ترجمة وتقديم: عماد فؤاد… ضفة ثالثة
تقديم
في عام 1997، نشرت الشاعرة الهولندية إستر يانسما (1958 – 2025) عملها النثري اللافت “نُزهة على الدَّرج الحلزوني”، وعلى الرغم من أن غلاف العمل حمل كلمة “رواية”، إلّا أن التلقّي النّقدي وضعه على الفور في مصاف قصائد النثر. وهو اتّجاه شعري لم يستطع الانتشار في البلاد الواطئة (هولندا وبلجيكا)، كما فعل في بلدان أوروبية أخرى مثل فرنسا أو إنكلترا، أو حتى إسبانيا أو إيطاليا؛ ما اعتبر حينها جرأة غير مسبوقة من يانسما على ترك الغنائية الشِّعرية التي طبعت الشِّعر الهولندي علي مدى عقود، والتجريب في قالب مختلف، يتحمّل نزق الألعاب المسرحية التي ميّزت قصائد يانسما منذ بداياتها، وخاصة بعد صدور مجموعتها الشعرية الأولى “صوت تحت سريري” (1988).
يتألّف “نُزهة على الدَّرج الحلزوني” من 107 مشاهد نثرية وحوارية قصيرة، توزّعت تحت عناوين تصنيفية ضخمة مثل “التفكير” و”القوانين” و”الارتفاع”، و”العمق”. وتدور كلها من منظور عين الطفلة البطلة التي تبلغ الحادية عشر من عمرها، وتتحاور مع أصوات تدور في عقلها. وفي محاولة من يانسما لتجسيد هذه الأصوات، تمنح لكل صوت اسم يسبغ عليه بعضًا من صفاته، فهناك صوت عقل الطفلة نفسه، والذي يشار إليه بـ “الرأس”، الذي يمثّل صوت الطفلة العقلاني المحايد، وهناك الصوت “الرّومانسي”، الذي يُصوَّر على أنه صبي صغير، ويمثّل الجانب الإبداعي والخيالي الحالم من شخصية الطفلة، وصاحب الصّوت العاطفي الحالم، وهناك صوت “العجوز”، التي يتم تصويرها على أنها طفلة من عمر البطلة، وتجسّد الواقع والمألوف، وتتحدّث بلسان العقل والحكمة.
تشكّل الشخصيات الثلاث، الرأس والرّومانسي والعجوز، نوعًا من تصادم الأفكار داخل رأس الطفلة، لتشكل مجتمعة ثالوثًا فلسفيًا مكونًا من العقل والخيال والواقع، أو بالأحرى ثالوثًا من المعرفة التجريبية، يصطدم بتعاليم الأب والأم، اللذين يحضران من حين إلى آخر باعتبارهما السلطة العليا المتحكمة في مصائر الجميع؛ الطفلة البطلة وشقيقاتها وأخيهم الأصغر، إضافة إلى الأصوات الموجودة في رأسها. اتّخذت يانسما من هذه الأصوات الفلسفية الثلاثة هرمًا أساسيًا لتفكيك ذات الطفلة وأسئلتها العفوية أمام غرابة العالم، وحولت القصيدة إلى مسرح حي تتحرّك على خشبته أفكار الطفلة التي تتقاطع وتتعارض مع بعضها البعض أمام عين القارئ.
ملاحظة أخيرة تخصّ الترجمة لا بدّ من ذكرها، احترامًا للنص ولكاتبته قبل أي شيء، وهي أن إستر يانسما منحت الطفلة في كامل العمل اسم “الرأس” Hoofd، في إشارة منها إلى أن كل ما يحدث داخل النص ما هو إلّا أصوات تدور وتتحاور داخل “رأس” البطلة الطفلة، وأيضًا لأن الرأس مكان العقل المسؤول عن التفكير. ولكن لأن مفردة “رأس” مذكّرة في اللغة العربية، ولن يصبح مستساغًا أن أقول “قالت الرأس”، وجدت من الأفضل والأكثر سهولة استبدال كلمة الرأس بكلمة “البنت”، تمييزًا لها عن الصوتين الأساسيين اللذين يتحاوران داخل عقلها: “الرّومانسي” و”العجوز”.
