز المقاهي الشعبية التي اشتهرت في الربع الأول من القرن الـ20، وكان يقع على ضفة نهر تورا، أحد فروع نهر بردى السبعة، وكان هذا المقهى العفوي مجانياً يقصده الزوار للتريض والنزهات.
يقول قصاب حسن “كل واحد يذهب إلى المكان تكون معه معدات الشاي كاملة عل دراجته الهوائية: بابور الكاز، براد الشاي، أي الإبريق الصغير […] ثم الكؤوس وباقي الآلة. في أي وقت تمر من هناك تلقاهم، أولئك الذين يوسع بعضهم لبعض في مقهى (خود عليك). مقهى مجاني لطيف، والناس الجالسون فيه يتفرعون، أي يخلعون الثياب الخارجية المرهقة، فكأنهم في منازلهم، وينعمون بالرطوبة”.
ويمكن التقاط أسماء طريفة للمقاهي الدمشقية ذات الطابع التراثي المحلي، ولعل أبرزها مقهى “خبيني” بمعنى (خبئني)، وجاءت تسمية هذا المكان نظراً إلى أنه كان الملاذ الأخير للشبان الهاربين من “السفر برلك” (التجنيد ضمن الجيش العثماني) أيام التطويع الإجباري في الحرب العالمية الأولى، إذ كان يقبض على شباب دمشق ويساقون جهاراً إلى جبهات القتال، ومن يتمكن من الهرب من أيدي الجندرمة العثمانية، كان يركض مسرعاً باتجاه هذا المقهى ويقول لصاحبه “خبيني… دخيلك خبيني”، فيتعاطف معه صاحب المقهى ويقوم بإخفائه خلف جدران سرية.
لا يزال المكان شاهداً على ذكريات أهل الشام في آخر سوق “القباقبية” الأثري خلف الجامع الأموي، ولمقهى “خبيني” طقوس وعادات خاصة به، فكلما رحل أحد رواده الدائمين قام صاحب المكان واحتفظ بخرطوم نرجيلة المتوفي، فيعلقه وفق رقم متسلسل على جدار المقهى إحياءً لذكرى الفقيد، وتكريماً لروحه التي يعتقد أصدقاؤه أنها ما زالت تحتفظ بأنفاسه وأحاديثه معهم.
ومع أربعينيات القرن الماضي اندثر تقريباً هذا الشكل من المقاهي الشعبية على ضفاف بردى، وتراجعت مقاه أخرى عن الواجهة، إذ حدث تطور كبير في مكانة المقهى الدمشقي ووظيفته وحضوره في الحياة العامة، فاشتهرت مقاه كانت مطبخاً للحركات السياسية والسجالات الثقافية. ولعل أبرزها كان “مقهى الهافانا” قرب محطة الحجاز للقطارات. وتأسس عام 1945 على أنقاض ملهى ليلي اشتهر باسم “القطة السوداء”، واتخذ له اسم “الهافانا” عاصمة كوبا كتحية للحركات اليسارية في أميركا الجنوبية، التي كان نجم ثوراتها آنذاك المناضل تشي جيفارا (1928-1967).
ضم “الهافانا” على مدى 70 عاماً لقاءات لأشهر رجال الفكر والسياسة والأدب، وكان لبعضهم طاولة دائمة، لعل أبرزهم الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، والمفكر البعثي زكي الأرسوزي، الذي ناقش على طاولاته الرخامية بنود البيان التأسيسي لحزب البعث العربي الاشتراكي، وكان “الهافانا” بمثابة صالون أدبي يتحول فيها الجالس خلف واجهاته الزجاجية إلى مشاهد لما يمكن تسميته فيلم الحياة اليومية، فكل شيء حين نجلس خلف زجاج مقهى يستحيل إلى مشهد، وعندما نغادر كرسي المقهى ننضم مجدداً للمشهد العام.
