د. حسين الهنداوي.. جريدة المدى
(2)
نعتقد انه ليس مجرد الصدفة او النقص في المعلومات الذي املى على الفيلسوف الألماني هيغل هذا الموقف او ذاك في هذا الصدد او ذاك عن الإسلام انما هي الاستجابة لضرورات مفهوم خاص وعميق طوره بنفسه حول هذا الدين، مفهوم يشكل، حتى بلحظات صمته، موقفاً فلسفياً متميزاً ومتواصلاً رغم ادراكنا التام بان هذا الجانب لا يشغل الا مكانة تكميلية في البناء العام للنظام الفلسفي الهيغلي.
بلا ريب، لم يكن هيغل مهيئاً لتكوين فهم وافِ عن عالم شديد التعقيد وصعب التناول كعالم الاسلام. فلا ثقافته ولا المحيط الذي نشأ فيه كانا يسمحان له بذلك. كما ان اطلاعه الميداني ظل محدوداً وقاصرًا عن سد ذلك النقص. بيد ان هذا الفيلسوف المأخوذ منذ شبابه بالمنظور الفلسفي الكوني، استعاض عن الرحلات البعيدة والاطلاع المباشر بمعرفة واسعة عن المجتمعات والحضارات الأخرى من خلال المصادر الكتابية التي توفرت له الى درجة تغرينا بتأكيد انها جعلته أحد اكثر العارفين بحقائق العالم الاسلامي التاريخية ومتابعة احداثه السياسية، على الاقل بالحدود التي كانت تتوفر في العالم الغربي آنذاك.
وعلى العموم، لقد استبعدنا تماماً امكانية ان يغفل هيغل ديناً كبيراً كالاسلام، بينما أكد هو نفسه ان العنصر الالهي وكذلك العلاقة مع الالهي موجودان في كل دين، وان على كل فلسفة للتاريخ ان تبحث عن المادة الروحية حتى في اكثر العقائد الدينية تواضعاً. والحال ان الدين الاسلامي بالنسبة لهيغل كان بعيداً جداً من ان يكون مجرد ظاهرة روحية متواضعة، انما، على العكس من ذلك، وجدناه يؤكد على ان الاسلام “دين روحي” كبير كالدين اليهودي، لكنه يتموضع في مرتبة اعلى من الاخير، اي “في نفس مستوى الدين المسيحي».
علاوة على ذلك فان هيغل يعترف طواعية للاسلام تشييده “امبراطورية كونية” وحضارة لامعة كانت في العالم القديم وطوال قرون طويلة، “مركز المعرفة الذي استقطب الى بغداد ثم الى قرطبة لا رجال الدين الشرقيين وحسب بل والمسيحيين الغربيين ايضاً بما فيهم شخصيات كبرى من قادة الكنيسة المسيحية. اذ، كما يؤكد هيغل، “كانت العلوم مزدهرة جداً في اسبانيا تحت السيادة العربية، وكان العديد من الغربيين يئمونها كما فعل ذلك مثلاً البابا سلفستر الثاني الذي كان في البدء قساً شهيراً فر الى اسبانيا ليدرس العلوم عند العرب”. والبابا سلفستر الثاني Pope Silvester II (٩٤٦- ١٠٠٣م) واسمه الاصلي جربرت اورياك (باللاتينيةGerbertus Aureliacensis)، ولد في مقاطعة اورياك، وقصد الأندلس الإسلامية وتتلمذ على أساتذتها في أشبيلية وقرطبة، وقد تعلم العربية وتعمق في دراسة العلوم عند العرب وشجع عليها، وعُدّ مؤسس علم الإستشراق. وقد تقلد فيما بعد منصب البابوية في روما بين ٩٩٩- ١٠٠٣م.