نترجم فيما يلي فصلًا من “نُزهة على الدَّرج الحلزوني” للشاعرة الهولندية الراحلة إستر يانسما، وهو مجتزأ أوّل من مختارات شعرية تصدر لها قريبًا بالعربية:
1- المستقبل
تبلغُ “العجوز” من العمر أحد عشر عامًا، وتكتشف في العمق أوّل شعرةٍ من شعر العانة. إذًا ما قيل لها صحيح: ستصبح امرأة. ستنسج بشرتها في وقت ما بين الحاضر والسّنوات المقبلة فستانًا مُزينًا بالزّهور حولها، سيتحوّل شعرها إلى تموّجات قوية، وتصبح ساقاها عريضتين وقصيرتين، كاحلاها سيصبحان أكثر نحافة، وصدرها حاجزًا مهيبًا.
يقول “الرّومانسي” شاكيًا: “الأمر يختلف معنا بالطّبع، سترين، نحن لا نكبر. ولن تأتينا الدّورة الشّهرية، ولن نمارس الجنس مع أحد أبدا”.
تنظرُ “العجوز” حالمة عبر نافذة الحمّام إلى الخارج. تقول: “مفيد، أضعُ عليها كتابًا، حتى أتمكّن من القراءة وأنا أمشي. أو صحنًا إن أردتُ أن آكل”.
يقول “الرّومانسي”: “الأمر يقتصر على تلك الشَّعْرة الوحيدة، مسألة النمو شيء من اختراع الكبار. لا تنطبق على الجميع، لكنّهم وجدوا الأمر معقدًا جدًّا، فبسّطوا القصّة قليلًا”.
تمسك البنت بحبل المرحاض وتسحب بقوّة. فتتدحرج البنت فوق كتب مفتوحة فوق مرج من اللحم.
2- الشَّعْر
سبعة ذيول حصان مُتراصّة في صفّ، الأطول في المقدّمة. وفوق الذّيول سبع قبّعات صغيرات من اللباد الأزرق الفاتح، كما لو يجب الاحتفاظ بالسّماء الرّمادية على مبعدة كافية. يسكن الله في السماء. تطفو القبّعات السّبع باتّجاه مدرسة الأحد، حيث سيحرّك الله لسانه بين شفتيّ مُعلّمة الإنجيل الرّطبتين.
تنادي البنت الشقيقات: “سنذهب أيضًا”!
تقول الشقيقة الأصغر: “في هذه السترة بالتأكيد”؟
يقول “الرّومانسي”: “سنقصّ شعورنا”!
يُقصّ الشَّعْر على طول خطّ الفكّ. تحصل كلّ الرؤوس على دبوس مائلٍ نحو اليسار، فوق الأذن مباشرةً، ليبعد الغرّة عن الجبهة. يمدحون جمال بعضهم البعض بقلق.
يصرخ “الرّومانسي”: “نحن حقيقيّون”!
يضعون أخاهم غير الشّقيق في عربة الأطفال ويسيرون، في صفٍّ واحد، إلى مدرسة الأحد، الأكبر في المقدّمة. تلامس لحية الله الرّمادية العريضة رؤوسهم، ويبدأ المطر الخفيف في الهطول.
“علينا المشي منحنين أكثر”، يقول “الرّومانسي”: “يسير المؤمنون بالله بهيئة أكثر خشوعًا”.
تنظر “العجوز” حولها: أسفلت رماديّ، أغصان سوداء، مزارع مخبّأة في أعماق الغابة، مليئة بالمئات من “يسوع”، معلّقون على صلبانهم ينزفون، وفي مكان ما خلف باب من هواء… الله، يفحص العقول كلها كطبيب يحمل مصباحًا ويعدّ الكتل المخاطيّة والأفكار السيئة.
تقول”العجوز”: “دعونا نؤمن بالفرسان”.
| كتاب “نُزهة على الدَّرج الحلزوني” |
3- الزلّاجة
يستلقون في السّرير، يمسك “الرّومانسي” بالبنت في قبضة محكمة ويقول: “هذه الزّلاجة تستغرق وقتًا طويلًا. إذا كنت جائعة، توجّهي بقدميكِ إلى اليسار أو اليمين وانزلقي إلى داخل متجر، مرورًا بالرفوف. عليكِ أن تكوني سريعة، تخطفين ما تحتاجينه بسرعة، و… هوب؛ تخرجين من المتجر”.
