في العراق، لا تنتقل الحقائق من دائرة الاتهام إلى حيز الوقائع الملموسة، إلا حين تمنحها زلات اللسان شرعية الاعتراف الصادم. وعلى نحو ما، عاش الصحفيون والكتّاب في عراق ما بعد الرئيس الراحل صدام حسين، على هذه العثرات التي كثيراً ما كانت تستكمل صورةً أو تؤكد شبهةً تتصل بمعلومة ما. فمنذ أكثر من عقد ونصف تحدث كثيرون عن تعرض القضاء لتهديدات سياسية وربما خضوعه لها أحياناً. لكن هذه الروايات ظلت في نطاق الاتهام، ما لم يأتِ اعتراف صريح بها، أو تفصح الجهة المعنية عنها أو تعترض عليها بصورة واضحة.
لكن منظمة بدر، التي تأسست في إيران وتُعد من أكبر الفصائل المسلحة ضمن الحشد الشعبي، خرج زعيمها هادي العامري، قبل سنوات، ليقول: “قمنا بحماية الفساد وكنا نهدد القضاء”. في عرف المحاصصة، لا يأتي الاعتراف بالشفافية التي تفرضها الأنظمة الديمقراطية، بل هي هفوات أمام الكاميرات تكسر سنوات من الكتمان.
يحمل الكثير من العراقيين هذه “الزلّة” إلى الآن بوجه الشعارات التي تتردد حول الديمقراطية وفصل السلطات واحترام الدولة.
العامري، المعروف بزلاته وبقدرته على صناعة “الورطة” لزملائه من المسلحين والقوى السياسية، خرج باعتراف آخر. هل كان زلةً أم اعترافاً مقصوداً؟
لا أحد يعرف حتى الآن، إلا أن الإقرار هذه المرة، يحمل بعداً مأساوياً وظلماً ثقيلاً، إذ يأتي على حكاية قتل 800 متظاهر و 21 ألف جريح، وفق تقديرات رسمية وغير رسمية.
السياق التاريخي
في غمرة النقاش والاختلاف حول نزع السلاح في العراق. قال العامري في مطلع أيلول
الجاري إن “المقاومة هي التي وقفت بشجاعة أمام فتنة تشرين وحفظت الدولة والنظام السياسي”، في إشارة إلى احتجاجات تشرين التي عمت أرجاء العراق في تشرين الأول 2019. كان يريد أن يمتدح “الحشد”، إلا أنه صنع عاصفة من الغضب والألم معاً.
في 1 تشرين الأول 2026، سيكون مر على اندلاع احتجاجات تشرين في العراق، 7 سنوات. كان خريف العام 2019 شاهداً على واحدة من أعنف مشاهد القمع في المنطقة العربية، حيث سقط فيها مئات القتلى وآلاف الجرحى. كانت “الفتنة” التي يقصدها العامري تحمل مطالب واضحة لإنهاء الجمود السياسي القائم على توازنات بين قوى كبيرة لا تتغيّر، إذ رفض الشباب “المحاصصة الطائفية”، ورفضوا أيضاً “السلاح خارج إطار الدولة”، وطالبوا بإنهاء الفساد والبدء بالإصلاح الجذري فوراً، بحسب شعاراتهم.
كان المحتجون من جيل جديد رفض الصياغات الطائفية للمجال السياسي، إذ كانت هذه الصياغات هي الممر لـ “الارتهان العراقي لإيران”. وكانت شعاراتهم واضحة مثل “نريد وطن”، و”إيران برا برا”، وغيرها. وكذلك حاولوا إغلاق وإحراق مقرات الأحزاب والفصائل المقرّبة من إيران في جنوب العراق، ما استدعى تدخل المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي لمحاولة إنهائها. وقتذاك تزامنت احتجاجات لبنان مع الحراك العراقي.
الدم الذي لم يُفتح ملفه
على الرغم من انتشار القنّاصات والبنادق فوق أسطح المباني، حيث كان المتظاهرون أهدافاً للرصاص. إلا أن المرشد الإيراني الراحل رأى عدم كفاية هذا التصدي. آنذاك وصف خامنئي، الاحتجاجات الشعبية في العراق ولبنان بأنها “أعمال شغب تديرها أميركا وإسرائيل وبعض دول المنطقة” ما شكّل شبه فتوى لزيادة عدد البنادق وإضافة أسماء أخرى إلى قائمة المقتولين وقوافل جنائزهم في ساحات الاحتجاج وخارجها.
