اكرم حسين …كاتب
الحديث عن مسؤولية «الكرد» عن ممارسات قوات سوريا الديمقراطية، وتحميلهم جماعياً نتائج سياسات وممارسات هذه القوة، هو خلط سياسي وأخلاقي لا يخدم الحقيقة ولا وحدة البلاد.
أولاً: قسد لم تدّعِ يوماً أنها تمثّل الكرد السوريين ، ولم تكن مفوضة بالحديث باسمهم. بل إن مشروعها السياسي، منذ نشأته، قام على مفهوم «الأمة الديمقراطية»، وهو تصوّر عابر للهويات القومية، سعت من خلاله إلى بناء منظومة سياسية وأمنية وإدارية شملت العرب والكرد والسريان وغيرهم ، ولذلك فإن اختزال قسد بالكرد، أو اختزال الكرد بقسد، خطأ منهجي لا يجوز أن يتحول إلى خطاب سياسي أو اتهام جماعي!
بل من المفارقة أن الكرد أنفسهم كانوا من أكثر المكونات السورية تضرّراً من ممارسات السلطة التي نشأت في مناطق سيطرة قسد. فقد تعرض كثيرون للاعتقال والتضييق والتهجير والهجرة القسرية، كما تعرض ناشطون وأحزاب وشخصيات كردية معارضة للسلطة القائمة هناك لممارسات لا يمكن تبريرها تحت أي عنوان؟
لذلك، فإن تحميل المواطن الكردي مسؤولية جريمة ارتكبها فرد أو تنظيم أو مؤسسة، لمجرد انتمائه القومي، ليس عدلاً، بل هو منطق يتناقض مع دولة القانون التي ينادي بها السوريون جميعاً.
أما مطلب الكرد الحقيقي في سوريا، فهو دولة القانون والمساواة والمواطنة المتساوية ، وهذا المطلب ليس امتيازاً للكرد، ولا مشروعاً لتقسيم البلاد، بل هو جزء أصيل من مشروع بناء الدولة السورية الحديثة.
لقد عاش الكرد السوريون لعقود طويلة في ظل مواطنة منقوصة، ووصل الأمر إلى تجريد أعداد كبيرة منهم من الهوية والجنسية السورية، وحرموا من حقوق أساسية بسبب انتمائهم القومي ، ولذلك فإن معالجة هذا التاريخ من الظلم ليست منّة من أحد، ولا تنازلاً عن وحدة سوريا، وإنما هو تصحيح لخلل تاريخي وبناء لأسس المواطنة الحقيقية.
ومن هنا، فإن الحقوق القومية والثقافية والسياسية للكرد جزء لا يتجزأ من قضية المواطنة والحرية في سوريا. فالاعتراف باللغة والثقافة والهوية والحقوق القومية لا يعني تقسيم الوطن، كما أن الاعتراف بحقوق أي مكوّن سوري لا ينتقص من حقوق المكونات الأخرى.
إن سوريا التي نريدها لا تُبنى على قاعدة «أكثرية تحكم وأقلية تتنازل»، ولا على قاعدة الثأر الجماعي، بل على قاعدة المواطن المتساوي أمام القانون.
ومن حق العرب أن يطالبوا بالعدالة عندما يتعرضون للظلم، ومن حق الكرد أيضاً أن يطالبوا بالعدالة عندما يتعرضون للظلم. لكن العدالة لا تكون بتبادل الاتهامات بين القوميات، ولا بتحويل جرائم الأفراد والتنظيمات إلى مسؤولية جماعية.
إذا كان هناك شخص ارتكب جريمة، فليُحاسَب بوصفه شخصاً ، وإذا كان هناك تنظيم ارتكب انتهاكات، فلتُفتح الملفات وتُحاسَب القيادة والعناصر المسؤولون عنها. أما أن يُطلب من الكرد أن «يتبرؤوا» من تنظيم لم يفوضوه أصلاً بتمثيلهم، فهذا يكرّس بالضبط المنطق الذي ينبغي أن نتجاوزه.
كذلك، لا ينبغي أن ننسى أن آلاف العرب والكرد والسريان وغيرهم كانوا ضحايا للاستبداد والعنف خلال سنوات الحرب. فالمأساة السورية أكبر من أن تختزل في صراع عربي–كردي، وأعمق من أن تُقرأ بمنطق «من بدأ أولاً؟».
الوطن لا يحميه الانتقام، بل القانون. ولا تصونه الذاكرة الانتقائية، بل العدالة.
ومن يريد سوريا موحدة فعلاً، فعليه أن يدافع عن وحدة السوريين في الحقوق والواجبات، لا عن وحدة جغرافية تخفي وراءها تفاوتاً في المواطنة.
لا يمكن أن تقوم دولة وطنية سورية حديثة من دون المساواة، والقانون، والعدالة، والمواطنة المتساوية ، وهذه ليست مطالب كردية فحسب، بل هي مطالب كل سوري عانى من الاستبداد والتمييز والإقصاء.
لذلك، فإن الطريق الصحيح ليس أن نسأل: «من هو العربي؟ ومن هو الكردي؟ ومن قتل من؟» فقط ، وإنما أن نسأل أيضاً : كيف نبني دولة لا يستطيع فيها أحد أن يقتل أو يعتقل أو يهجّر إنساناً بسبب قوميته أو رأيه أو انتمائه السياسي؟
تلك هي المعركة الحقيقية ، وهي معركة الكرد والعرب وجميع السوريين معاً.
فالحقيقة لا تقسّم الوطن، والاعتراف بالمظالم لا يهدد وحدته؛ إنما الذي يهدّد الوطن هو الظلم حين يُبرَّر، والتمييز حين يصبح قانوناً، والجرائم حين تتحول إلى ذريعة لاتهام شعب كامل.
سوريا الجديدة لا تحتاج إلى أغلبية تنتصر على أقلية، ولا إلى أقلية تخشى من أغلبية ؛ بل تحتاج إلى مواطنين متساوين، ودولة واحدة، وقانون واحد، وعدالة واحدة للجميع.