تقول “العجوز”: “هكذا تُبلى سراويلِك”!
يقول “الرّومانسي”: “متاجر الملابس”!
تقول البنت: “إذا كان الجميع يجلسون على زلّاجة إلى الأبد، ألم يكن من المفترض أن نلاحظ ذلك من قبل؟ من الصّعب ألّا تلاحظ زلّاجة كهذه”.
يجيب “الرّومانسي”: “ألا نؤمن أيضًا بأن الأشجار خضراء؟ هل رأيتِها اليوم؟ إنها سوداء تمامًا! ستنمو أوراق عليها مرّة أخرى بلا شك، لكن مَنْ قال إن ذلك لا بدّ أن يحدث في الصيف، ومن قال إنّها خضراء؟ لا معنى لهذا! وقريبًا ستعود إلى الوجود وسنرجع أغبياء مرّة أخرى ونصفها بالخضراء. هذا سخف، لأنها مؤكّد رمادية أو أرجوانية. وطبعًا لا نرى تلك الزلّاجة!”
تسأل “العجوز”: “كيف تلتقي بالناس هناك إذًا”؟
– ” تتلاقى الزلّاجات من حين إلى آخر فتجدين نفسَكِ فجأةً مع شخصين أو ثلاثة. وحين تميل الزلّاجات لتنفصل بعضها عن بعض، تعودين لتكوني وحيدة”.
– “وماذا عن شقيقاتنا؟ وماذا عن أمِّنا”؟
“هذا ما أعنيه بالضبط”! يقول “الرّومانسي”: نعتقد أنهنّ سيبقين معنا دائمًا، أو حتى نكبر، لكن هذا ليس مؤكدًا على الإطلاق! ما على هذه الزلّاجة إلّا أن تنقسم إلى مسارين، وفجأة، تصبحين وحدك تمامًا! لا أحد يستطيع تحمّل ذلك، لذا يسمّونها الناس “عائلة”. كطمأنينة. لكن قد ينتهي الأمر في غضون ثانية، وعندها لا تعرفين ما الذي يحدث لك، لا تفهمين أي شيء على الإطلاق”!
تنزلق البنت على منحدر أسود بارد. يسطع من خلفها الضوء وتصدح أصوات الناس المرحين، لكنها تتدحرج في الاتجاه الخطأ. فتسأل: “وماذا لو ضللتَ الطريق هناك”؟
يقول “الرّومانسي”: “ربما ضللنا الطريق الآن بالفعل، إن لم نتمكّن من رؤية الزلّاجة، فلن نستطيع أن نعرف أننا لم نضلّ الطريق”.
يصل صوت أمهم من غرفة المعيشة تتحدّث عبر الهاتف. تشعر البنت برغبة في البكاء، لأنها ربما ضلّت الطريق عن أمها بدون قصد، ولم يكن من المفترض أبدًا أن يكونا معًا.
تقول باكية: “لكنّني لا أتذكر ذلك”.
4- الإجابات
عليكِ النَّوم وشفتاكِ مُغلقتان، وإلّا سيدخل الشيطان إلى فمِك. سيزحف عبر القصبة الهوائية إلى صدرِك، وبمجرّد أن يستقرّ هناك فلن يغادره أبدًا. الصّلاة لا تنفع. فقط إبقاء شفتيكِ مغلقتين.
عليكِ قَلي البيض وفمكِ مفتوح. إن كنت مصابةً بدودةٍ شريطيّة، فسوف تزحف جائعة عبر فمكِ إلى الخارج، منجذبة إلى رائحة المارجرين المذاب. عليكِ إمساكها من خلف رأسها. إذا انفصل رأسها، ينمو من ذيلها رأس جديد، تمامًا كما يحدث مع ديدان المطر. تعتقد الدودة الشريطيّة في بطنكِ أنّكِ العالم بأسره. تمامًا مثل الطّفل الرّضيع، لديها كل ما تحتاجه. الرّضع أيضًا يخرجون ورؤوسهم إلى الأمام.
