-
ياسين الحاج صالح… المصدر الجمهورية .نت
-
-
-
هل هناك شيءٌ ما يُقرِّب سورية، مع ما هو معلوم من أن شؤونها إشكالية ومعقدة ومثيرة للجدل بالفعل، من النظرية والفلسفة السياسية، مع ما هو معلوم من تجريدهما وتعقيد مفاهيمهما؟ بالتأكيد. وهذا الشيء هو الصفة القصوى لتجارب السوريين خلال 15 عاماً، أقاصي التجربة الإنسانية التي تُثير أسئلةَ المعنى والتمثيل، بالضبط لأنها عصيةٌ على التمثيل، تتحدى الأدوات والمناهج المعتادة في الكلام على تجاربنا، فتدعو إلى ثورة في التمثيل من أجل أن يكون لكلامنا معنى. الثورة في التمثيل دعوةٌ إلى النظرية والفلسفة. والفلسفة هي فكرُ الأقاصي، لأنها تفكيرٌ جذري، مُسائِل للأُسُس، أسس المعرفة أو أسس الوجود أو أسس الفعل…، هذه التي تتكشَّف أو تقترب من المَعيش في تجارب الأقاصي وأزمنتها.
ما وراء الفظيع
في كتاب الفظيع وتمثيله (2021) حاولتُ تناول إنتاج الفظاعة، تحطيم أشكال الأجساد والعمران والبيئات الحيّة للاجتماع البشري خلال عشر سنوات من الصراع السوري وقتها؛ وفي قسمه الثاني انكبَّ الكتاب على إنتاج ونظام التمثيل: كيف نتكلم على التجارب الفظيعة؟ ما هي العلاقة بين الكُلوم والكلمات؟ وهل نستطيع الكلام أصلاً؟ وماذا يحدث حين تفشل الكلمات؟ لكن ذلك الكتاب لم يُبلور تصوراً لنظام إنتاج الفظيع، أو الهياكل السياسية والاجتماعية التي ينتجُ في ظلّها، وهو ما تعمل هذه المناقشة على قول شيء بشأنه هنا. يجري الاستناد إلى مواد نُشرت بعد ذلك الكتاب، وأَقدَمها مقالة أوجه المجزرة السبع التي تتناول مجزرة التضامن الفظيعة. المجزرة وقعت في نيسان (أبريل) من عام 2013، لكن لم تتكشف تفاصيل بشأنها، وتسجيلات مُصوَّرة عنها، ولم تُعرَف أسماء مرتكبيها، إلا في ربيع 2022. في تلك المادة جرت الإشارة إلى نموذج الحكم اليدوي لأول مرة، وتبدو الفكرة صالحة كعنوان لنموذج نظري لنظام الحكم في سورية في الحقبة الأسدية التي انتهت قبل أقل من عامين، ولا تبدو غير صالحة للنظر في أحوال اليوم.
المركزية الجسدية للسلطة
ماذا يقعُ بين الحكم اليدوي والفظيع؟ الجسدُ البشري، هذا الجسد هو الذي يُضرَب ويُعذَّب ويُغتصَب ويُجوَّع ويُقتَل ويُغيَّب ويُحطَّم بألف صورة. والفظيع خِبرَتُه، سيرةُ دماره الجزئي أو الكلي. الجسد مركزي في كل نماذج الحكم التي نعرفها، لكن مركزيته تختلف بين نموذج وآخر، ومركزيته في الحكم اليدوي تَنصَبُّ على كونه كياناً حاسَّاً قابلاً للإيلام، وليس، مثلاً، على كونه ذا قدرات عقلية عليا، أو مبدعاً وذا مهارات إنتاجية وأدائية متنوعة.
وهناك موقف – نواة للحكم اليدوي تتكثف فيها العلاقة السياسية الأساسية في نموذج الحكم هذا: شخص يُعذِّبُ شخصاً آخر، بيديه العاريتين أو بتوسُّط أدوات تعذيب، إما في مقر مخصص لمثل هذه الممارسات، أو حتى في فضاءات عامة، مثلما شاع في سورية في سنوات ما بعد الثورة والحرب (قبل أن يتكرر في سورية ما بعد الأسدية في مجازر الساحل والسويداء).
