
بدا زواج ميلر من مونرو ليس أكثر من نزوة عابرة في تاريخه سوف يندم عليها حتى وفاته (الغارديان)
ملخص
إن ما أراد ميلر تبيانه هنا هو أن المجتمع الأميركي الذي بني على فكرة النجاح الفردية والازدهار الدائم، كان دائماً ما يحمل في جوانيته بذور انهياره. فالأبطال الذين اعتقدوا أن العمل والذكاء يكفيان لتحقيق الأمن والاستقرار يكتشفون أمامنا فجأة هنا أن قوى اقتصادية هائلة هي التي كانت قادرة على تحطيم مصائرهم في لحظة واحدة.
بالنسبة إلى كثر من متابعي حياة النجوم وأحوال المجتمع، يبدو وكأن حياة الكاتب الأميركي المسرحي الكبير آرثر ميلر، قد توقفت بالفعل في ذلك اليوم الذي انفصل فيه عن زوجته مارلين مونرو، وربما في شيء من التسامح الأريحي بالنسبة إلى الأكثر تفهماً من بينهم، في اليوم الذي “حاسب فيه نفسه” من خلال مسرحية “الثمن” التي كتبها وعرضت خلال عام 1968.
فبالنسبة إلى هؤلاء لم يكن ميلر سوى “مستر مونرو”، الزوج الأخير في حياة نجمة النجوم التي ماتت انتحاراً، بعد فترة يسيرة من انفصالها عنه، وبالتالي هو “لا شيء” قبلها وعاد من بعدها ليصبح لا شيء.
غير أن الجمهور الأذكى والأكثر ثقافة يعرف، أن آرثر ميلر كان واحداً من كبار الكتاب الأميركيين ومن مؤسسي المسرح الواقعي الحديث، وأن زواجه من النجمة لم يكن أكثر من نزوة عابرة في تاريخه سوف يندم عليها حتى آخر أيامه ورحيله عن عالمنا خلال عام 2007 لكن من دون أن يعبر عن أي كراهية لها. فهي تزوجته فعلاً عن حب وهو تزوجها لإعجابه بها.
وتبقى مشكلة ميلر الوحيدة أنه دفع غالياً ثمن تلك النزوة وأحس بشيء من المسؤولية الأخلاقية عن رحيلها المأسوي يوم انتحرت يائسة من كل شيء وربما حزينة لأنها لم تتمكن من أن تكون على مستوى رجل اعتقدت أنها بزواجها منه تسمو بمستواه الفكري فتصبح “السيدة ميلر” لكن ذلك لك يتحقق، كما نعرف. أما بالنسبة إليه، فإنه كما يمكننا أن نتذكر، سرعان ما استعاد حياته الفكرية بعدها وعاد إلى كتاباته حزيناً على مصيرها حزن بقية الأميركيين عليها.
تعويض فكري
في مذكراته الرائعة التي أصدرها قبل حين من رحيله هو الآخر عن عالمنا بعنوان “منحنيات الزمن”، سوف يخبرنا ميلر على أية حال، أن مارلين إنما كانت واحدة من ضحايا الحلم الأميركي، بقدر ما اعتبرت خلال حياتها وفي الأبعاد الهوليوودية لتلك الحياة، من صانعي ذلك الحلم. وأنها سعت خلال فترة وجودها معه، طوال سنوات قليلة، إلى مناشدته مساعدتها على التخلص من ذلك الحلم. بل إنه سوف يلمح أيضاً بأن “قبوله” الزواج منها على النقيض مما نصحته به خلصاؤه، كان نوعاً من محاولة منه، للدخول إلى عالم ذلك الحلم الأميركي الذي يقول لنا، من ناحية أكثر تحليلاً، إنه شغله طويلاً ومنذ كتاباته الأولى، أي منذ ما قبل مارلين مونو وتعرفه عليها.
لقد جعل ميلر من ذلك الحلم موضوعه الأثير منذ بداياته العملية ككاتب مسرحي مع عمله الكبير الأول “كلهم أبنائي” خلال عام 1947، الذي حتى وإن كان يتمحور موضوعاً من حول الصراعات العائلية بين الأب وأبنائه، فإن ذلك الصراع إنما كان جزءاً من الحلم نفسه باعتبار العائلة هي جوهر الحلم.
ولسوف يعود الكاتب إلى الموضوع نفسه وإن بصورة أكثر تعمقاً ووضوحاً في مسرحيته الكبيرة التالية “موت بائع متجول”. وهي عودة تتابعت لديه في عديد من مسرحيات التالية مثل “ساحرات سالم” التي ربطت الحلم باللجنة المكارثية. بيد أن الذي حدث بعد ذاك هو أن ميلر، ومن خلال دخوله ذلك الحلم شخصياً، بعلاقته مع مارلين، أدرك أنه إنما تعامل دائماً مع ما أنتجه الحلم في المجتمع لا مع الجذور التي أنبنى عليها.