ولا نستبعد ان هيغل كان ايضا على علم بالجدل السائد بقوة في الاوساط الكنسية الاوربية بشأن تأثير، قويّ جدا في رأينا، لعدد مهم من المعتقدات الدينية والافكار اللاهوتية الاسلامية في ولادة وتشكل البروتستانتية ذاتها كما هو الامر مثلا في مبدأ اعتماد نصوص “الكتاب المقدس” وحدها منطلقا للعقائد والعبادات، دون قرارات المجامع البابوية وآراء البابوات ورؤساء الكنائس، وانكار عبادة السيدة مريم وتحريم الصور والتماثيل في دور العبادة والصلاة، والغاء منصب البابوية والغاء نظام الرهبنة والسماح لرجال الدين بالزواج والانجاب، وانكار صكوك الغفران ومعها سلطة محو الذنوب لرجال الدين، كما يشير الى بعضها ويكلف وكذلك لوثر نفسه. وهذه في الواقع احدى الحجج التي استعملها اتباع البابوية ضد حركة الاصلاح الديني. ففــي عام 1587، قام قس انكليزي اسمه وليم رينولدز William Rainolds، وكان استاذ لاهوت في جامعة رينز، باثبات ان هناك علاقة بيـن البروتستانتية والاسلام وذلك في مؤلف من 1106 صفحة بعنوان “علاقة الابوة بين المسلمين والكلفانيين».
ومن الامور المثيرة ايضا، ملاحظة سجلتها دراسة حول “مرسوم نانت” تكشف الى اي درجة كانت السجالات بين الكاثوليكية والبروتستانتية تستعمل الاسلام في حملاتها المتبادلة. اذ تشير الى صدور مرسوم ملكي فرنسي في 25/1/1683، يذهب الى حد تحريم اقدام اي مسلم على اعتناق البروتستانتية في حين لم يكن هناك مسلم فرنسي واحد على ارض تلك المملكة ربما!
وعلى أي حال. ان مفكرا شغوفاً بالموسوعية والحرصٍ على شمول الحضارات الانسانية جميعاً في فلسفته كهيغل، لا يمكنه منهجيا إقصاء دين وعالم لم يكونا واقع الشرق ومجد حضارته لقرون طويلة وحسب، انما كانا ايضا محور سجالات صاخبة حول مفاهيم جديدة آنئذ كـ”التفوق العرقي” و”الدين الطبيعي” و”الاستبداد الشرقي” و”اصل الرومانتيكية” بين كبار المفكرين في الغرب كمونتسكيو وفولتير وفولني وغوته وهيردر وبوسويه وغيرهم ممن لعب الى هذه الدرجة او تلك تأثيراً مباشراً في بلورة الافكار الفلسفية لهيغل باعترافه هو نفسه. اضف الى ذلك ان الجدل حول “المسألة الشرقية” كان في ذروته في عصره حيث، ومنذ حركات الاصلاح الديني والحروب الدينية في اوربا، واكثر من مفكر يتسابق ويدعي تتويج ذلك الجدل برأيه. ومن هنا فان هذه الدراسة تعمل على الاحاطة الضرورية بالفضاءات الرحبة التي تقاطعت فيها تلك السجالات اللاهوتية والفكرية الحيوية حول الاسلام والتي لم يهمل هيغل طرح بعض الافكار الجريئة بشأنها وبعد بحث واضح غالبا. اذ من نافل القول منذ الآن، ان هذا الفيلسوف لم يتعامل ابدا مع موضوع الاسلام باستخفاف او لامبالاة بل باهتمام كبير وعميق رغم الحذر الشديد غالباً.
والحال، ومهما كانت اهمية الحماس وحتى الحدة في افكار هيغل حول هذا الجانب او ذاك من موضوع الاسلام، فان الفهم او الاحاطة الشاملة بمنظوره نالت اهتماما جوهريا لدينا. ونؤكد هنا على الفهم وليس التفنيذ او الرد ابداً مدركين بان احكامه النقدية وكذلك تثميناته استهدفت هذه الفكرة او تلك ببعدها المجرد والمطلق اي كفكدرة فلسفية او لاهوتية وليس ببعدها الديني او العرقي او الجغرافي الخاص في هذه الحضارة او تلك، تماماً كما ان نقد فولتير كان ضد “التعصب” في ظاهرة الدين بشكل عام اكثر ما هو ضد هذا الدين او ذاك وحده.