“الهافانا” المشرف على تقاطع شارع “بور سعيد” مع شارع “شيكاغو” كان أيضاً مقصداً لشعراء من مثل العراقيين مظفر النواب وعبدالوهاب البياتي ومحمد مهدي الجواهري، ومن سوريا مثل شوقي بغدادي وعادل أبو شنب وزكريا تامر وجورج عشي والصحافيين حكم البابا ومحمد منصور، وكان بمثابة نادٍ سينمائي مصغر يأتي إليه مخرجون وكتاب وجمهور عادي بعد فراغهم من مشاهدة الفيلم في صالة سينما “الكندي” المحاذية للمكان (صادرتها مديرية الأوقاف أخيراً لإقامة محاضرات دينية)، ولعل من بقي من ندل المقهى ما زال يذكر لقاءات دورية لأشهر زواره، مثل المخرج السينمائي عبداللطيف عبدالحميد، والكاتب الفلسطيني حسن سامي اليوسف، والسيناريست نجيب نصير، والكاتبة ريم حنا، وآخرين.
ويلاحظ الزائر اليوم لمقهى “الهافانا” الشيخوخة التي ألمت بالمكان بعد رحيل معظم زواره، في حين انقطع البعض الآخر عن المجيء إليه إلا لماماً، كأن لسان حال المكان يردد عبارة الشاعر محمود درويش الشهيرة “إن أعادوا لك المقاهي القديمة، فمن يعيد لك الرفاق؟”. في صدر المكان يمكن ملاحظة شاشة بلازما ضخمة وضعت بطريقة عديمة الذوق فوق منحوتة الفنان العراقي جواد سليم (1919-1961). شاشة التلفاز التي تبث أغنيات الفيديو كليب غطت أجزاء من العمل النحتي الضخم لصاحب “نصب الحرية” في بغداد، وتشي بقطيعة وجهل بماضي المكان وعراقته، وتترك الباب موارباً لأسئلة ملحة عن ذاكرة المدينة المهملة والمتروكة للنسيان، إذ إن “هافانا” اليوم غير “هافانا” الأمس، ومع أن المكان تعرض لأعمال الترميم منذ سنتين، إلا أن الوجوه تغيرت وتبدلت معها نوعية الزوار وطباعهم، من دون أن يكون لهذا المكان خصوصيته القديمة، ولا سيما في صالونه الذي يقع في الطبقة العليا، والذي اشتهر بزائراته من الشاعرات والناشطات السياسيات وفنانات المسرح، مثل الممثلتين الراحلتين مي سكاف وفدوى سليمان، والشاعرة الراحلة دعد حداد.
فردوس البن البرازيلي
غير بعيد منه مثّل “مقهى البرازيل” منافساً قوياً لمقهى “الهافانا”، إذ كان المكان الذي أسسته السفارة البرازيلية مطلع خمسينيات القرن الماضي، يقع على الضفة الأخرى من “الهافانا” بمحاذاة جامع الطاووسية الأثري باتجاه ساحة المحافظة، وكان يجمع بين الوظيفتين الاقتصادية والثقافية عبر تسويقه للبن للبرازيلي الفاخر، إذ اعتبر أول مقهى تدخل إليه ماكينة الإكسبريسو في دمشق. وشهد المكان نقاشات سياسية وثقافية لا تزال أصداؤها تتردد حتى الآن، وكان من أبرز زواره المسرحي شريف خازندار، والشاعر محمد الماغوط، والكاتب سعد الله ونوس، والمخرج المسرحي فواز الساجر، والرسام فاتح المدرس. زال المقهى مطلع ثمانينيات القرن الـ20 بعدما شيدت السلطات البعثية مكانه برجاً تجارياً شاهقاً، لكن الشارع الذي كان يقع فيه لا يزال يعرف حتى الآن بـ”شارع البرازيل”.
ويمكن إحصاء عشرات المقاهي التي بزغت في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي في دمشق، وأدت دوراً مهماً في الحراكين السياسي والثقافي، فكان “مقهى الكمال الصيفي” واحداً من بين تلك الأماكن التي لا تزال حتى اليوم مزاراً يومياً للصحافيين وأمثالهم من الموظفين والحرفيين والحقوقيين، إذ ما زالت أسعار المشروبات في هذا المكان رمزية ومناسبة لعديد من أبناء الطبقة المتوسطة.
