الدكتور محمد نور الدين .. كاتب لبناني.
المصدر صفحة الكاتب
قُبيل توجّه الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، إلى نيويورك ليكون «صوت المظلومين» في العالم – وفق ما تمّ الترويج للكلمة التي ألقاها هناك -، سبقته صرخات أكثر من نصف مليون تركي كانوا أودعوا أموالاً في شركات استثمارية مختلفة، وانتهى الأمر بها إلى التبخّر. واقعةٌ أعادت إلى الأذهان ما كان شهده لبنان، مع فارق أن ما حصل في هذا الأخير من سرقة لأموال المودعين اقتصر على القطاع المصرفي، فيما «سرقة العصر» في تركيا شملت المئات من الشركات وصناديق الاستثمار في قطاعات مختلفة، مصرفية وغير مصرفية، ولا سيما في سوق الأوراق المالية.
هكذا، وفي ليلة واحدة، أصبح ما مجموعه نحو 30 مليار دولار من أموال المستثمرين الصغار «في خبر كان»، وذلك نتيجة احتيالات وتلاعبات مالية أدّت إلى تهريب كبار المستثمرين وأصحاب الشركات أموالهم إلى الخارج أو تسييلها إلى ممتلكات عينية، قبل أن يضع القضاء يده على القضية. ومع أن مؤشرات الأزمة بدأت تلوح في 4 تشرين الثاني الماضي، فإن المدّعي العام ووزير العدل لم يتحرّكا فعلياً إلا قبل أيام قليلة من انفجارها في 17 أيلول الجاري، وبعدما فات الأوان. لكنّ التساؤل هو: كيف مرّ كلّ هذا الوقت من دون أن تتنبّه هيئات الرقابة المالية الحكومية إلى عمليات الاحتيال الضخمة هذه، التي طاولت كميات كبيرة من الأموال، وامتدّت ما بين عامَي 2021 و2026، ووصل الأمر بالعديد من ضحاياها إلى الانتحار، بعدما خسروا جَنى العمر؟
يذهب زعيم حزب «الشعب الجمهوري»، أوزغور أوزيل، ورئيس بلدية أنقرة المُعتقل، أكرم إمام أوغلو، إلى وجود «بصمة سياسية» في هذه الفضيحة المدوّية، فيما يُجمِع كثيرون على تحميل مجلس إدارة «هيئة أسواق المال» المسؤولية المباشرة عمّا حدث، وذلك نتيجة إعطائه تراخيص لشركات تعمل في مجال الاستثمار، وتمارس التلاعب من أوسع أبوابه. وكانت ظهرت علامات إثراء فاحش على مسؤولي تلك الصناديق والشركات الاستثمارية، تجلّت في امتلاكهم طائرات خاصة، وسيارات فارهة، ويخوتاً، وعقارات، وشققاً. كذلك، ظهرت فجأة علائم ثروات كبيرة على نواب من حزب «العدالة والتنمية» الحاكم، مقرّبين من مسؤولي الهيئة، من بينهم النائبة زهراء تشكشينلي أوغلو التي كانت وصفت ثروتها الجديدة بأنها «هبة من الله».
وفي تعليقه على الفضيحة، وصف أوزيل هذه الأخيرة بأنها «عملية السطو والفساد والاحتيال الأكبر في هذا القرن. لقد احتالوا بوقاحة على مليونَي شخص، وتقع مسؤولية جسيمة هنا على عاتق وزير المالية، محمد شيمشك، وهيئة التحقيق في الجرائم المالية التي تعمل تحت إشرافه». وأضاف: «هذا ما يصفونه بأنه اقتصاد قوي وأن تركيا بلد موثوق فيه. أيّ نوع من البلدان الموثوقة هذا؟». وأشار إلى أن معظم مسؤولي الشركات والصناديق هم من المُقرّبين من إردوغان وحزبه، مشدّداً على أن الأموال التي هرّبها هؤلاء بالتواطؤ مع وزارتَي العدل والمالية، يجب إعادتها وتوزيعها على الضحايا.
