ملخص
بعد أشهر من اندلاع الحرب الروسية ضد أوكرانيا، صرح قائد الجيش البريطاني الجنرال باتريك ساندرز بأن “هناك حاجة ملحة الآن لبناء جيش قادر على القتال إلى جانب حلفائنا وهزيمة روسيا في المعارك. نحن الجيل الذي يجب أن يعد الجيش للقتال مجدداً في أوروبا”.
ورد الجنرال الروسي المتقاعد يفغيني بوزينسكي على ذلك، قائلاً للتلفزيون الروسي الرسمي، “إنه لا يفهم أنه نتيجة للحرب العالمية الثالثة، ستختفي بريطانيا فعلياً. ستختفي الجزيرة، لذا لا أعرف أين سيعيش هو أو أحفاده”.
بلغت التوترات بين روسيا والمملكة المتحدة مستويات غير مسبوقة في الفترة الأخيرة، تكاد تشبه نذير حرب قادمة بينهما، بسبب الوضع في أوكرانيا والتصريحات الحادة المتبادلة المقترنة ببعض الحوادث العسكرية التي لا تخلو من أخطار محدقة. فعلى رغم تأكيد المسؤولين في لندن وموسكو أنه لا توجد خطط موضوعة لحرب مباشرة بين البلدين، فإن الخبراء يحذرون من أخطار التصعيد العرضي واستمرار العداء الذي يمكن أن يشعل شرارة حرب تشارك فيها أحلاف عسكرية وقوى دولية
لافروف يحذر بريطانيا
يعتبر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف مساعدة بريطانيا لأوكرانيا في شن هجمات على أهداف مدنية داخل العمق الروسي بواسطة مسيرات متطورة تزودها بها بمثابة مشاركة مباشرة للندن في النزاع العسكري المحتدم منذ فبراير (شباط) 2022.
وقال لافروف الأسبوع الماضي، “أشعر بالأسف لبريطانيا إذا استمرت في دعم أوكرانيا حتى النهاية المريرة. لقد حذر الرئيس الروسي (فلاديمير بوتين) من حقوقنا في التدخل في أي منطقة من محيطات العالم إذا انتهك أي شخص مصالحنا أو ممتلكاتنا”. وأكد أن لروسيا الحق في اعتبار مشاركة القوات الصاروخية البريطانية في الضربات على الأراضي الروسية مشاركة مباشرة في الحرب، بكل ما يترتب على ذلك من عواقب.
وصرحت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا بأن الطائرات المسيرة، التي تضمنت مكونات وتكنولوجيا بريطانية، استخدمت في هجمات على الأراضي الروسية – بما في ذلك مستودع نفط في مقاطعة كامينسكي بمنطقة روستوف.
واتهمت السفارة الروسية بريطانيا بتعمد تصعيد الأزمة الأوكرانية، وحذرت من أن “هذه التصرفات من جانب لندن ستكون لها عواقب لا محالة، وستحاسب عليها”. وذكرت في بيان أن “المملكة المتحدة تتصرف كشريك ومتواطئ في جرائم دموية وهجمات إرهابية”. وأشارت إلى أنه كلما تعمق تورط البلاد في الصراع، “كان الثمن” أكبر.
وأكد سفير روسيا لدى المملكة المتحدة أندريه كيلين أن المملكة المتحدة “متورطة بعمق” في الصراع الأوكراني، بل وأكثر من أي دولة أخرى في حلف “الناتو”. من جانبه حذر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من أن الرد على الضربات الأوكرانية على الأراضي الروسية سيكون أشد بكثير.
تصعيد سياسي بريطاني
وفي ما يشبه الرد الضمني على التحذيرات الروسية، أكد رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام موقف لندن الثابت، قائلاً إن المملكة المتحدة ستواصل “دعم أوكرانيا بنسبة 100 ففي المئة”. وأكد خلال اجتماع مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن “بريطانيا تقف صفاً واحداً مع أوكرانيا، ودعمنا لها ثابت لا يتزعزع. يجب ألا يساور روسيا أي شك في عزمنا”.