شهد مقهى الكمال تحولات عديدة مع اندلاع أحداث الثورة السورية في ربيع 2011، وكان يمكن من كرسي قصي في أحد أركانه متابعة خوف وترقب المتظاهرين والناشطين وهم يخططون للتظاهرات على عشرات الطاولات المتناثرة في فضائه الرحب، أما عند “جسر فكتوريا” فيقع “مقهى الشرق الأوسط”، ملتقى التجار الذين يعدونه بمثابة ملاذ لهم من قيظ نهارات العمل وإنجاز المعاملات الحكومية، لكن في المقابل شكل هذا المكان ما يشبه قوقعة لمثقفين وكتاب وسياسيين آثروا الابتعاد هرباً من أعين الاستخبارات، ولقضاء ساعات من العمل على رواياتهم بعيداً من الأضواء، إذ يحضر هنا أطياف كل من الراحلين الروائي السوري هاني الراهب، والرسام ممتاز البحرة، والمؤرخ محمد محفل، الذين كان من الممكن رؤيتهم في تسعينيات القرن الماضي ينكبون على أوراقهم يرسمون أو يكتبون أو يراجعون مخطوطات مؤلفاتهم ومقالاتهم قبل دفعها إلى النشر.
بقيت معظم المقاهي الثقافية التي تأسست مع نهاية النصف الأول من القرن الـ20 على حالها في دمشق، وربما تراجع حضور كثير منها في المشهد العام، وبقيت مقتصرة على دورها التقليدي كأمكنة للترويح عن النفس ولقاء الصحبة والأصدقاء، باستثناء “مقهى الروضة” في شارع العابد الذي تأسس عام 1937 على أنقاض سينما مخصصة لعروض الهواء الطلق. يكنى هذا المكان بـ”برلمان الظل” كونه يقع خلف مبنى البرلمان السوري في شارع الصالحية، وكان شاهداً على تحولات سياسية وثقافية جذرية منذ حقبة الانتداب الفرنسي على البلاد (1920-1946)، لكن المكان الذي يمتد على مساحة تصل إلى قرابة 1000 متر مربع توهج حضوره الثقافي بعد سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) عام 2024، إذ تحولت 150 طاولة حجرية وما يقارب 600 كرسي خيزران في جنباته، إلى ما يشبه محجاً يومياً لعشرات الناشطين والفنانين والمثقفين الذين عادوا من المنفى بعد غياب لسنوات طويلة.
ويحفل “مقهى الروضة” يومياً بأنشطة ثقافية متنوعة على مدار أيام الأسبوع، وربما يصعب إحصاء عدد الفعاليات الثقافية التي استضافها على مدار الأشهر الماضية. قرب بحرة (بركة ماء صغيرة) تحف بها الأشجار تتناثر جوقة من أصوات. رميات النرد مع صيحات مشجعي المباريات الرياضية مع هتاف الأصدقاء وضحكاتهم. جلبة تجعل أجواءه الحميمية أقرب إلى ملامح بيت دمشقي تراثي يحتضن الجميع بين حناياه. نستطيع أن نحصي عشرات حفلات توقيعات الكتب والروايات والمجموعات الشعرية والقصصية التي حدثت في “قهوة الروضة”، لعل أبرزها كان مع خليل صويلح الذي وقع روايته “ماء العروس” أخيراً على الطاولة التي يواظب منذ سنوات طويلة على الجلوس إليها. يمضي الروائي السوري هاجرة نهاره مع كل من المخرج السينمائي محمد ملص، والصحافي يعرب العيسى، وعديد من الأصدقاء.
وخصصت دار “كنعان” بإدارة ناشرها الفلسطيني سعيد البرغوثي، أياماً عديدة لتوقيع عدد من إصدارات الدار في المقهى ذاته، كان آخرها رواية “يوميات كحولي واضح” للشاعر باسم صباغ، في حين نظمت دار “التكوين” لمؤسسها الشاعر سامي أحمد، أكثر من حفل توقيع في المقهى ذاته كان أبرزها توقيع رواية “أحببت أنسي الحاج” لنهلة كامل. وبدورها اختارت دار “نينوى” لمؤسسها الناشر أيمن الغزالي، المكان ذاته ليكون فرصة للقاء كتاب الدار مع قرائهم، وكان من أبرزهم الشاعر والصحافي بشير البكر، الذي احتفل على طاولات المقهى بصدور كتابه “سوريا… رحلة إلى الزمن الضائع” بعد 40 عاماً من إبعاده عن البلاد.