في الظاهر يبدو موقف التعذيب علاقة بين شخصين، واحدٌ منهما يضرب الآخرَ ويؤذيه، وقد يستمر في ذلك لساعات وأيام، لكن هذا الظاهر يحجبُ عمليتين مُكوِّنتين للموقف: الأولى هي أن من يتعرض للتعذيب فُصِلَ عن غيره، أُخِذَ من عائلته أو من الشارع مُعتقَلاً، أو عُزلَ عن رفاقه الآخرين الذين يشاركهم قضية ما، أو عضوية حزب أو منظمة ما. والعملية الثانية أن من يقوم بالضرب موصولٌ بغيره من وكالة ذات سلطة، تملك السلاح، وتُشغِّلُ العديد من الناس، وتَحوزُ تخويلاً من سلطة أعلى منها بأن تقوم بالتعذيب.
وبهذه الصورة يكون من يُعذِّب أقوى وأكثرَ من نفسه، جزءاً من «أكثرية سياسية» حاكمة، تتشكل عبر امتلاك وسائل الإكراه، ومنها الأسلحة (أدوات الجرح والقتل) وأدوات التعذيب. هذا بينما يكون من يجري تعذيبه أقلَّ من نفسه، منكمشاً، خائفاً، ارتدَّ إلى جسد مُتألم وإلى غريزة بقاء، وإلى صراخ لا يبين. الأقلية السياسية تُصنَع بدورها، بين أشياء أخرى، عبر ديناميكية التقليل هذه. وإنما لذلك، أي لأن الأمر يتعلق بإنتاج الأكثريات والأقليات السياسية، نتكلم على نظام حُكْم يدوي، تقوم الأيدي المُعذِّبة فيه بدور أداة الحُكْم الرئيسية.
وكما هو ظاهر، فإن الحكم اليدوي متمركز مباشرة حول الجسد، حول قابليته للإيلام وخوفه من الموت، وطلبه للنجاة. ثم إن الوكالات التعذيبية هي ذاتها قائمة أساساً على عضلات، أو قوى تعذيب، على غرار ما نتكلم على قوى عمل في الاقتصاد السياسي الماركسي. إنتاجُ الفائض السياسي، إن جاز التعبير، يعتمد على استخدام قوى التعذيب الجسدية لاعتصار الطاقات السياسية من المحكومين وعزلهم عن بعضهم وقطع مساراتهم والتحكُّم بمصائرهم. تستأثر بهذا الفائض السياسي طغمة الحكم، تستخدمه في بناء قوى تعذيب إضافية وجدران خوف. ويعتمد النظام على إنتاج أجسام مِطواعة خاصة، تعيش وتُفكِّر في نجاتها لا أكثر.
الحُكْم عن قُرب
الحُكْم اليدوي نمطٌ حميمي من الحُكْم، حُكْمٌ عن قُرب. وهذا يقف في تَقابُل ضدي مع الحداثة السياسية التي يمكن تعريفها بالحُكْم عن بُعد، بما في ذلك القتل عن بُعد في الحروب. كيف يُحكَم الناس من بُعد؟ عبر تطوير آليات المراقبة والمعاقبة التي تكلم عليها ميشال فوكو في كتاب بهذا العنوان، وعبر مؤسسات وعلوم المجتمع الانضباطي الذي دَرَسَه. الأفراد يتشكلون بالحكم عن بُعد وتتطور في أنفسهم استعداداتُ الحكم عن بُعد، الانضباط بالقواعد والقوانين حتى حين لا يكونون تحت رقابة مباشرة. الانضباط يفترِض ذاتاً «مُؤنسَنة»، أخذت تظهر في أوروبا خلال قرون بفعل النهضة والإصلاح الديني (القرنين 15 و16) والثورة العلمية (القرن 17)، ثم التنوير (القرن 18) وانهيار النظام الإقطاعي والثورة الصناعية (بين 18 و19). الثورة الإنسانية هي نتاج تطورات متنوعة على المستويات المذكورة: الديني والفكري والفني والعلمي والفلسفي والقانوني والاقتصادي والاجتماعي.
الحميمية، بالمقابل، تلوذ بالمجال الخاص في المجتمع الانضباطي. أما الجمع بين الحميمية والسلطة العمومية، عبر التعذيب، ومنه الاغتصاب، فيبدو علامة على حداثة استعمارية أو شبه استعمارية، تُعامِل مُعذَّبيها كأعداء مباحين، من صنف مُترسِّخٍ اليوم في تَعامُل إسرائيل مع الفلسطينيين، وسبقَ أن رأيناه في العراق بعد الاحتلال الأميركي، وتَمرَّسَ به الحكم الأسدي على الدوام.