ويرى البعض أن «العدالة والتنمية» أسّس، على مدى 25 عاماً، نظاماً جشعاً استولى على ما تملكه الدولة من ضرائب وإيرادات، بينما ضغط بشدّة على أجور المواطنين، حتى باتت رواتب المتقاعدين ومعها الحدّ الأدنى للأجور، تحت خطّ الجوع. وهذا ما أدّى إلى أزمة معيشية هائلة، وغلاء غير مسبوق. وفي آخر المؤشرات على احتمال ارتباط «سرقة القرن» بالنظام السياسي، استقالت نائبة رئيس «العدالة والتنمية»، والوزيرة السابقة للأسرة والسياسات الاجتماعية، فاطمة بتول صايان قايا، من منصبها، بعدما سرى خبر عن أنها كانت من كبار المستفيدين من عملية الاحتيال. وبحسب وسائل الإعلام، فإن قايا كانت استثمرت في أحد الصناديق (أوزاتا دينيزجيليك) مبلغ 63 مليوناً و359 ألف ليرة تركية (حوالي مليون و300 ألف دولار)، ومن ثمّ سحبت لاحقاً مبلغ مليار و344 مليون ليرة (حوالي 28 مليون دولار). كما أن زوجها، إلياس قايا، استثمر 826 ألف ليرة (17 ألف دولار) وسحب مقابلها حوالي مئة مليون ليرة (حوالي مليوني دولار). وفي كتاب استقالتها إلى إردوغان، طلبت قايا «إعفائي من جميع المناصب والمهام التي أتولاها الآن». وقالت إن الأمر «يتطلّب أيضاً أن أتحمّل المسؤولية السياسية والأخلاقية».
وسبق أن علّق إردوغان على «سرقة القرن» بالقول إنه «يجب التحقيق في كلّ جوانب هذه المزاعم، بغضّ النظر عن هوية المتورّطين، ويجب إجراء العملية بدقّة متناهية». كما عُلم أن اجتماعاً عقده إردوغان فور عودته من نيويورك، وطلب فيه سداد أموال كلّ مستثمر تقلّ وديعته عن مليون ليرة تركية (عشرون ألف دولار).
ووفقاً لوسائل الإعلام، فإنه منذ 17 أيلول الجاري، تمّت تصفية 131 صندوقاً استثمارياً تابعاً لسبع شركات لإدارة المحافظ المالية؛ كما تمّ اعتقال 45 شخصاً بمن فيهم رؤساء كبريات شركات الاحتيال، وعلى رأسها «تيرا»، و»بوصولا»، و»ديستيك»؛ فضلاً عن تجميد أصول 18 صندوقاً. أيضاً تجري مصادرة طائرات خاصة، ويخوت فاخرة، وسيارات فارهة، فيما تمّت مصادرة 750 مليون ليرة تركية من حسابات الصناديق.
ووفقاً لصحيفة «سوزجي» المعارضة، فإن هيئات الرقابة المالية ووزير المالية كانوا، منذ شباط الماضي، على علم بما يجري، وبالأسماء؛ ولكنهم لم يتحرّكوا إلا بعد أن أصبح الأمر أكبر من أن تتمّ التغطية عليه. وأشارت الصحيفة إلى أن تهريب الأموال إلى حسابات في سويسرا، ولا سيما في مصرف «إدموند دي روتشيلد»، تسارع منذ آب الماضي، مبيّنةً أن عمليات شراء إعجازية قامت بها هذه الشركات، أدّت إلى ارتفاع سعر السهم مئة ضعف؛ علماً أن من بين المشترين أعضاء بارزين في «العدالة والتنمية».
وليست النائبة قايا سوى أحد تلك النماذج؛ إذ اشترت، في 8 نيسان الماضي، 250 ألف سهم بسعر 255 ليرة للواحد منها. وبعد خمسة أشهر فقط، أي في 8 أيلول الجاري، خرجت قايا من الاستثمار بمبلغ مليار و344 مليون ليرة تركية. وبحسب الصحيفة، فإن بيع قايا وزوجها أسهمهما، مباشرة قبيل انفجار الأزمة، يشير إلى أنهما تلقّيا معلومات مُسبقة، مع ترجيح أن يكون رئيس شركة «تيرا»، إردين أوزيل، المسؤول السابق في «العدالة والتنمية» (تمّ توقيفه، أمس)، هو مَن طرح الفكرة على قايا. وتساءلت الصحيفة: «كم من مسؤول في العدالة والتنمية متورّط في سرقة العصر؟»