ولم يقتصر نشاط “مقهى الروضة” على حفلات توقيع الكتب، فقد أدرج صاحبه ومديره أحمد كوزموش تقليداً أسبوعياً لحفلة غنائية تحييها فرقة تخت شرقي للموشحات والقدود الحلبية، وتحول المقهى إلى ما يشبه منتدى سياسياً لأحزاب وتيارات وتجمعات ثقافية نظمت ملتقيات متتالية. وجاء ذلك احتفالاً بعودة أبرز معارضي سلطة البعث بعد سنوات طويلة من الغياب. هكذا حضر كل من رياض سيف، وبرهان غليون، وفايز سارة، وجمال سليمان، وسمير سعيفان، وسط تهليل فرق العراضة الشامية ورقصات السيف والترس الفلكلورية.
وكان لافتاً استضافة “الروضة” لعروض سينمائية أيضاً مثل عرض الفيلم الوثائقي “حلم لم يكتمل” لمخرجه الناشط والإعلامي إياد شربجي، إذ نصبت شاشة عملاق في الرواق المطل على شارع العابد، وتحلق حولها عشرات من محبي الفن السابع، ليعقب العرض فتح باب النقاش مع الحضور.
تلك المدينة الناعمة
هذه الأجواء الاحتفالية كرست مفهوم “المدينة الناعمة” (Soft City) لدى عديد من المثقفين والفنانين السوريين. يرى هؤلاء اليوم في المقهى تحقيقاً لهذا المفهوم، وتعويضاً عن نقص فادح في السياسة الثقافية الرسمية التي تربع فيها نجوم الشعر العمودي على منابر المراكز الثقافية، وطغت حملات النظافة التي أطلقها وزير الثقافة السوري محمد ياسين صالح على الاهتمام بإنتاج عروض مسرحية وأفلام سينمائية، وغاب الانفتاح بصورة فعلية على المخيلة الثورية الجديدة لأجيال من الشباب والشابات الراغبين بإحداث تغيير جذري في بنية الثقافة التقليدية.
يشير مصطلح “المدينة الناعمة” إلى بعدين: ثقافي وعمراني. والمصطلح صاغه الكاتب البريطاني جوناثان رابان في كتابه الذي يحمل الاسم نفسه عام 1974. ويقصد به المدينة التي يشكلها خيال السير الذاتية لسكانها وسلوكياتهم اليومية، وليست مجرد شوارع وجدران نظيفة وأبراج شاهقة وخرسانات باسقة، فالمدينة لا تقاس بجمال مبانيها أو ضخامة مشاريعها الصلبة فحسب، بل بفاعلية مثقفيها وقدرتهم على التأثير في محيطهم العام من خلال فنون الأداء والنحت والتصوير والعروض السينمائية.
من هنا تبدلت وظيفة عديد من المقاهي الدمشقية لتنوب عن جمود واضح في المشروع الثقافي الرسمي، ولعل أبرز المقاهي التي تلعب اليوم هذا الدور لمع نجمها بعد سقوط نظام الأسد. وتأتي في مقدمة تلك الأماكن مبادرة أطلقها الصحافي السوري آسر خطاب، الذي أسس منذ أشهر مكتبة ومخبزاً في مقهى “المنهل الثقافي”.
يقع هذا المشروع اللافت جوار سوق “مدحت باشا”. ويدمج “المنهل” بين الرغيف والكتاب في صيغة مقهى ثقافي، وعن هذا المشروع يتحدث مؤسسه آسر خطاب قائلاً “نشأت في سوريا بين دمشق وحلب، وكان لدي حلم بحيازة الكتب التي طالما منعها النظام. كان من الصعب الحصول على عناوين أدبية وسياسية باللغات العربية أو الإنجليزية أو الفرنسية حجبتها سلطات البعث، مما جعلني أفكر باكراً بمشروعي الشخصي وكيف يمكن أن أجعل الكتاب في متناول الجميع من دون رقابة مسبقة عليه. بعد سقوط النظام عدت وأنا أحلم بتنفيذ مشروعي القديم لتعزيز ثقافة القراءة والاطلاع على الكتب التي تعرف بتاريخ بلادنا والمنطقة والعالم. هذه المعرفة يمكن برأيي أن تساعد على نهوض البلاد في مرحلة حساسة وحرجة ومحفوفة بالأخطار”.
