ملخص
كانت الكويت في ذلك الزمن، بالنسبة إلى أبناء جيلي، الوجهة الأبرز للسياحة والتسوق والازدهار. ولا يزال كثيرون منا نحن الإيرانيون يتذكرون مصطلح “الوضع كويت” باللغة الفارسية، في إشارة إلى الحرية والرفاه والجمال.
قبل 36 عاماً، وفي مثل هذه الأيام، خلال أغسطس (آب) 1990، وصل أقارب زوجة عمي إلى طهران مذعورين بعدما شهدت الكويت هجوماً برياً خاطفاً شنه جيش صدام حسين.
وكانت عائلة بهبهاني قد نجحت في الهرب من أتون الحرب بسيارة أميركية، حتى وصلت إلى الحدود الجنوبية لإيران، ومنها إلى طهران، حيث وجدوا ملاذاً آمناً في منزل عمي.
وعندما اجتاح صدام الكويت واحتلها، لم يكن قد مضى سوى عامين على انتهاء الحرب العراقية – الإيرانية المدمرة، وكان الإيرانيون قد ذاقوا ويلات الحرب على مدى ثمانية أعوام. فعادت للأذهان ذكريات القصف المتكرر الذي نفذته الطائرات العراقية خلال الأشهر الأولى من الحرب عام 1980، ثم القصف الصاروخي الواسع على طهران في عامها الأخير، الذي انتهى بقبول قرار مجلس الأمن الرقم 598 ووقف إطلاق النار خلال يوليو (تموز) 1988.
لم نشهد في طهران احتلالاً برياً أو وجود جيش معاد أمام منازلنا، وإن كنا قد سمعنا من النازحين في جنوب إيران روايات عن المعارك المباشرة مع الجنود العراقيين خلال أكتوبر (تشرين الأول) 1980، لكن في ذلك الشهر أي أغسطس من عام 1990، جلسنا، نحن وكنا طالبات المرحلة الثانوية، نستمع بذهول إلى روايات مباشرة من أقاربنا.
كانوا يقولون إن “الجنود العراقيين، بعد الهجوم الخاطف وما رافقه من انهيار أمني، أخذوا يفتشون المنازل وينهبونها. وعندما غادرنا منزلنا تركنا الأبواب والخزائن مفتوحة، إنهم دخلوا ونهبوا كل ما أرادوا. وفي الصحراء كنا نرى سيارات متروكة بلا ركاب، ولم نكن نعرف إن كانت قد تعطلت أم استولى عليها الجنود العراقيون”.
كانت الكويت في ذلك الزمن، بالنسبة إلى أبناء جيلي، الوجهة الأبرز للسياحة والتسوق والازدهار. ولا يزال كثيرون منا نحن الإيرانيون يتذكرون مصطلح “الوضع كويت” باللغة الفارسية، في إشارة إلى الحرية والرفاه والجمال.
قبل الحرب، كانت عائلة بهبهاني، وهم من أصول إيرانية ومن كبار التجار المعروفين في الكويت، تحضر معها في كل زيارة إلى طهران حقائب مليئة بالهدايا، تضم المنتجات التي جعلت من الكويت رمزاً للازدهار. وكانت إيران، الغارقة في الحرب مع العراق، تفتقد كثيراً من السلع، من القرطاسية عالية الجودة إلى المنتجات الفاخرة والعطور والبضائع الأجنبية التي كانت تصل إلينا عبر حقائب أقاربنا.
وكانت السيدة بهبهاني توزع الهدايا بسخاء على أفراد العائلة، وفي ذلك الوقت كان الجميع يحلم بزيارة الكويت، وعندما وصلت هذه العائلة النازحة إلى منزل عمي في طهران بعد رحلة شاقة، استقبلناهم بكل محبة وتعاطف. ولم يقتصر هذا التعاطف على عائلتنا، بل امتد في أنحاء إيران كلها، فكانت السيارات الكويتية التي تجوب شوارع طهران تستقبل بأبواق الترحيب وابتسامات المارة ولوحات الترحيب الصامتة.
انتهى احتلال الكويت بعد سبعة أشهر، عندما أجبرت قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة الجيش العراقي على الانسحاب. وخلال تراجعه أشعل الجيش العراقي النار في نحو 600 بئر نفطية، لتخلف كارثة بيئية استمرت آثارها أشهراً، وطاولت الخليج والدول المجاورة وجنوب إيران.
تحررت الكويت وعاد الكويتيون لمنازلهم المنهوبة، لكن الكويت آنذاك لم تعد كما كانت. فقدت البلاد جانباً كبيراً من ازدهارها ومكانتها، وبقيت لفترة تسعى إلى استعادة اقتصادها السابق، فتسببت طموحات صدام حسين في أن تواجه الكويت المزدهرة خلال ثمانينيات القرن الماضي تحديات كبيرة.