وقال بيرنهام “سنكون مع أوكرانيا ليس فقط في الأوقات الجيدة، بل سنكون هناك في أوقات الشدة، ولن يتغير ذلك”.
في الـ17 من أغسطس (آب) الجاري، أفادت صحيفة “تايمز” بأن أوكرانيا استخدمت، للمرة الأولى، طائرات مسيرة من صنع شركتين بريطانيتين لشن غارات جوية في عمق الأراضي الروسية. وذكرت الصحيفة أن الغارات استهدفت منشآت في مدينتي فولغوغراد وياروسلافل الروسيتين، وأنها نفذت على مدار الأشهر الستة الماضية.
وسبقت المملكة المتحدة أن سبقت غيرها من الدول بتوسيع نطاق العقوبات المفروضة على روسيا وتشمل قائمة العقوبات الآن ستة بنوك، وست شركات صناعية، وست ناقلات نفط، ومجموعة كبيرة من الشخصيات الروسية.
حوادث خطرة
كانت الطلقات النارية التي أطلقتها سفينة حربية روسية في الهواء داخل القناة الإنجليزية في يونيو (حزيران) الماضي، بمثابة تحذير ليخت بريطاني قريب، لكن الحكومات الأوروبية اعتبرتها إنذاراً بجرها إلى حرب مع روسيا.
بطبيعة الحال، توجد روايات متضاربة حول هذه الحادثة، لكن بغض النظر عن التفاصيل الدقيقة، هناك حقيقتان حاسمتان لا جدال فيهما. لم تكن الرصاصات لتطلق لو لم تكن التوترات بين بريطانيا وروسيا قد بلغت ذروتها. هذه التوترات هي نتيجة حال توتر فعلية بين القوى الأوروبية وروسيا، وهي تهدد بنشر الكارثة التي تتكشف بالفعل في أوكرانيا في جميع أنحاء القارة.
قبل يومين من هذه الحادثة، وفي المياه نفسها، استولت القوات البريطانية على ناقلة النفط “سميرتوس” التي ترفع علم الكاميرون، وهي جزء من “أسطول الظل” الروسي، وكانت تحمل نفطاً روسياً إلى الهند. وكانت تلك أحدث حلقة في سلسلة من عمليات الاستيلاء والمصادرة التي نفذتها حكومات أوروبية – بما في ذلك بلجيكا وفرنسا والسويد وفنلندا وألمانيا – في إطار العقوبات الاقتصادية المفروضة على موسكو.
إن استعداد بريطانيا المعلن لاعتراض السفن الروسية في المضيق يزيد من حدة التوتر بشكل كبير. فهو الممر المائي الرئيس الذي تسلكه ناقلات النفط القادمة من موانئ البلطيق الروسية الرئيسة: أوست لوغا، وبريمورسك، وسانت بطرسبورغ. ووفقاً لتحقيق أجرته صحيفة “صنداي تايمز”، فقد عبرت سفن تحمل نفطاً روسياً بقيمة تقارب 319 مليار دولار هذا الممر المائي منذ عام 2022.
غضب روسي
ويرى مراقبون أن “بريطانيا والقوى الأوروبية المنضوية في حلف شمال الأطلسي، دأبت على تأجيج الصراع مع روسيا بقوة لأكثر من عقد، بدءاً من دعمها للانقلاب اليميني المتطرف في أوكرانيا عام 2014. وبدعم من إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، رأوا فرصة سانحة في هجوم روسيا على أوكرانيا عام 2022، كرد فعل من الأوليغارشية الروسية على توسع حلف (الناتو) شرقاً. والهدف هو إضعاف روسيا واستنزافها، وربما حتى إحداث تغيير في النظام”.
بعد أكثر من أربع سنوات من الحرب، يجري السعي لتحقيق هذه الأهداف بحماسة شديدة. وتقود بريطانيا الآن القوى الأوروبية لتنفيذ هذه العملية، إذ خففت إدارة ترمب المنشغلة في حربها ضد إيران من رغبتها في الحرب، مفضلة إقامة علاقات تجارية مواتية مع روسيا للحصول على المعادن الأرضية النادرة والنفط والغاز وغيرها من الأصول الاستراتيجية، مع ضمان سيطرتها الاقتصادية على أوكرانيا في الوقت نفسه.