ويتابع خطاب “بعد شهر من سقوط النظام عدت من فرنسا إلى سوريا بعد ثماني سنوات ونصف السنة من الإبعاد القسري، فبحكم عملي كصحافي في منابر دولية كان ذلك مجرماً عند النظام. وكانت زيارتي تلك مؤثرة للغاية، فشرعت مباشرة مع صديقي الخباز ورائد الأعمال الاجتماعية الأميركي برانت ستيوارت على إحياء ممارسات سبقت صناعة الخميرة الصناعية للخبز. قررنا حينها أن نشجع بعضنا بعضاً، وأن نؤسس مقهى يتكون من مكتبة ومخبز في آنٍ معاً، واخترنا لهذا المشروع مقراً على الطريق المستقيم الذي يعد أهم الشوارع التاريخية في دمشق القديمة”.
ويشرح آسر خطاب مشروعه “عثرنا على فرن حطب قديم يعود تاريخ بنائه إلى أكثر من 95 عاماً، وعلى الفور قمنا بترميم البناء بالتعاون مع مهندس كان في السابق يشغل منصب عمدة البلدة القديمة، وقررنا أنا وشريكي الأميركي أن ندمج غذاء الجسد والروح في وعاء واحد هو المقهى، بحيث نستعمل القمح المحلي الصلب لصناعة الخبز، وتعاملنا من أجل ذلك مع فلاحين ومزارعين سوريين من أكراد وأرمن وسوريان وعرب وشركس. تعرفت في أثناء جولتي إلى الإرث الغذائي العريق لبلادي، ومن خلال الغذاء والمعرفة نحاول أن نقرب وجهات النظر أكثر فأكثر”.
يركز آسر خطاب اليوم في مقتنيات “منهله” على الكتب التي كانت ممنوعة في عهد النظام السابق، ويقول “نبتعد في مشروعنا عن الكتب التجارية أو ما تدعى بـ(الأكثر مبيعاً). مكتبات سوريا مليئة اليوم بكتب تعنى بمسائل الدعم الذاتي وسواها، أما بالنسبة إلينا فسنتوجه إلى الكتب الأدبية والتاريخية والفلسفية ذات النزعة التنويرية. ليس شرطاً أن أتفق مع كل الكتب التي سأقتنيها، لكن الأهم بالنسبة إليَّ أن تكون الكتب التي سأعرضها في (المنهل) تدعو للتفكير والنقاش، وهذا أمر مهم للغاية في الوقت الراهن لتكريس ثقافة الحوار بين السوريين، وفعلاً بدأنا التواصل مع كتاب عرب وأجانب حققوا كتباً مهمة عن سوريا، ويتم التنسيق معهم لإجراء جلسات نقاش حية ومباشرة مع الجمهور حول مؤلفاتهم. ويبقى التحدي الاقتصادي ما يشغلنا الآن، وهو إمكان توفير ملخصات لكتب عن سوريا مؤلفة باللغتين الإنجليزية والفرنسية، وهي كتب يتجاوز سعرها الـ35 جنيهاً استرلينياً (46.45 دولار)، وهو مبلغ لا يمكن للقارئ أو القارئة السوريين دفعه في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة”.
ويبدو مقهى المخبز والمكتبة مشروعاً غير ربحي، لكنه في الآن ذاته غير خيري تماماً، بل هو مشروع مؤسسة مجتمعية تحاول التوفيق بين الخيارين. يسعى “المنهل” من خلال ما يبيعه من مخبوزات وقهوة لشراء الكتب المطلوبة، وعمل هذا المقهى على توظيف أشخاص كانوا معتقلين سابقين في سجن “صيدنايا” العسكري، إضافة إلى توظيف لاجئين ولاجئات عادوا إلى البلاد من الدول المجاورة ويبحثون عن فرصة عمل كريمة، وللتعويض عن الكلفة المادية التي يتطلبها اقتناء الكتب يصرح القائمون على هذه المبادرة بأنهم لن يبدأوا في بيع الكتب بل في إعارتها وقراءتها داخلياً، مما سيوفر فرصة لاطلاع الزوار وإتاحة المعرفة لأكبر شريحة اجتماعية ممكنة. في هذا الصدد كان “المنهل” أطلق مبادرة التبرع بأثمان الكتب في الدورة الماضية من معرض دمشق الدولي للكتاب، واستطاع هذا المشروع الرائد توفير 200 إصدار جديد في مختلف العناوين السياسية والمعرفية والفنية.