ويُنتِج الحكم اليدوي، الحميمي، أفراداً لا يُحكَمون عن بعد، لا ينضبطون إذا تهاوت السلطة اليدوية، ربما يحطمون كل شيء ويستولون على كل شيء، ولا ينضبطون بأي قاعدة. هذا أحد أوجه ما عرفناه في سورية أثناء سنوات صراعنا الطويلة، ونرى أوجهاً له إلى اليوم. وعلى هذا النحو يَنزعُ نظامُ الحكم اليدوي واستعداداتُ المحكومين اللّاانضباطية لأن يُشكِّلا كُلاً مُتبادَلَ الإشراط. بعبارة أخرى، يبدو المجتمع اللّاانضباطي غير قابل للحكم، على نحو يُبقِي الحكم عن قرب، الحكم اليدوي، صيغة الحكم الحصرية فيه. هذا بينما يبدو المجتمع الانضباطي مجتمعاً قابلاً للحكم، مُستغنياً عن الحكم اليدوي وسيطرته المباشرة على الأجساد.
مثال «مجزرة التضامن»
إذا كَبَّرنا صورة الموقف التعذيبي، ربما نحصل على المجزرة؛ عددٌ أكبر من الناس يقتلون أعداداً أكبرَ بَعدُ من الناس. مجزرة التضامن التي ذُكِرَت فوق مضاءة أكثر من غيرها، أستعيد هنا بسرعة بعض ما قلته عنها قبل.
قُتِلَ ضحايا التضامن عن قُرب شديد، أُوقِعوا في حفرة، وأُطلقت عليهم النار من مسافة تتراوح بين متر وخمسة أمتار، باستثناء رجل مسن قتله بطل المذبحة، أمجد يوسف، ذبحاً، أي بالتماسّ المباشر. ثم قُتِلَ الجميع مرة ثانية بعد قتلهم الأول بأن أُحرقت أجسامهم المقتولة للتو مع عشرات من دواليب السيارات المهيئة سلفاً. الضحايا مدنيون، يبدو أنهم أُوقفوا لتوهم، قُيِّدت أيديهم خلف ظهورهم وطُمِّشت عيونهم وسِيقوا فيما يبدو إلى مكان قريب من الحفرة التي حفرها لهم أمجد يوسف نفسه بجرافة قادها بنفسه، وهناك قُتلوا وأُحرِقَت أجسادهم المقتولة، وطُمِرت بالجرافة نفسها، يقودها أمجد يوسف من جديد. صارت الحفرة قبرهم الجماعي. ظاهرٌ أن هناك نية مسبقة وتخطيطاً واستجماعاً لأدوات المجزرة، نية تبحث عن مقتولين، وتعثر عليهم بيُسر على واحد أو أكثر من 60 حاجزاً مسلحاً نصبها النظام في حي التضامن الذي قُسِّم إلى 13 قطاعاً، فاستحقَّ بذلك لقب «مثلث برمودا». المطلوب مدنيون يُقتَلون بسهولة. ولا يبدو أنه حُقِّقَ معهم، ما يعني أنه لم يكن مهماً ما فعلوا أو لم يفعلوا، ولا العمر ولا الجنس ولا الجنسية الأصلية (يبدو أن بين الإحدى وأربعين ضحية ثلاثة فلسطينيين على الأقل). ما بدا أنه يهم القاتل هو تطييفُ الضحايا على نحو يجعلهم أعداء، مباحين للقتل.
القتل عن قرب في «سورية الأسد» مكتوبٌ في نمط الحكم عن قُرب، على نحو يُكثِّفه التعذيبُ أكثر من غيره. التعذيب يقتضي القُرَب الشديد، فلا تتوسط بين الجلاد وضحيته غير عصا أو «كبل» أو أدوات تُدار يدوياً. والتعذيب بطبيعة الحال مشحونٌ بالكُّره والانفعالات العدائية.
ولعلنا نفهم تطميش عيون الضحايا وتقييد الأيدي إن فكرنا فيهما كإنتاج لأناس مسلوبي الإرادة من الرعب، مشلولين نفسياً، مُعَدّين للقتل، فقدوا القدرة على التوجُّه والتحكُّم بحركة أجسادهم، فلا يستطيعون الهرب ولا المقاومة. تلزم منهم الآذان كي يسمعوا الأوامر والإهانات، والأقدام كي يتحركوا في العماء نحو حُفرتهم الأخيرة.
سارت سورية نسقياً باتجاه البدائية السياسية مع رَوْتَنة التعذيب، ثم مع النَزعِ المتفاقم لبيروقراطية الدولة لمصلحة السلطة المحض والقرابة والمحسوبية والمال. لم تكن سورية مثالاً لإدارة بيروقراطية عقلانية في أي وقت، لكنها صارت أقل بيروقراطيةً وعقلانيةً وليس أكثر خلال عقود حكم السلالة الأسدية.
