
رموز الثقافة الأميركية لم يجردوا “الحلم” من أحقيته وشرعيته لكنهم بأرواحهم المثلومة حاولوا استرداده لصاحبه الأول/ الإنسان (اندبندنت عربية)
أميركا منحت العالم المنافع والمدافع: أنجع الأدوية وأفتك الأسلحة. كشوفات العلم وانكشافات الأخلاق. حوافز النمو وممارسات تثبيطه. استكشاف مجاهيل الفضاء وأخطار “حرب النجوم” (حلم رونالد ريغان غير الجهيض). تقاليد الديمقراطية ووسائل تقويضها. بريق الإعلام واستخدام قدراته على التلاعب بالرأي والعقول. متع هوليوود وسمومها.
يحتفل الأميركيون بمرور 250 عاماً على استقلال بلادهم. الأصح أنهم يحتفلون بذكرى تأسيس جمهوريتهم. قبل 4 يوليو (تموز) 1776 كانت أميركا ولايات غير متحدة. بتعال أرستقراطي موروث ذكّرهم ملك الإنجليز (المستعمرون السابقون) تشارلز الثالث، بأن الأمر جرى في الأمس القريب.
قبل أكثر من خمسة قرون كانت أميركا القارة ترزح خلف غياهب الجغرافيا. يعيش أهلها في عزلة ودعة واكتفاء، قبل أن يأتيهم زائر ثقيل. راح كريستوف كولومبوس يتفقد بوصلته باستمرار، للبقاء في خط سيره عبر المحيط. خذلته البوصلة وخدمه الحظ. وصل إلى العالم الجديد كرمية من غير رام. تغيرت مع وصوله مقادير البشر أي السكان الأصليين (الذين يسمونهم الهنود الحمر). دفعوا وجودهم ثمناً لسيوف الزائر الشرس والشره. من يومها ستدفع شعوب العالم الثمن هي الأخرى، لاكتشاف كولومبوس، سواء عن طاعة الحب، أو بسبب معصية الكراهية.
بين هؤلاء وأولئك، أحب أميركا، لكني أحب من الأميركيين أجملهم:
أحب إيما لازاروس وهي تصدح في قصيدتها “العملاق الحديد”: “أعطوني تعبكم، وفقراؤكم، وجماهيركم المتلهفة إلى التنفس بحرية”. الكلمات الملهمة عندما نقشت على قاعدة تمثال الحرية، قبل أن تعصف بها سياسات “حافة الهاوية” في أروقة واشنطن.
أحب مارتن لوثر كينغ ونشيده البهي: “لدي حلم”، ما تحقق منه وما تبدد.
انبهرت وما زلت بـ”جيل البيت” Beat generation، متتبعاً رحلة جاك كيرواك “على الطريق”، ومتأملاً استكشافات ويليام بوروز في “الغداء العاري”، ومتلمساً جرأة آلن غينسبيرغ في “عوائه”، هؤلاء الذين أنزلوا إلى مداولات الشارع موضوعات مرذولة، خلطوا فيها الحسي والروحي، وفضحوا سياسات بلادهم العنصرية، وناصروا حقوق الأقليات.
ببساطة أنحني أمام توني موريسون، التي دونت في سردياتها آلام ملايين السود منذ أن حملتهم سفن السيد الأبيض فتفرقوا في مزارعه ومصانعه ينزفون دماً ويذرفون دمعاً كلما ارتفع صوت فيقابله سوط. وما زال أنينهم يتناهى إلينا من “محبوبة” إلى “أشد العيون زرقة” و”صولا” و”طفل القطران”.
أستمع بشغف إلى موسيقى الجاز والبلوز عندما ينفخ في روحها مبدعون مثل لويس أرمسترونغ، وديوك إلينغتون، وتشارلي باركر، فيفتحون ذاكرة الجرح عن آخرها.
أتوقف بإمعان عند مايكل موور، الهجّاء السينمائي لـ”المؤسسة” وجلافاتها السياسية.
وتتردد في مسامعي حشرجة إي. أثيلبرت ميلر وهو يئن: “في الليل كلنا سود”.
لا يسفّه هؤلاء ـ وغيرهم ـ “التجربة الأميركية”. لا يجردون “الحلم” من أحقيته وشرعيته، لكنهم بأرواحهم المثلومة يحاولون استرداد “الحلم” لصاحبه الأول/ الإنسان، بعدما صادره مجتمع “البرتقالة الآلية” كما صوره الإنجليزي أنطوني برجس في روايته.