ويعول كثير من مثل هذه المبادرات على تغيير الوظيفة التقليدية للمقهى، فعلى مستوى آخر بزغ أخيراً مقهى جديد في شارع العابد في دمشق حمل اسم “قنطرة”، وهو مبادرة تدمج هي الأخرى بين المقهى والمكتبة في صيغة جمالية جذابة، إذ يوفر المكان الذي يتألف من طابقين فرصة لقراءة الكتب عبر قاعة مخصصة للمطالعة تشغل حيزاً مهماً من المكان. يبدو المكان الجديد ذا طابع جمالي في تنسيق رفوفه وطاولاته المطلية بألوان هادئة. وعقد القائمون على مقهى ومكتبة “قنطرة” أخيراً اتفاقية مع عديد من دور النشر السورية والعربية، وكان أبرز تلك الاتفاقات مع دار “المتوسط” للنشر والتوزيع، إذ ستوفر “قنطرة” كتب الدار الإيطالية للقراء والقارئات السوريين بأسعار مخفضة، وفي حال تعذر دفع ثمنها ستتم إتاحة هذه الإصدارات للإعارة الداخلية مقابل أجور رمزية.
وتزخر دمشق اليوم بتوليفة واسعة زاوجت بين نموذج المقهى والحفلات الموسيقية والشعر، فيما اختصت أخرى بالفن التشكيلي والعروض السينمائية، ويأتي على رأس هذه المقاهي الفنية “غاليري ومقهى عالبال” في حي القيمرية. المكان الذي يشرف عليه منذ تأسيسه عام 1995 الرسام عادل إبراهيم تضم جدرانه الطينية مجموعة من الأعمال لفنانين سوريين، مثل مأمون البوشي ونذير نبعه وفاتح المدرس وعتاب حريب وبسيم الريس وآخرين. وعلى مدى سنوات اختص هذا المقهى بتقديم أغنيات الرحابنة وفيروز وزياد لزواره، إذ يقع المقهى التشكيلي في دهليز الحارات الشامية العتيقة، وقد نظم منذ مطلع الألفية الراهنة عديداً من الأمسيات الشعرية لكل من اللبناني طلال حيدر والسوري نزيه أبو عفش، واحتفى “عالبال” بشخصيات فنية وأدبية من مثل الشاعر عادل محمود، والروائي حيدر حيدر، والفنان بسام كوسا.
وينقسم المكان الذي كان في ما مضى إصطبلاً للخيول إلى مقهى في طبقته السفلية. وتحف شجيرات الياسمين والزنبق بجنباته، فيما تتربع الأعمال النحتية والجداريات المنقوشة على البرونز والمعدن مقابل كل طاولة من طاولاته. الطبقة العليا من “عالبال” خصصها القائمون على المكان كصالة عرض للأعمال التشكيلية. وأقيم في هذه الصالة عديد من المعارض لكل من الفنانين نذير إسماعيل وإسماعيل نصرة وأسماء الفيومي وعصام حسن، ومعظمها تقدم أعمال البورتريه للسيدة فيروز وزياد الرحباني وجوزيف حرب، فيما تشغل المكتبة أحد الأركان قرب مدفأة الحطب القديمة وقطع الأنتيكا التي تعطي خصوصية فريدة ودفئاً عميقاً للمكان.