وقد نتذكر في هذا السياق أن القتل عن قُرب كان مُفضَّلاً عند داعش بالتناسُب مع انفعالات الدواعش المفعمة بالكراهية ومع مخيلة سياسية قبل حديثة، يجري تَصوُّرُ الحكم فيها كسيطرة مباشرة على أجساد تُضرَب وتُجلَد وتُقطَّع وتُصلَب وتُقتَل، وتفضيلياً بالسيف.
حَدَثُ الدم ونَمَطُه
في التعذيب، وبصورة أوضح في المجزرة، الدم حاضر وشاهد. ومن الخبرة السورية خلال 15 عاماً، وطوال عقود سابقة، ليس هناك شيء أكثر من الدم يخرج من أجساد مُحطَّمة يَردُّ الناس جميعاً إلى أجساد محض، وأعني الجماعات وليس الأفراد فقط. بقدر ما تسيل الدماء، فيُعذَّب أشخاص من هنا أو هناك، وتُغتصَب نساء من هنا أو هناك، ويُقتَل أشخاص من هنا أو هناك، تصعد النزعة الجماعوية، في صورة إثنية أو طائفية أو قبلية، لكن دوماً في اتجاه مضاد للخيالي والفكري وأقرب إلى البيولوجي والعضوي. الدم يخلق روابط الدم، أي الجماعات العضوية من عشائر وطوائف وما شابه، وليس العكس. فإن صح هذا التقدير، فليس لأن مجتمعاتنا قَبَلية وعشائرية هناك دمٌ وعنف، بل لأن هناك دماً وعنفاً ننتظم كمجتمعات في صورة روابط دموية، قبائل وعشائر وطوائف وقرابات شتّى، وعلى هذا النحو تنغلقُ الدائرة. ثم إنه يتعين فهم عبارة روابط الدم بدلالة غير حرفية للأسرة الممتدة والعشيرة وروابط النسب، لتعني مَيلَ الجماعات إلى أن تصير مرصوصة البنيان، يَضمُرُ الخيالي في تكوينها لمصلحة العضوي والبيولوجي، وإن لم تجمعها قرابة. الطوائف والإثنيات على سبيل المثال ليست روابط دم، ومثلها القبائل، إلا أنها في شروط الحكم اليدوي والدم تَنزعُ لأن تصير أقل خيالية وأكثر جسدية ودموية.
وإنما بهذه الصورة يتحول الدم من حَدَثٍ إلى نَمَط، من شيء عارِض يمكن أن يقع مثله في أي مكان، إلى نمطِ اجتماعٍ وحُكْمٍ مستقر ومستمر، شيء قريب ممّا سماه أشيل مبمبه نكروبولتكس، سياسةَ الموت. مبمبه يربطُ بين سياسة الموت وظواهر تاريخية كبرى كانت إدارات للموت مثل الاستعمار والعبودية، سكتَ عنها أمثال ميشال فوكو ونوربرت إلياس أو مروا عليها مروراً عابراً، رغم أنها كان يمكن أن تُغني أطروحاتهما، وتُظهِرَ القطب المقابل لبيوبوليتكس فوكو وعملية إلياس التحضيرية. الطائفية في سورية وعموم المشرق يمكن أن تُضافَ إلى الاستعمار والعبودية كقرينة لإدارة الموت، إنتاجه وتوزيعه اجتماعياً، وتوزيع الحِداد واللّاحداد اجتماعياً كذلك. فهي، أي الطائفية، تقوم على مُراتَبة جوهرية للحيوات إلى حيوات يُحَدُّ عليها وحيوات لا يُحَدُّ عليها، مثلما أظهرت جوديث بتلر في سياق مغاير.
ولا تدوم روابط الدم، فيصير الدمُ نمطَ حكم واجتماع، إلا بقدر ما يتجدد سفكُ دم الأحياء، أي إلا بقدر ما يعيش الموت (كان شعار ‘يحيا الموت’ من شعارات الفاشيين الإيطاليين). وإنما عبر ذلك بقيت مجتمعاتنا، وسورية من أكثرها، أقرب إلى «الملك الطبيعي» الذي عَرَّفهُ ابن خلدون بأنه«حَملُ الكافّة على مقتضى الغرض والشهوة». وما يُبنى على ذلك هو أن نمط الحكم اليدوي، وهو حكم دامٍ بالضرورة، يُبقي مجتمعنا أسيرَ البيولوجي والعضوي، يُبقيه مجتمعَ العشيرة والقبيلة والطائفة والنسب، ويدفعها كلها باتجاه أن تكون أجساداً، روابطَ دم أو عصبيات، دون أن تكون كذلك حتماً في تكوينها. فإذا صحَّ ذلك، فإن المدخل إلى الجماعة المُتخيَّلة، الأمة الحديثة القائمة على التعليم والحقوق والمواطنة، هو إخراجُ الدم من نمط الحكم، أي ألّا تكون أجسادُ السكان رهائنَ للحاكمين، وألَّا تكون الأيدي والعضلات والسلاح أدوات الحكم الرئيسية. بهذه الصورة تنشأ الضرورة السياسية للحُكْم عن بُعد، أي بالكلمات والخيال؛ الحكم العقلي. وهو ما يعني أن معالجة المُشكِل السياسي على نحو يصون تَكامُلَ الأجساد، ويقتصدُ في الدم، هي أول خطوة نحو مجتمع الروابط المجردة والأفراد والفكر الحر.
