تفرض إسرائيل على سورية وضعاً يكاد يكون نشازاً، لم يسبق أن شهدت العلاقات الدولية حالةً مماثلة له، سوى بعض حالات الدول التي دخلت حروباً مع أطراف أخرى وانهزمت فيها، فخضعت تلك إلى الشروط التي فرضها المنتصرون، ودائماً مقابل مزايا حصل عليها المهزومون من نوع المساعدة في إعادة الإعمار والتأهيل وسواها.
لم تخض سورية حرباً مع إسرائيل، وبينهما اتفاق هدنة ظلّ سارياً أكثر من 50 عاماً، وحتّى الضربات التي كانت تشنّها إسرائيل على سورية في السنوات الماضية، تحت عنوان “الحرب ما بين الحروب”، كانت تستهدف الوجود الإيراني لمنعه من التوطّن هناك، إضافة إلى ضرب خطوط إمداد حزب الله. وعلى الرغم من هذا، لم تتقدّم القوات الإسرائيلية إنشاً واحداً داخل المجال السوري، ولم تدمج في عقيدتها العسكرية أيّ مشروع لتهديد استقرار سورية، وكثيراً ما صرّح قادتها بأنّ الضربات مرحليةً ومرهونة بنهاية النشاط الإيراني، بل بابتعاده عن جنوب سورية.
يبدو الوضع مختلفاً، هناك سياسة إسرائيلية تهدف إلى السيطرة على جزء من سورية، والعبث بالوحدة الوطنية، بدعم جماعات في السويداء وتحريضها على الانفصال، وتثبيت حالة عدم الاستقرار في سورية، بمواصلة الضربات العسكرية وإحداث حالة من الفوضى في جنوب سورية، بالإضافة إلى وضع البلد بأكمله تحت رادار المراقبة الأمنية الحثيثة، وإصدار فرمان صريح ومُعلَن ينصّ على عدم السماح لسورية بتطوير قطاعاتها العسكرية التي تحقّق لها بعض المنعة والقوّة. ويتضمّن هذا الأمر منع سورية من التعاون مع أيّ طرف إقليمي أو دولي، أو التفكير بشراء أسلحة تصنّفها إسرائيل بأنّها مخلّة بالتوازنات، وفي رأس تلك الأسلحة منظومات الدفاع الجوي.
والمفارقة أن يحصل هذا كلّه، على الرغم من إعلان السلطة الجديدة أنّ لا نيّة لها في خوض الحروب ضدّ أيّ طرف، وإسرائيل بالتحديد، ولم تكتفِ بإعلان هذا، بل انخرطت في مفاوضات أمنية، وتنسيق عبر الخطّ الساخن، وضمانة أميركية على أعلى المستويات، بأنّ السلطة الجديدة في دمشق غير معنية بتهديد أمن إسرائيل.
ماذا يعني هذا عملياً؟ يعني أنّ القضية أبعد من تحوّطات دفاعية تقوم بها إسرائيل، بل تعني وضع سورية رهينةً في يدها إلى حين تحقيق أهداف إسرائيل التي لا تقلّ في الحالة السورية عن إعلان دمشق الهزيمة والخضوع الكامل للشروط والطلبات الإسرائيلية، ومنها: الاعتراف لإسرائيل بالبقاء في المناطق التي سيطرت عليها في الجنوب، وقطع علاقات التعاون مع تركيا أو أيّ طرف يمكن أن يكون مصدراً للتسليح، والقبول بوضع سورية دائماً في وضع تستطيع إسرائيل معه إجراء رقابة كاملة على جيشها وأمنها وأسلحتها.
في الأصل، ليس لإسرائيل الحقّ في التدخّل بهذه الصورة في سورية، ما دامت لن تذهب باتجاه إنتاج أسلحة من شأنها تهديد وجود إسرائيل، مثل الأسلحة النووية. وحتّى في هذه الحالة، تتولّى هذه الأمور منظّمات دولية متخصّصة. أمّا غير ذلك، فمن حقّ أيّ دولة حماية سيادتها الإقليمية في الأرض والسماء، ولا يحقّ لأيّ طرف تجريد دولة منه. وحقّ الدفاع عن النفس منصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة الذي باتت نصوصه مرجعاً للقانون الدولي. أمّا ما بات عُرفاً في العلاقات الدولية، بخصوص منع بعض الدول من التسلّح، مثل حالات اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، فلهذا الأمر ظروفه الخاصّة، من نوع أنّ هذه البلدان مارست عقوداً سياسات عدائية أطاحت السلم والأمن الدوليين نتيجة تصرّفات قادتها غير المسؤولة، كما أنّ هذه الدول دُمجت في البيئة الدولية، وجرت مساعدتها للخروج من وضعية الطرف المهزوم إلى فاعل دولي في مجالات السلم والاقتصاد.
الحالة السورية مفارقة لتلك الحالات، والأكثر أنّ سورية معرّضة لتهديدات داخلية وخارجية، ولا يوجد تحالف عسكري (مثل حلف شمال الأطلسي الذي أمّن الحماية لألمانيا واليابان) يؤمّن الحماية لسورية، ومن ثمّ يهدف استمرار السياسة الإسرائيلية تجاه سورية، بشكل صريح، إلى تأمين المناخ لتفكيك البلد وإبراز ضعف مؤسّساته والتشكيك في إمكانية تطوّره ونموه مستقبلاً، بما يعنيه ذلك من دفع الشركات الاستثمارية والمستثمرين إلى وقف التفكير في سورية بوصفها جهةً استثماريةً، ما دامت في حال عدم استقرار، وفي حال بقاء الأوضاع هشّةً إلى حدّ كبير.
من الواضح أنّ إسرائيل تضع سورية رهينةً لتحقيق أهداف وغايات بعيدة، من ضمنها فرض إدماجها إقليمياً، وأن تكون قوّةً مقرِّرةً لأشكال التحالفات والتفاعلات الإقليمية والدولية، وأن تكون لها الحصّة الأساسية في المدخلات الاقتصادية الإقليمية، مثل خطوط النفط والغاز والتجارة والسياحة، سيّما بعد التوجّه الإقليمي لجعل سورية مركزاً لخطوط الطاقة وخطوط التجارة العابرة للإقليم. وبما أنّ إسرائيل لا تستطيع فرض إرادتها على دول الإقليم، وترفض، في الوقت نفسه، تنفيذ الشروط التي تساعد الآخرين على إدماجها في البنى الإقليمية وتقاسم المنافع معها، فإنّها تستثمر في استرهان سورية، أولاً لتعطيل المشاريع الإقليمية الصاعدة في سورية، وثانياً لدفع دول الإقليم إلى الاستسلام والتنازل عن مطالبها، سيّما ما يتعلّق بحلّ الدولتَين.
بالنسبة إلى سورية، يبدو هذا الوضع مربكاً إلى حدّ بعيد، وقد يدفع شرائح عديدة من السوريين إلى البحث عن مقاربات أخرى للتعامل مع هذا الواقع، بغض النظر عن موقف الحكومة في دمشق، لا سيّما إذا استمرّ العجز عن حماية المدنيين في الجنوب، حيث بات كثيرون يتساءلون عن جدوى وجود دولة وتبعيتهم لها، ما دامت غير قادرة على ردع إسرائيل عن التنكيل بهم.