وكان نظام الأسد ضيق الخناق على مثل هذه الأماكن التي مزجت المقهى بأنشطة ثقافية وفنية للتحايل على الرقابة البعثية، إذ قامت محافظة دمشق عام 2016 بختم مقهى “القصيدة الدمشقية” بالشمع الأحمر. حدث ذلك بعد تقارير كيدية ضد صاحبه حكمت داوود. كتب مخبرون وقتها أن المكان يحتاج إلى ترخيص لإقامة برنامج فني. وتعاملت شرطة المحافظة مع المقهى الثقافي مثلما تتعامل مع مرابع السهر الرخيصة، فـ”القصيدة الدمشقية” كان قبلة لشعراء وعازفين ورسامين شباب يقصدون المكان بغية تقديم فقرات مجانية من أعمالهم، من دون أن يطالبوا بأجور لقاء ذلك. مع الوقت اتضح أن هذا النوع من النشاط الثقافي لا يروق لسلطات البعث، لأنه يسمح بتجمعات يمكن أن تشكل خلية سياسية نشطة ضد السلطة.
حدث الأمر ذاته مع مقهى وغاليري “زرياب” في حي القيمرية، الذي واظب مديره ومؤسسه الشاعر برنار جمعة، أيضاً على تقديم فرق الجاز والروك الشبابية في فضاء المكان، إضافة إلى مكتبة تقدم الكتب مجاناً للزوار. أصدر “زرياب” أنطولوجيا لشعراء وشاعرات الحرب السورية، لكن مرة أخرى لم يرق ذلك للعسس الثقافي الذي تذرع مجدداً بانتهاء صلاحية عقد استثمار المكان، مما عجل بإقفال “زرياب” لأبوابه منذ عام 2023 على أمل العودة بأحلام ورؤى جديدة.
ملاذات للشعراء والقصيدة
وطالما كانت المقاهي الثقافية في دمشق الملاذ الآمن للحركات الشعرية الجديدة، وخلال العقدين الأخيرين حسم عديد من الشاعرات والشعراء السوريين مواقفهم إزاء المراكز الثقافية الرسمية. رويداً رويداً تسرب هؤلاء من دوي وصراخ القصائد الحماسية العصماء في مديح القائد الرمز. في تلك اللحظة من عمر البلاد صارت تنبت ملتقيات الشعر كالفطر في شوارع وجنبات المدينة. وهكذا أسس الشاعر أحمد كنعان ملتقى “يا مال الشام” متنقلاً بين مقاه عديدة في دمشق القديمة، مثلما شرع الشاعر عدنان أزروني في إطلاق ملتقى ومقهى “عناة” في منطقة صحنايا (ريف دمشق)، وأسس كل من الشاعرين عمر الشيخ وعلي عقباني، جنباً إلى جنب مع الروائي جورج حاجوج والشاعر معاذ اللحام ملتقى “أضواء المدينة” في غاليري ومقهى “نينار” في محلة باب شرقي، لكن سرعان ما أثارت هذه المقاهي الشعرية ريبة السلطات، فحرضت كتاباً لمهاجمتها في الصحافة المحلية الموالية للسلطة، مما أدى إلى توقف عديد منها، فيما يستعد آخرون لإعادة إحياء المقهى الشعري كما هي الحال مع تجربة مقهى “قصيدة نثر” في مدينة اللاذقية، الذي أسهم كل من الشعراء منذر مصري وبريء خليل وغدير حبيب في استئناف فعالياته.
ما حدث مع كل من “القصيدة الدمشقية” و”زرياب” والمقاهي الشعرية الأخرى كان حافزاً لاستمرار مقهى “قهوة مزبوطة” في برنامجه الموسيقي المتنوع، لكن بحذر. فعلى مدار الأسبوع ينشط المكان الواقع في حي الشعلان في دمشق منذ سنوات لتقديم حفلات تجمع بين أنغام القانون والعود وموسيقى الجاز. يشرف على هذه الأمسيات الموسيقية الفنان سيمون مريش، وينظم دورياً عديداً من المناسبات التي تحتفي بالموسيقى البديلة وسط أجواء من نقاشات لا تهدأ عن ضرورة إطلاق فضاءات مماثلة تستوعب خريجي وخريجات المعهد العالي للموسيقى، وتوفر لهم أمكنة لمواجهة جمهورهم، بعيداً من بيروقراطية ورسمية حفلات دار الأوبرا والمراكز الثقافية.