عبر التعذيب والمجزرة، تجد حميمية الحكم اليدوي ودمويته مُعادِلها الاجتماعي في مجتمع روابط الدم أو الجماعات العضوية من طوائف وعشائر. فلا يُتصوَّرُ مجتمعُ مواطنة وأفراد ذوي حقوق مع استمرار الحكم اليدوي. يتعلق الأمر بالتالي بنموذج سياسي، وليس حصراً بنظام سياسي بعينه. وهذا للقول إننا لم نقطع مع الحكم اليدوي في سورية، وإن ما يصح قوله عن الأسدية لا يزال صحيحاً اليوم، ولا تُرَى مؤشرات على القطيعة مع مؤسساته وممارساته.
بل إنه يبدو أن نمط الحكم الإسلامي، بقدر ما يمكن تمييز شيءٍ كهذا، هو حكم يدوي، يقتضي مُتاحيةَ الأجساد ولا حُرمتها، ولا انضباطيةَ الأفراد والجماعات. لكنه بذلك يُنتِجُ اللّاقابلية للحكم التي لا تُعالَج بغير الحكم عن قُرب، على نحو يغلق الدائرة، ولا يترك مجالاً لكسرها غير نوازع التمرد التي تُنتِجُ دوائر صغيرة مماثلة.
زمان الحكم اليدوي ومكانه
من الموقف التعذيبي إلى المجزرة، ماذا يكون حالُ المكان والزمان اللَّذين تتحرك فيهما الأجساد؟
خلال نصف قرن ونيّف، تمخَّضَ الحكم اليدوي وانتشار وكالات التعذيب عن سورية صغيرة وضيقة، مثل حفرة أمجد يوسف. والحفرة ليست استعارة خارجية هنا. فالحكم عن قرب يُضيّقُ الفضاءات ويُصغِّرُها، مثلما يدفع الأجساد إلى الانكماش، فكأنما يجري إمساكُ المكان من عنقه. تتكفّلُ بذلك عُقَدُ شبكة الأجهزة التي تنتشر في كامل الفضاء الجغرافي وتضع الجميع تحت مراقبة لصيقة، حميمية، فلا يحمي المحكومون أمانهم بغير التخلّي عن تَفرُّدهم أو اختلافهم عن متوسط اجتماعي بلا تميُّز، أي ما يجعلهم غير مرئيين. ومثلما يصير المُعذَّبُ أقلَّ من نفسه يصيرُ البلد المحكوم يدوياً أقلَّ من نفسه وأصغر، بما يُسهِّلُ أمرَ حكمه. وكمثال توضيحي، فقد كان السوريون يعرفون عن لبنان المجاور وسياسييه ونوابه وزعماء طوائفه أكثر مما يعرفون عن نظرائهم السوريين، فضلاً عن صُحُفه وأقنيته التلفزيونية وإعلامييه، وهذا رغم أن لبنان أصغر من سورية بكثير. عبر كثرة فاعليه وحريتهم، كان البلد الصغير أوسعَ من الجار الكبير.
أمّا الزمن فهو أبدٌ ساكن، يُشبِه حَاضِرُهُ أَمسَه ويشبه غَدُهُ حَاضِرَه. كان الأبدُ شعاراً سياسياً في سورية الأسد، أي أنه كان سياسة، وهذه السياسة هي كذلك أشبه بقبض على الزمان من عنقه، ومنعه من الحركة والتغيُّر.
بزمانها المخنوق ومكانها الخانق، هل كانت سورية المحكومة يدوياً فريدةً جذرياً في المجال العربي؟ ليست كذلك للأسف، ربما أقرب إلى حالة قصوى، لكن الحكم في المجال العربي أقرب إلى نموذج الحكم اليدوي الذي يُبيحُ أجسادَ المحكومين للانتهاك منه إلى نموذج السلطة الانضباطية أو الحكم الذاتي الانضباطي. هذا اقترنَ مثلما هو معلوم بتراجع التعذيب والعقاب الجسدي، وولادة السجن كشكل قياسي من أشكال العقاب. كنظام مراقبة، ومن حيث أنه بانوبتيكون، يتيح أن يُرَى السجناء ولا يَرونَ هم من يراهم، السجن هو نموذج للمجتمع الانضباطي، وهذا مثلما التعذيب هو نموذجُ الحكم اليدوي.