وهكذا بعد أعوام من تأمله في حال هذه الأخيرة وارتباطها بالحلم وعلاقته به، سيشعر في الأعوام الأخيرة من حياته، أنه لا بد له الآن من استعادة الموضوع ولكن ليس من منطلق فعل الحلم بالمجتمع، بل دور الحلم في صناعة المجتمع.
عودة إلى البداية
وهكذا، في الوقت الذي قال فيه كثر إن هذا الكاتب قد قال كل ما عنده ولم يعد لديه ما يقوله لا سيما بعد سلسلة مشاكل عائلية وصراعات جوانية، رأيناه يحدد لنفسه مرحلة بداية الستينيات، بين كتابته “المنحرفون” على شكل سيناريو سينمائي كان هديته الأخيرة لمارلين التي سترحل من بعده، كفيلم من إخراج جون هستون، وعودته إلى المسرح في عملين كبيرين هما “بعد السقوط” و”الثمن” لينتج بعض الأعمال المسرحية الفكرية الأخرى قبل أن يسجل عودته إلى الحلم الأميركي في قلبة لافتة عبر مسرحية هي “الساعة الأميركية” التي سيصفها هو شخصياً خلال عام 1980 بكونها جدارية مسرحية شاملة تصور الحياة الأميركية خلال مرحلة الكساد الكبير. وهي مسرحية يمكن وصفها بالعمل الكبير والوصية الإبداعية، لكاتب قدم فيها خلاصة فنه المسرحي والفكري، كما سنرى بعد سطور.
ولعل في مقدورنا نحن أن نصفها بأنها واحدة من أكثر الأعمال الإبداعية تأملاً في التاريخ الأميركي لدى آرثر ميلر. فهو هنا يعود إلى تاريخ بلاده لا بوصفه مادة سجالية لفهم الماضي وحسب، بل باعتبار الماضي مرآة لفهم الحاضر ومن خلاله فهم علاقة الفرد الأميركي بالحلم الذي بنيت عليه فكرانيته. ففي هذه المسرحية، وبصورة خاصة، يستعيد الكاتب سنوات الكساد الكبير التي أعقبت انهيار بورصة نيويورك وول ستريت عام 1929، لكن الكاتب لا يفعل ذلك بهدف تقديم إعادة تمثيل تاريخية دقيقة، بقدر ما يسعى إلى الكشف عن هشاشة الحلم الأميركي نفسه من خلال تلك الحادثة المفصلية في تاريخه.
حكاية عائلية
كما الحال في معظم مسرحيات ميللر الاجتماعية هي حكاية عائلة بومان التي كانت تنتمي إلى الطبقة الوسطى الميسورة قبل أن تجد نفسها، شأن عشرات ملايين الأميركيين، وقد فقدت ثروتها ومكانتها الاجتماعية. ومن خلال تفكك هذه العائلة يطرح ميلر سؤالاً محورياً: ماذا يحدث للإنسان عندما ينهار النظام الاجتماعي الذي كان هو ما منح حياته معناها؟ فالأزمة الاقتصادية في المسرحية ليس مجرد حدث مالي بل هي أزمة أخلاقية ووجودية تهز أسس الهوية الفردية والجماعية.
إن ما أراد ميلر تبيانه هنا هو أن المجتمع الأميركي الذي بني على فكرة النجاح الفردية والازدهار الدائم، كان دائماً ما يحمل في جوانيته بذور انهياره. فالأبطال الذين اعتقدوا أن العمل والذكاء يكفيان لتحقيق الأمن والاستقرار يكتشفون أمامنا فجأة هنا أن قوى اقتصادية هائلة هي التي كانت قادرة على تحطيم مصائرهم في لحظة واحدة.
ومن هنا تأتي المفارقة الأساسية في المسرحية: المفارقة التي تفيدنا أن الإنسان ليس سيد مصيره تماماً، كما يوحي الخطاب الأميركي التقليدي. بل هو خاضع أيضاً لبنى اقتصادية واجتماعية تتجاوز إرادته.
باختصار من الواضح أن وصية ميلر التي أراد إيصالها هنا خلال سنوات حياته الأخيرة، تكاد تقول لنا إن المجتمعات التي تجعل المال المعيار الأوحد للقيمة الإنسانية، تعرض نفسها لخطر الانهيار المعنوي عندما تترك نفسها عرضة للأزمات. فالثروة قد تضيع لكن الكرامة الإنسانية والتأمل الاجتماعي هما ما يسمح للإنسان بالاستمرار. ومن هنا تبدو “الساعة الأميركية” رغم تناولها أحداثاً جرت خلال ثلاثينيات القرن الـ20، عملاً موجهاً إلى أجيال لاحقة تواجه اليوم الأوهام الاقتصادية نفسها والأسئلة ذاتها حول معنى النجاح وفكرة الحرية والبحث عن الأمان.