ملخص
يواصل آندي بيرنهام نهج كير ستارمر في دفع السياسة الخارجية البريطانية بعيداً من القيادة الأميركية، خصوصاً حيال إسرائيل وفلسطين، مستنداً إلى تنسيق متزايد مع فرنسا وكندا ودول غربية أخرى. ويختبر حظر تجارة المستوطنات قدرة لندن على تحويل هذا الاستقلال إلى نفوذ فعلي، وسط تحذيرات من أن الرد الإسرائيلي قد يخدم بنيامين نتنياهو أكثر مما يدفع حكومته إلى تغيير نهجها.
سخرت زعيمة حزب المحافظين البريطاني كيمي بادينوك من رئيس الوزراء آندي بيرنهام خلال جلسة مساءلة رئيس الوزراء في مجلس العموم الأربعاء الماضي، واصفة إياه بأنه “امتداد لكير”. وكانت تقصد ذلك انتقاداً، لأن رئيس الوزراء الجديد لا يقل عن سلفه عناداً في رفض التعهد بتخصيص ثلاثة في المئة من الدخل القومي للإنفاق الدفاعي بحلول عام 2030.
لكن الوصف يصح من زاوية أخرى. فقد واصل بيرنهام سياسة كير ستارمر حيال إسرائيل وفلسطين، بل مضى بها أبعد، وهو فخور بذلك.
وبعدما تجنب الإجابة عن سؤال الإنفاق الدفاعي، راح يتحدث عن فضائل “قيادته الأخلاقية” في الشرق الأوسط، مؤكداً أن بريطانيا “ستقف دائماً في وجه الظلم” و”ستنحاز دائماً إلى الطرف الأضعف”.
لكن المسألة لا تقتصر على استعراض الفضيلة. فالجزء الأهم في بيان وزير الخارجية إد ميليباند في شأن حظر استيراد السلع من المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية كان قائمة الدول التي تشارك بريطانيا موقفها.
وعدد ميليباند خمس دول حظرت هذه السلع أو بدأت إجراءات لحظرها، ثم ست دول أخرى تعتزم القيام بذلك. لكنه أعلن قبل ذلك أن فرنسا وكندا ستتحركان الثلاثاء المقبل “إلى جانب” بريطانيا لحظر الواردات، مضيفاً: “هذا ما تستطيع بريطانيا تحقيقه حين تقود إلى جانب الآخرين”.
وهذا هو أسلوب ستارمر في القيادة: أن يكون في قلب المجموعة، ينسق بين أعضائها ويجمعهم حول موقف مشترك. وهو نهج ينسجم مع نقاط قوة وزارة الخارجية، التي تعتز بقدرتها على الإقناع وبناء التوافق، في امتداد لتقاليد الدبلوماسية البريطانية التي تبلورت بعد انتهاء عصر الإمبراطورية.
ويقول بن جودا، الذي عمل مستشاراً خاصاً لديفيد لامي، أول وزير للخارجية في عهد ستارمر: “تولت المملكة المتحدة، إلى جانب فرنسا، زمام المبادرة في بناء ائتلافات غربية فاعلة لا تقودها الولايات المتحدة”.
في الواقع، بدأ هذا النهج في عهد بوريس جونسون، الذي وقف إلى جانب الشعب الأوكراني عندما تخلى دونالد ترمب عن التفاهمات القديمة التي قام عليها حلف شمال الأطلسي. لكن ستارمر عززه، فعمل على حشد الدول المنضوية في “تحالف الراغبين”. ثم وسَّع هذا النهج ليشمل إسرائيل وفلسطين، واضعاً بريطانيا في قلب مجموعة من الدول التي خرجت عن الموقف الأميركي واتخذت سلسلة من الإجراءات الرمزية إلى حد بعيد للتعبير عن رفضها سياسات الحكومة الإسرائيلية.
في عهد ستارمر، فرضت الحكومة البريطانية عقوبات على وزراء إسرائيليين متطرفين واعترفت بفلسطين دولة. ويرى جودا أن حظر الواردات الذي أعلنه ميليباند يمثل “تعميقاً للتحول في السياسة الخارجية البريطانية بعيداً من القيادة الأميركية”. وبذلك يكون ستارمر، الذي تعرض لانتقادات بسبب قضائه وقتاً طويلاً خارج البلاد، وضع أسس سياسة خارجية جديدة ومتماسكة، وربما تحظى بشعبية أيضاً، ليتولى بيرنهام مواصلتها فيما يركز هو بدرجة أكبر على القضايا الداخلية.
ولا يقتصر اتخاذ موقف أكثر انتقاداً للحكومة الإسرائيلية على محاولة استرضاء القاعدة الناشطة في حزب العمال. فتنسيق حكومة بيرنهام تحركها مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني يبدد فكرة أن زعيم حزب الخضر زاك بولانسكي، الذي يخوض الانتخابات الفرعية في دائرة هولبورن وسانت بانكراس على برنامج مؤيد للفلسطينيين، هو من يملي السياسة الخارجية البريطانية.
فالتأييد للقضية الفلسطينية يتجاوز تلك الدائرة بكثير. وليس مستغرباً أن تسعى حكومة في بلد ديمقراطي إلى اتخاذ مواقف تحظى بتأييد شعبي، ولا سيما عندما تكون تصرفات الحكومة الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية مدعاة إلى هذا القدر من الإدانة.
لكن جانباً كبيراً من هذه السياسة يظل نوعاً من استعراض الفضيلة. كما أن اتخاذ دول أخرى الموقف نفسه استجابة للضغوط الشعبية ذاتها لا يعني أن إدانتها الجماعية ستدفع الحكومة الإسرائيلية إلى تغيير نهجها.
وحذر وزير الخارجية الجديد في حكومة الظل توم توغندهات، الثلاثاء الماضي، من أن العقوبات على المستوطنات، على محدوديتها، قوبلت برد فعل حاد من الحكومة الإسرائيلية، التي تؤجج المشاعر المعادية لبريطانيا بما لا يخدم سوى بنيامين نتنياهو قبيل الانتخابات الإسرائيلية المقررة الشهر المقبل.
لكن بيرنهام قد يكون أقدر على تقدير ما يمكن أن ينجح انتخابياً داخل بريطانيا.