في أعمال لاحقة طوَّرَ فوكو مفهوم البيوبولتكس؛ السياسةُ التي تدير الحياة وتُنظِّمها وتُدرِّبها وتَدرُسُها وتحصيها وتُكمِّمها وتضبطها، وتبنى مؤسسات من أجل ذلك، منها المدرسة والثكنة والمصنع والمشفى، فضلاً عن السجن ذاته، وتُطوِّرُ علوماً منها الطب والطب العقلي والديمغرافيا والاقتصاد السياسي. الحقيقة على هذا النحو مرتبطة بالسلطة، مثلما هذه العلوم مرتبطة بالمؤسسات الجديدة. أما الحكم اليدوي فيبني أجهزة أمنية، هي وكالات تحقيق وجمع معلومات كذلك، تعتني ببناء ضربٍ من الحقيقة.
نظام المعرفة اليدوي
هذه الحقيقة مذخورةٌ في قيود سرية محجوبة عن النظر العام، مَوضوعُها هو السكان، أفراداً ومجموعات ومنظمات مُحتمَلة.
وفي هذا ما يُفيد في إلقاء ضوء على وضع المعرفة في سورية. يمكن أن نقول إنه أشبهُ ببناء من طابقين. واحدٌ تحت الأرض، المعرفة فيه عيانية ومفردة ومفصلة وشخصية، هي معرفة وكالات التعذيب لعموم المحكومين يدوياً، وواحد فوق الأرض، والمعرفة فيه مجردة وعمومية، قلَّما تقول شيئاً عن تجارب حيّة وتفاصيل مسارات أشخاص أو مجموعات، هي معرفة الكتّاب والمثقفين. هناك أيدٍ وأجسادٌ في الطابق السفلي، أو بالأحرى في القبو، والمعرفة نتاجٌ يدويٌ إن جاز التعبير. وليس هناك أيدٍ في الطابق العلوي، فقط رؤوس، أو «عقول»، معرفتها مجردة جداً وعمومية. الطابقان منفصلان عن بعضهما، ودون مدخل مشترك لهما. كتابات جيل الأساتذة قلَّما كانت تذكر سورية نفسها بالاسم، تُحيلُ على بلد غير مسمى، على البلدان العربية أو العالم الثالث. وبعبارات أخرى، لدينا هنا معرفة خالية من البشر وسِيَرهم وقصصهم، غير مسكونة، تنسخُ بنية النظام السياسي الخالي بدوره من البشر، الذي لا حِسَّ لهم فيه ولا نَفَس؛ وفقط تحت الأرض ثمة معرفة مسكونة، تروي سيرة بشر لا يحصون عدداً، لكنها مكنونة في أماكن مُخصَّصة لسحق البشر، في سجّلات المخابرات. إحدى المعرفتين عمومية بلا تفاصيل ولا أمثلة حية، والثانية مُفردَنة وشخصية ولا تعميمَ فيها.
ليست العلاقة سببية حصراً بين المعرفتين، وليس فقط لأن الناس يُعذَّبون وتُعتصَر منهم قصصهم وسِيَرهم في أقبية محجوبة تحت الأرض، لتُخزَّن في أضابير وقيود خاصة، هناك معرفة بلا بشر فوق الأرض، مجردة وشكلية وقلّما تقول شيئاً مفيداً. بعض جذور هذه المعرفة التي لا حياة فيها منشؤها في مرجعيات الكتّاب، الموروثة أو الحديثة، وفي غياب عالمِ التجربة الحية من أعمالهم. وهذا بدوره مشروطٌ اجتماعياً: أجساد القوم محمية وآمنة سياسياً. على أنه لا يُنكَر وجود عنصر سببي في العلاقة بين الملموسية الفائقة تحت الأرض والتجريد الفائق فوقها: يخاف من هم فوق من معاناة مصير من هم تحت، فيُثابرون على قول العموميات.