قامت أميركا، الإمبراطورية المعاصرة، على الحلم وقوضته في لحظة بزوغه. كانت ولادة عسيرة وموتاً مقيتاً في آن. فلنسأل الـWASP، مجتمع الرجال البيض (الأنغلوساكسون البروتستانت) عن ذلك. ستجيبنا سيرة فريدريك دوغلاس “العبد” السابق في بالتيمور، وحكايات مزارع لويزيانا المروية في “12 عاماً من العبودية”… قائمة الأمثلة طويلة، والمحتجون بعدالة الدستور الأميركي الذي أقر في عام 1789، سيجدون صعوبة ـ أول الأمر ـ في تسويغ عدالته.
أول دستور مؤسساتي مكتوب، يبجل حقوق الأفراد (يقولون!)، كان المعني فيه حقوق الرجال البيض (من دون النساء) الذين يملكون الأرض ويمارسون استعباد وتسخير الأفارقة المستوردين بالقوة. وقد استمرّ التمييز الديني والعرقي في الولايات المتحدة حتّى أواخر القرن العشرين. والنساء انتظرن التعديل الدستوري التاسع عشر عام 1920، لكي يصبح من حقهن التصويت.
ما علينا، ذلك تاريخ فات زمناً لكنه لم ينقض أثراً.
سيكون القرن العشرن مختبراً تجريبياً عملاقاً للعدالة الأميركية. هو “القرن الأميركي” كما سماه هنري لويس في “التايم” عام 1941. ومن ثم سيتحول المختبر إلى مؤسسة باسم “مشروع القرن الأميركي الجديد” عام 1997، للترويج للقيادة الأميركية العالمية وتوسيع نطاق الدفاع الاستباقي.
لكن التدشين الحقيقي للمختبر سيبدأ من الداخل الأميركي نفسه. في مطالع القرن العشرين، شهدت الولايات المتحدة حالة فوارة أخلاقياً ومادياً واجتماعياً، مع طفرة الوفرة التي أطلقتها منتجات العلوم الحديثة، ورواج التجارة بلا ضوابط، واتساع حياة الرفاهية بمتعها الحسية التي لا تحدها قيود. رصد ف. سكوت فيتزجيرالد تحولات بلاده تلك الفترة بشكل فاجع في “غاتسبي العظيم” (الرواية التي ترجمت إلى عشرات اللغات وأنتجت عدة مرات للشاشتين الكبيرة والصغيرة)، ومع ذلك الرصد كان يدق جرس الإنذار مما هو آت.
والآتي لم يتأخر كثيراً.
خرجت الولايات المتحدة من الحرب العالمية الثانية، المنتصر الأكبر والأول. قاتلت خارج حدودها، عبر المحيطات والبحار، الوحش النازي المتربص بالبشرية جمعاء. جمعت الحلفاء والأنصار حول نموذجها المثلث الأضلاع: العسكري والاقتصادي والثقافي. لكن وحشاً آخر كان يترصد: النموذج الشيوعي بهالته الواعدة.
ستصبح المعركة مع “إمبراطورية الشر” الشيوعي هي جوهر مشروع القرن الأميركي. معركة شاملة تجوب أرجاء العالم، بحروب محلية وإقليمية كبرى وصغرى، وصولاً إلى تخوم “الستار الحديدي” قبل أن تقتحم قلبه. لكنها تبدأ من الداخل الأميركي أولاً، من سؤال بليد وفج قضّ مضاجع النخب: هل أنت شيوعي؟ كان السؤال في حقيقته استجواباً بوليسياً، أخضع خلاله آلاف الفنانين والأكاديمين لحملة ترهيب حقيقية، قادها عضو الكونغرس جوزيف مكارثي.
ابتداء من شهر فبراير (شباط) 1950، أصبحت المكارثية علامة أميركية فارقة، في السياسة الداخلية أولاً وعلى الصعيد الدولي ثانياً.
أطلق السناتور مكارثي حملة دعائية هوجاء للترويج لأساليبه القمعية بتهم تنقصها الأسانيد تحت عنوان “الوباء الأحمر”. ادعى وجود 205 موظفين في وزارة الخارجية يناصرون الاتحاد السوفياتي، ولم يكن ذلك صحيحاً. وروج لوجود “جيش من الشيوعيين والجواسيس” داخل الولايات المتحدة، مبرراً بذلك اقتحامه للمجتمع الأكاديمي، وتوجيه التهم لعشرات الأساتذة البارزين. وكذلك الأمر في هوليوود التي اتسعت قائمة المتهمين فيها لتشمل أسماء مثل: تشارلي شابلن، وغريغورى بيك، وهمفري بوغارت، وفرانك سيناترا، وجيمس ستيوارت، وجين كيلي، وريتا هيوارث، وآفا غاردنر، وداني كاي، فضلاً عن كتّاب بوزن: بيرتولد بريخت، وآرثر ميلر.