عليكِ أن تسيري بالضّبط على خُطى والدك، لأنّه يعرف أين الأمان. لكن كلّ خطوة قرار. ومع كلّ قرار ينفصل عنّا كوْن آخر: كوْن الخطوة التي لم نخطها. لا يجوز لكِ أن تقفي ساكنة خوفًا من كل هذه المسؤولية. فالوقوف ساكنة هو أيضًا قرار، وبالتالي بداية كون جديد.
عليكِ الرّكض بأسرع وأغرب طريقة ممكنة، فهناك الكثيرون من البشر ينتظرون ولادتهم، مع كلّ خطوة يُخلق الملايين منهم، ليطيروا من تحت قدميك كالشّرارات إلى عوالم جديدة.
5- الضَّياع
يقول الأب: “لو انعطفتِ في الشّارع يمينًا كلّ مرّة، بدون أن تبتعدي عن الرّصيف، فسوف تعودين تلقائيًا إلى البيت”.
تصرخ البنت: “لكن كيف يمكنكَ أن تعرف ذلك؟ إن صحّ الأمر ثلاث مرّات، فليس بالضّرورة أن يصحّ في الرّابعة، أليس كذلك؟ يمكن للأمور أن تتغيّر، كما تعلم”!
يقول الأب: “هذا صحيح، انعطفي أربع مرّات وستعودين إلى هذا الشّارع. انظري”!
يأخذ قطعة من الورق، يرسم مُربّعًا، ويبدأ في رسم أسهم حوله.
تبكي البنت: “كان الأمر كذلك البارحة، فهل اختبرتَه اليوم؟ ألم يتغيّر شيء حقًّا”؟
يقول الأب: “لا داعي لأن أختبر ذلك، هذه الأمور هي هكذا… ببساطة”؟
تُطرد البنت مع شقيقتها إلى الشّارع فوق دراجتيهما الثلاثيّتين. يصرخ الأب: “انعطفي أربع مرّات إلى اليمين”!
تنطلق الأخت مطيعة على درّاجتها نافخة أنفها، وتسير البنت على القدمين خوفًا من إحداث فوضى. قد ينجح الانعطاف أربع مرّات إلى اليمين إن كنت سائرًا، لكنها لم ترَ أبيها على دراجة ثلاثيّة العجلات أبدًا.
6- المخاط
هناك الجميلة الغبيّة والقبيحة الذّكية. هناك الشّابة اللطيفة والعجوز التي تمثّل أختًا غير شقيقة. بالطبع يمكن للبنت أن تختار مَن تكون، لكنّها الأكبر سنًا وليست جميلة أيضًا، لذا فإنّ خياراتها محدودة.
تنتهي الأمور دائمًا بشكل سيء مع الأخت الذّكية. الجميلة الغبيّة تصبح جميلة وذكية بفضل قبلة من أمير، لكن القبيحة تظلّ قبيحة وذكية بما يكفي لتدرك ذلك تمامًا.
يقول “الرّومانسي”: “نحن قبيحون وأذكياء، نحن رائعون من الدّاخل، لكن لا أحد يكتشف ذلك أبدًا. نحن قبيحون لدرجة أنّ لا أحد يريد التّحدث إلينا. لكن الحيوانات تفعل. نتعلّم لغة الحيوانات وتأتي الطّيور لتجلس على أكتافنا. نعيش في غابةٍ ونُخرج الشّوكة من بين مخالب الأسد”.
تلتفت البنت إلى “العجوز”، التي تتفهّم خوفها من الأسود.
يقول “الرّومانسي”: “لا بأس. إذًا سنكون ببساطة تلك الجميلة. وعندما نبكي، نمسح أنوفنا بالملاءات، لأنّ هذا ما تفعله الأميرات الحقيقيّات، كما ورد في قصة ’روبرت مع تان تان’”.
تقوم البنت بحكّ أنفها حتى ينزف، ثم تمسحه بالملاءات. وكعادتها، تُطلق ريحًا عدّة مرّات.
تقول “العجوز”: أنتم مقرفون!
يقول “الرّومانسي”: “نحن أميرة صغيرة تعيسة جدًا، وأنتِ، أنتِ الأخت غير الشقيقة”!
(يتبع)