إلى الدم المسفوح داخل ميادين التظاهر، وثّقت منظمات أممية ومحلية، 123 حالة اختطاف واختفاء قسري طالت المتظاهرين والناشطين خارج ساحات الاحتجاج أو في طريق عودتهم منها، فضلاً عن مقتل ما لا يقل عن 32 ناشطاً وصحفياً أمام منازلهم أو أثناء مزاولة أعمالهم العادية.
شهدت المطالب بفتح ملف قتل المحتجين واغتيال النشطاء والصحفيين والباحثين، فضلاً عن اختطاف العشرات، صعوداً وهبوطاً منذ عام 2019، إلا أنها طويت بعد أحداث 7 تشرين الأول 2023 لأسباب عديدة، بينها انشغال الناس بمستقبلهم المجهول وسط الحرب، والصواريخ والطائرات المسيّرة، ومنها أيضاً، هيمنة الطرف المُسلح الموالي لإيران على مجمل الحياة السياسية في البلاد، خاصة مع انسحاب زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر في آب 2022.
الطرف الثالث يخرج من الظل
لكن كرباً لم ينقطع في الأوساط المدنية العراقية منذ بداية ما يسمونه بـ”المذبحة الميدانية” التي طالت محتجي تشرين. كانوا يتهامسون عن ما حدث خوفاً من “الكواتم” التي منحها الصوت الإيراني الأعلى، شرعية اغتيال رفاقهم في الاحتجاجات. في تشرين الثاني 2019 صرّح وزير الدفاع العراقي الأسبق نجاح الشمري بأن “طرفاً ثالثاً” يقوم بقتل المتظاهرين وعناصر الأمن، وسوّق وقتها لاستهدافهم بأسلحة وعتاد “لم تستورده أو تملكه الحكومة العراقية”.ومنذ ذلك التصريح الأكثر شهرةً، يدور الجدل حول “الطرف الثالث” ومن هو؟
أراد بكلامه أن يذكّر القوى السياسية بفضل “فصائل المقاومة” عليهم، ما يستدعي عدم الذهاب بعيداً في ملف إنهاء السلاح أو نزعه، وهو يحمل أيضاً تهديداً ضمنياً أو سؤالاً مباشراً أيضاً: إذا اندلعت احتجاجات جديدة أين تذهبون بلا “سلاح المقاومة”؟
تقريباً، أزاح العامري اللثام عن “الطرف الثالث” الذي كان مجهولاً ومعروفاً في الآن نفسه، ومنح الأوساط المدنية فرصة للنظر بأولوياتها في إعادة النقاش حول “المجزرة” المأساوية. من قتل الشباب؟ ومن اختطفهم أو غيّبهم؟ ومن أصدر الأوامر؟ ومن كان ينظر إلى مطالب الناس بوصفها “فتنة”؟
السلاح بين حماية النفوذ وحلم الدولة
يأخذ النقاش حول “نزع السلاح” في العراق عدة أبعاد. المدافعون عن وجوده يتحدثون عن ضرورة “المقاومة”، ومن جهة أخرى، يذكرون القوى السياسية بما فعله هذا السلاح لهم من “أفضال”، وهي أفضال تعتبر اعترافاً صريحاً بأن هذا السلاح يقف ضد إرادة العراقيين لتغيير الاستنزاف المستمر منذ العام 2003.
وما زالت هذه الأبعاد التي يتحدث بها العامري وغيره عن “فضائل السلاح” وضرورة الحفاظ عليه، ضمن شعارات غير واضحة ولا تشكل حقيقة الأمر بالنسبة للمتابعين. ربما سينتظرون سنوات لـ”زلة أخرى”، تقول إن الأساس في هذه الشعارات هو سلسلة تهديدات من الفصائل المسلحة لجميع الماسكين بالنظام السياسي، فضلاً عن رفض إيراني لمعادلة “نزع السلاح”.
هي معادلة يريد العامري ورفاقه أن يحتموا فيها خلف السلاح، وتريد إيران استخدامها إقليمياً، بينما يبقى الحلم العراقي بدولة بلا سلاح رديف، وبـ “فتنة” يتطلب ردعها مئات القتلى وآلاف الجرحى والأكيد أكثر في المرة المقبلة..
* كاتب عراقيّ