أستعيد هذه الذكريات باعتبارها تجربة شخصية تعكس حدثين كبيرين في تاريخ المنطقة خلال نصف القرن الأخير: الحرب العراقية – الإيرانية، ثم غزو العراق للكويت وما استتبعه من تدخل أميركي واسع، وما خلفته تلك الأحداث من آثار لا تزال ماثلة بعد أكثر من ثلاثة عقود.
احتل جنود حزب البعث الكويت، ثم دخل الجنود الأميركيون العراق، لتبدأ مرحلة جديدة قادته إلى الانقسامات الطائفية والصراعات الداخلية وظهور التنظيمات الإرهابية المرتبطة بالجماعات المتطرفة. كما أن الدمار الواسع الذي لحق بالبنية التحتية، ولا سيما قطاع الطاقة، ما زالت آثاره قائمة حتى اليوم.
وخلال هذه الأيام، يكثر الحديث في المنطقة عن هذين الحدثين، ولا سيما غزو الكويت، بوصفهما تحذيراً من عواقب الحروب. فمنطقة الخليج من أغنى مناطق العالم، وتعتمد نهضتها واستقرارها على الأمن وجذب الاستثمارات، بعيداً من الصراعات.
أما إيران، فقد حالت عزلتها الدبلوماسية خلال الأعوام الـ47 الماضية دون استعادة مكانتها الاقتصادية والسياسية التي كانت تتمتع بها قبل الثورة. كما زادت الحرب مع العراق من الأعباء، بينما ركز النظام الإيراني، طوال العقود الأربعة الماضية على بناء الشبكات والميليشيات الحليفة بدلاً من إعادة الإعمار والاستثمار، في وقت أسهم فيه الفساد المالي والإداري في تعميق السخط الشعبي واندلاع احتجاجات واسعة.
واليوم، بينما ينادي النظام إلى الحرب ويصعد من خطابه، فإنه يغض الطرف عن الكلفة الإنسانية الهائلة لأية مواجهة واسعة. ولا أتحدث هنا عن بقاء النظام، بل عن التشريد والدمار والموت، وهي آثار لا تزال الكويت والعراق يعانيانها حتى بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود.
تدرك دول المنطقة سياسات النظام الإيراني تجاه شعبه، كما تدرك دعمه للجماعات المسلحة ونهجه التصعيدي، لكنها تدرك أيضاً الكلفة الباهظة التي ستتحملها المنطقة إذا اندلعت مواجهة بين إيران والولايات المتحدة. ولذلك تسعى إلى منع اتساع رقعة الصراع، انطلاقاً من دروس حربي الخليج الأولى والثانية، بعد غزو الكويت، ثم الغزو الأميركي للعراق عام 2003.
وقد منح الموقع الجغرافي لإيران النظام في طهران ورقة ضغط تتمثل في مضيق هرمز، لكنه إذا بالغ في استخدامها فقد تأتي بنتائج عكسية، إذ قد تدفع دول المنطقة إلى مزيد من التقارب مع القوى الدولية لضمان حرية الملاحة، بما يمنح أي تحرك أميركي ضد إيران غطاء أوسع.
واليوم تبدو آثار التوتر بين إيران والولايات المتحدة واضحة في أسواق المنطقة وشوارعها، من نقص بعض السلع الاستهلاكية إلى تأخر السفن التجارية في مضيق هرمز، مروراً بحال القلق التي ألقت بظلالها على الأسواق المالية والتجارية.
وتستعيد دول المنطقة في هذه الأيام ذكرى مئات الآلاف من الكويتيين الذين هجروا وطنهم بعد الغزو نحو السعودية والأردن وإيران، وحجم التضامن الذي شهدته المنطقة آنذاك.
فدول الخليج، والشعب الإيراني، تربطهم روابط تاريخية وثقافية وعائلية عميقة، وقد ظهرت هذه الروابط بوضوح خلال احتلال الكويت، عندما تحولت المحنة إلى مشاهد من التضامن وإيواء اللاجئين.
أما الخصومة الحالية بين النظام الإيراني وهذه الدول، فهي بالنسبة إلى كثير من شعوب المنطقة تبدو غريبة وغير مفهومة، إذ لا تستند إلى ذاكرة تاريخية مشتركة ولا تنسجم مع العلاقات الإنسانية التي تجمع شعوب المنطقة. وإذا استمرت، فقد تترك آثاراً مريرة يصعب تداركها على مستقبل العلاقات بين شعوب ودول الخليج، وهي حقيقة ينبغي أن يدركها النظام الإيراني.
نقلاً عن “اندبندنت فارسية”