وبينما يبدو أن عضو الضبط الأساسي في الحكم العقلي هو العين الرقيبة التي تحتاج إلى الضوء كي تَرى، ويُناسبها أن يظهر الناس أقربَ إلى حقيقتهم، يبدو أن عضوَ الضبط في الحكم اليدوي هو الأذن التي تحتاج إلى القُرب كي تسمع ما يقوله الناس، بما في ذلك في بيوتهم، وإنما لذلك للحيطان آذان في مجالنا بينما هي تبدو صماء في أوروبا. على أنها كثيرة العيون فيما يظهر، وعيونها تتزايد كل يوم. الكاميرا أداة رقابة وضبط وحكم رئيسية اليوم في أوروبا، وبازدياد في العالم كله.
وهو ما يُغري بالقول إن الحقيقةَ سمعيةٌ في مجالنا، تُدوِّنُ ما يُقال ويُسمَع، وليست بصرية تُدوِّنُ ما يُشهَد ويُرَى ويُعايَن ويُفحَص، حيث العين هي ما تقود الأذن واليد. وهذا يُثير سؤالاً عن الصلة المحتملة بين كل من الحكم اليدوي-الأذني إن جاز التعبير والحكم العقلي-العيني، وحقيقة أن الإسلام ديانةُ سمع، ومثله اليهودية في ذلك، بينما المسيحية ديانة بصر، الكاثوليكية والأرثوذكسية بخاصة. هذا شأنُ يُمتِعُ التفكيرُ فيه، وإن كان على المرء أن يُحاذِرَ القفزَ نحو استخلاصات كبرى. وبينما يبدو أن أنماط الحكم الإسلامي التاريخية أقرب إلى الحكم اليدوي، مع مركزية جسدية كبيرة في التديُّن الإسلامي، وظهور «علوم» حول الجسد فَصَّلها الفقهاء، فإنه يبدو أن أنماط الحكم ما قبل الانضباطي الحديث كلها كذلك.
وفي أيامنا هذه، تُطوِّرُ حيطاننا أعيُناً مثلما في الغرب وكل مكان، دون أن تتخلَّى عن آذانها. الإمارات العربية المتحدة طليعية في هذا الشأن، لكن الجدران العربية تتجه في كل مكان لأن تكون سميعة بصيرة. إلا أنه لا يبدو أن هذا كله يطعن في مركزية أذنية- يدوية إن جاز التعبير للدين والدولة في مجالنا.
وفي هذه الملاحظة «الحواسّية» ما يُثير سؤالاً آخر عن الشفاهية والكتابة في أنماط الحكم. فالكلام المكتوب يُقرَأ بالعين بينما الكلام المنطوق يُسمَع بالأذن. وحتى حين يُحوَّلُ الكلام المسموع إلى مكتوب، فيما كان يسمى في سورية: «التقرير»، فإنه يَؤول إلى اعتقال، وربما تعذيب وقتل، ولا يدخل في مسار معرفي. دورة حياة الوثيقة، هي الأذن، فالتقرير، فجهاز الأمن، فالاعتقال، و«التعذيب/التحقيق»، فجسدٌ ميت أو مُحطَّم، فتقرير يذهب إلى جهة أعلى، وتُودَع نسخة منه في إضبارة المُعتقَل. لا تتولّدُ معرفةٌ عامة من ذلك. وإنما لذلك يصح القول إن الحكم اليدوي هو حكم شفاهي. الحكم العقلي الحديث، مجتمع فوكو الانضباطي أو نموذج البيوبوليتيكس، متحالف مع المعرفة ومع علوم ذكرناها للتو.
«الملك الطبيعي» المُحدَّث
مقابل حكمنا اليدوي، يمكن أن نتكلم بخصوص مجتمع فوكو على حكم عقلي، تستند فيه السيطرة إلى العقلانية، أو إلى العقل الأداتي بحسب تنظيرات مدرسة فرانكفورت. ليس هذا مجتمعاً حراً، لكنه أقلُّ عنفاً من مجتمعاتنا التي يسودها الحكم اليدوي. اقترحتُ في مكان آخر تسميتها مجتمعات برّية، أو مجتمعات سيبة بحسب تعبير دارج في المغرب.
على أننا نخطئ إن تصورنا أن الحكم اليدوي اليوم هو «الملك الطبيعي» بالأمس. الأصحُّ أنه تراكبٌ بين هذا وبين إجراءات الحكم العقلي الحديث، أو السلطة الانضباطية، بين الشهوة والشوكة والعصبية من جهة وبين قيود وسجلات ورقابة الحكم الانضباطي الذي لا مُنتأىً واسعاً عنه. لم يكن الحكم الاستبدادي التقليدي في عالمنا، الدولة السلطانية بعبارة العروي، قادراً على مراقبة جميع السكان خلافاً للدولة السلطانية المُحدَّثة في سورية وغيرها. وهو ما يعني أن نمط ممارسة السلطة في مجالنا يجمع بين الأسوأين: الرقابة والسجلات الخاصة بالحكم الانضباطي الحديث دون الضوابط القانونية والمؤسسية المواكبة له، دون الحقوق والحريات الملازمة له، وتعسّفُ واعتباطيةُ الملك السلطاني دون المساحات الخارجية البعيدة عنه. هذه المساحات، ومنها البداوة، ومنها التصوّف، رأى فيها عبدالله العروي برهاناً على الشعور بالحرية في ثقافتنا القديمة، وإن دون الحضور الواعي لمفهومها (كتابه مفهوم الحرية).