ولولا ظهور شجعان يواجهون السناتور مكارثي وهو في قمة سطوته لما وضعت “المكارثية” أوزارها. من أولئك الشجعان كان إدوار مارو، الذي خاض مواجهات تاريخية مع مكارثي، سجل وقائعها فيلم وثائقي بعنوان “ليلاً سعيداً وحظاً سعيداً”.
أخمدت المكارثية في الداخل الأميركي بعد سبع سنوات، أي في عام 1957، حين قضت المحكمة العليا بعدم دستورية القوانين المناهضة للشيوعية التي سُنت خلال تلك الحقبة، فوضعت بذلك حداً لعهد اتسم بالخوف والارتياب وإساءة استخدام السلطة باسم الأمن الوطني.
لكن المكارثية علامة أميركية لا تموت. تدفن تحت هضبة الكابيتول في واشنطن، وتبزغ يانعة في هضاب وجبال وسفوح وسهوب العالم.
ذرّت المكارثية الأميركية قرنها في حديقتها الخلفية اللاتينية، حروب وحراب وانقلابات: كوبا، وتشيللي، وغواتيمالا، والدومينيكان، وغرينادا، وباناما، وفنزويلا…
تنقلت الحروب والحراب الأميركية في أفريقيا: شرقها وغربها والوسط، وفي آسيا البعيدة: شرقها وجنوبها. أثخنت خلالها شعوب القارتين بالجراح، وتورمت الذاكرة الأميركية بالآلام حيناً (فيتنام، أفغانستان والعراق نسبياً)، وبنزعة توسعة النفوذ دائماً.
لم تكن حروب أميركا سهلة على أبنائها. لم يهضموها. حرب فييتنام واجهت أوسع مناهضة شعبية داخل الولايات المتحدة. انطلقت حركة ناشطة من داخل أروقة الجامعات، وانضم إليها قدامى المحاربين، وجماعات من الحقوقيين والإعلاميين، وأدت إلى صدامات دموية مع الشرطة، كما حدث في “مجزرة جامعة كينت” عام 1970.
وخلال حرب أفغانستان، وبعدها العراق، ظهرت حملة “ليس باسمنا” بوثيقتيها “تعهد المقاومة” و”بيان الضمير”، والتي حشدت مئات الآلاف من النخب والأميركيين العاديين في الشوارع والمنابر رفضاً للحربين.
صاغ بيان الحملة كل من ستار هوك وشاول وليامز، بشكل لا لبس فيه رداً على قول الرئيس جورج بوش: “من ليس معنا فهو ضدنا”. يقول بيان الحملة: “نحن نرفض أن نكون طرفاً في هذه الحروب وننكر أي استنتاج بأنها تُشن باسمنا أو من أجل مصلحتنا”.
تلك هي الـ”أميركا” التي قدمت نفسها لشعوب العالم بالتباس مدوّخ: أنت مندفع لمحبتها في اتجاه، ومتردد في كراهيتها في اتجاهات.
أميركا التي منحت العالم المنافع والمدافع: أنجع الأدوية وأفتك الأسلحة. كشوفات العلم وانكشافات الأخلاق. حوافز النمو وممارسات تثبيطه. استكشاف مجاهيل الفضاء وأخطار “حرب النجوم” (حلم رونالد ريغان غير الجهيض). تقاليد الديمقراطية ووسائل تقويضها. بريق الإعلام واستخدام قدراته على التلاعب بالرأي والعقول. متع هوليوود وسمومها.
أميركا ذلك الحلم المخاتل، الذي يراود الشعوب والأجيال في الشرق والغرب، كأن الجميع ما زالوا يعيشون عصر “حمى الذهب” التي سردت وطأته باقتدار مدهش إيزابيل الليندي في ثلاثيتها “ابنة الحظ” و”صورة عتيقة” و”بيت الأرواح”.
تلك أميركا التي علمت مريديها الحب، على طريقتين: فأخذ بعضهم منها القسوة والتعالي والنكران، وأخذ البعض الآخر، القدرة على البقاء، فراحوا يصدحون مع بوب مارلي نشيد الحرية: Get Up, Stand Up، “انهض، قاوم”، وفي غمرة انهماكهم بالمقاومة، كان يصلهم نشيج بوب ديلان الدائم: It’s Alrige, Ma (I’m Only Bleeding) “لا بأس يا أماه، أنا فقط أنزف”.