زوار “قهوة مزبوطة” يعرفون بعضهم بعضاً، فهم في غالبيتهم من المخرجين والممثلين المسرحيين وطلاب الفن والشعراء والكتاب الجدد. لم ينسَ القائمون على هذا المقهى تصدير أعمال متمردة لفنانين تشكيليين معاصرين من أمثال مصطفى علي، الذي يمكنك أن تراه وهو جالس إلى طاولته صباحاً يخط بقلم الفحم وبقايا القهوة والأحبار بعض أعمال الـ”إسكيتش” صغيرة الحجم، وفيها يختبر النحات السوري تقنية اليد الحرة في رسم ومقاربة وجوه بشرية التقطها من زوار وزائرات المقهى، أو تلك التي يقول إنه قد استعادها من الذاكرة القريبة والبعيدة لسوريين غادروا أو ماتوا هرباً من القتل العبثي.
“كروكيات” ودراسات مصطفى علي على الورق والكرتون في نهار دمشق، تعيدنا إلى ذكريات من مروا على طاولات “قهوة مزبوطة”، التي تتوزع في رواق داخلي دافئ، فيما يتحلق آخرون حول طاولات حجرية في الفسحة الخارجية للمكان. أبرز زوار “القهوة المزبوطة” كان الكاتب خالد خليفة، ولا يزال أصدقاؤه المخرج المسرحي والأكاديمي أسامة غنم رفقة طلابه في المعهد العالي للفنون المسرحية ضيوفاً شبه دائمين على طاولة صديقهم الروائي الراحل، فيما نشاهد كلاً من المخرج السينمائي أسامة محمد وزوجته مغنية الأوبرا نعمى عمران والمصور الفوتوغرافي بسام البدر يلتقطون الصور مع فناجين قهوتهم. تحية شبه مستحيلة لأرواح من قضوا قبل بزوغ فجر الحرية في بلادهم، ونظرة ريب نحو مستقبل غامض. على مقعد مجاور لجدار القهوة الخارجي كتب أحدهم عبارة الشاعر الفرنسي رامبو “على الحرية أن تكون حرة”.
ولعل خسارة صالة سينما “كندي دمشق” لمصلحة تحويلها إلى مركز ثقافة دينية تابع لمديرية الأوقاف، حفز عديداً من الناشطين السينمائيين لاجتراح فضاءات بديلة. رافق ذلك توقف عجلة إنتاج الأفلام في المؤسسة العامة للسينما في العام الماضي، لكن هذا لم يُثنِ فعاليات أهلية عن إقامة أكثر من نشاط خارج صالات العرض الرسمية، إذ أطلق مجموعة من السينمائيين الشباب فعالية أسبوعية جاءت تحت عنوان “مقهى السينما”.
والتظاهرة التي شهدت عروضاً لأفلام سورية مستقلة، تزامنت مع برنامج لتجارب أكثر احترافية أقيمت في ليوان بيت فارحي بحارة اليهود الدمشقية، وكان أبرزها تقديم العرض الأول للفيلم الوثائقي “عمر أميرالاي… الألم، الزمن، الصمت” للمخرجة هالة العبدالله، في ما تنادى سينمائيون آخرون لإحياء نادي السينما في “مقهى القيمرية”، وكان آخر عروضه فيلم “قمر دمشق” لمخرجه نضال قوشحة، إذ يوثق الشريط المتوسط بأسلوب يدمج بين الوثائقي والدرامي لمراحل من حياة الشاعر نزار قباني.
واخترع عديد من ممثلي الـ”ستاند أب كوميدي” مساحتهم الخاصة في مقاهي دمشق، وتذخر المدينة بمنصات لعروض دورية لهذه الفرق، وأبرز هذه المقاهي التي تستضيف اليوم ليالي الكوميديا السورية هي “منزول” و”ديز” و”البابا” و”كرمة”، إضافة إلى مقهى “كراكوز وعيواظ” الذي يحاول القائمون عليه إحياء هذا النوع من الفرجة الشعبية عبر تقديم قصص وحكايات تلامس نبض الشارع السوري وهمومه المعيشية بطريقة ساخرة.
بدا أن منصات الكوميديا الشبابية تحل بديلاً من شح واضح في موسم المسرح السوري، وانعدام فرص التمويل من قبل وزارة الثقافة، واقتصار العروض على مبادرات فردية لمخرجين وممثلين وكتاب يحاولون عدم ترك خشباتهم للهجران والوحشة.