ويبدو نمط الحكم العقلي الحديث على قطيعة أنثروبولوجية مع أنماط الجسد والعائلة والسلطة وعلاقات الجنسين، قطيعة مرتبطة من أوجه متعددة بثورة في التكنولوجيا والمعرفة والبنى الاجتماعية ونمط السلطة. عايشنا في مجالنا هذه القطيعة عن بُعد، لكن مُحرِّكاتها بقيت خارج بلداننا، عدا الإجراءات الرقابية التقييدية، التي لا تنقض الحكم عن قُرب، بل تجعله «أقربَ» وأشدَّ يدوية وشمولاً.
نظام قديم ونظام جديد
يبقى في ختام هذه المناقشة سؤالٌ لا بد أن يخطر في الأذهان: ما هو أثر التغيّر السياسي الذي وقعَ في سورية قبل عام وتسعة أشهر على نموذج الحكم اليدوي؟ تَقدَّمَ القولُ إن الحكم اليدوي نموذج، وليس اسماً لنظام عارض شُوهدَ في سورية أو غيرها، وهو ما يعني أن التغيّر السياسي لا يكفي لطيِّ صفحته، وإن يَكُن حدثاً عظيمَ الأهمية من أوجه أخرى. يقتضي الأمر ثورة أكبر، قطيعة أنثروبولوجية مماثلة، نسبناها فوق إلى «الثورة الإنسانية»، التحول طويل الأمد من مركزية الله إلى مركزية الإنسان، أي كذلك من نموذج الإنسان غير القابل للحكم، ذي الضمير الخارجي (في صورة المفتي أو الشيخ أو من في حكمهما)، إلى نموذج الإنسان الانضباطي، ذاتي العقل والضمير الذاتيين، القابل للحكم والعقل. والتفكير في هذا الشأن راهنٌ في سورية اليوم، بالنظر إلى ما يبدو من تَلامُح نموذج الحكم الديني الرقيب وغير الانضباطي، الذي يتحرق شوقاً لأن يضبط بيده، يأمر وينهى ويعاقب، ولا يُسأل. يضبط ولكن لا ينضبط.
ومن التراكيب المحتملة للحكم ما بعد الأسدي تكامُل دورين هما الشرعي والأمني اللَّذين سبق أن شُوهِدا في مناطق السيطرة الفصائلية السلفية. ينشغل الشرعي بإنتاج الرعايا أو التابعين، أناس بلا داخل ذاتي أو بلا مركز داخلي، بينما يعمل الأمني على حصرهم في أجساد تخافُ ويمكنُ إيلامها. وعلى هذا النحو ينتصب حاجزان ضد ظهور الذات القابلة للانضباط؛ واحدٌ يستتبعها ويمنع ظهورها، وواحدٌ يحصرها في الجسدي- الدموي وروابطه؛ واحد ينتج التبعية وواحد يُلغي الحرية. الرعية نتاج مشترك للشرعي والأمني. وهو ما يُذكِّرُ بحاجزين أمام الحقيقة ميَّزا الحكم الأسدي: حاجز إيديولوجي إعلامي يُسمي الأشياء بغير أسمائها، وحاجز أمني يمنع تسمية الأشياء بأسمائها.
يخترق هذه المناقشة توتر بين البنية والتاريخ، بين تصوُّر الحكم اليدوي كبنية سياسية تقوم على الدم وتُنتِجُ روابط َالدم واللّاانضباط واللّاقابلية للحكم، وما تدعو إليه هذه من حُكم عنيف وعن قُرب، وبين تصور تاريخي عن اجتماع ما قبل انضباطي وما قبل إنساني، يَتعيّنُ أن يتأنسنَ كي يصير قابلاً للحكم عن بُعد. لن نحاول تخفيف هذا التوتر هنا، وضعُ سورية ما بعد الأسدية الراهن يُثيره، ويدعو إلى إبقائه بيننا أو إبقائنا مشدودين إليه.
يدعو كذلك إلى التفكير الجذري، المُسائِل للأسس، الذي هو الفلسفة.
-