تعد التهديدات وعمليات الاستيلاء الأوروبية على ناقلات النفط الروسية جزءاً من هجوم عسكري أوسع نطاقاً ضد صادرات الطاقة الروسية.
روسيا غاضبة لأن الجيش الأوكراني عزز بدعم مادي وتقني من حلف “الناتو”، قدراته بشكل ملحوظ على ضرب أهداف في عمق الأراضي الروسية. وخلال الأشهر الستة الماضية، نفذت أكثر من 100 ألف مسيرة غارات على أكثر من 12 مصفاة نفط ومنشآت أخرى للبنية التحتية للنفط والغاز، إضافة إلى 6 موانئ ومحطات نفطية. وقد ألحقت الضربات الناجحة على سانت بطرسبورغ، مسقط رأس الرئيس الروسي، خلال المنتدى الاقتصادي الذي تستضيفه، والمعروف باسم “دافوس الروسي”، ضرراً سياسياً بالغاً بصورة النخبة الحاكمة في الكرملين.
على الصعيد الاقتصادي، خضع ما بين ألفين وثلاثة آلاف فرد وكيان لعقوبات من المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، وتوقفت التجارة في قطاعات حيوية، وفرضت دول “مجموعة السبع” سقفاً سعرياً على النفط الروسي. وقد اعتمدت قمة مجموعة السبع التي اختتمت أخيراً التزاماً مكتوباً بزيادة الضغط على الاقتصاد العسكري الروسي. وفي هذا السياق، ستعزز عقوباتها، بما في ذلك تلك التي تستهدف قطاع النفط والغاز.
تشير مؤشرات عدة إلى أن هذا الضغط بدأ يؤتي ثماره. فقد انخفضت توقعات النمو الاقتصادي في روسيا بشكل حاد، ويتزايد عجز الموازنة العامة، وكذلك الديون الخاصة والمتأخرات، وتواجه البلاد نقصاً في الوقود، في حين تتراجع صادرات النفط الحيوية، وتشير بيانات رصد عدة إلى تباطؤ ملحوظ في وتيرة تقدم القوات الروسية في الأشهر الأخيرة. وتفيد التقارير بتعثر جهود تجنيد الجنود المتعاقدين.
وبدلاً من استخدام هذا كورقة ضغط في المفاوضات، كما تدعي القوى الأوروبية، فقد أوضحت أنها تعتزم ضمان أن أي مفاوضات “سلام” ستجري فقط في شكل مفاوضات لاستسلام روسيا
الرد الروسي
طوال فترة الحرب، هدد المسؤولون الروس بضرب أهداف أوروبية خارج أوكرانيا رداً على “تزايد التدخل العسكري الأوروبي في أوكرانيا”، وفق تعبيرهم. وفي عام 2024، أعلن بوتين أن أي قواعد جوية تابعة لحلف “الناتو” تستخدم كمنصات إطلاق للطائرات الأوكرانية تعد “هدفاً مشروعاً”. وفي العام نفسه، عندما طرحت باريس فكرة إرسال قوات إلى أوكرانيا، وسمحت لندن باستخدام صواريخها بعيدة المدى ضد أهداف روسية، حذر المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، من “جولة جديدة من التصعيد”. وفي الوقت نفسه أعلنت روسيا عن مناورات تتضمن أسلحة نووية استراتيجية.
ونشرت وزارة الدفاع الروسية هذا العام عناوين الشركات الأوروبية التي تساعد أوكرانيا في إنتاج الطائرات من دون طيار، معلقة بأن مشاركتها تمثل “تحولاً زاحفاً لهذه الدول إلى مؤخرة استراتيجية لأوكرانيا”، مما سيؤدي إلى “تصعيد حاد”، بالتوازي مع إصرار قادة القوات المسلحة البريطانية على ضرورة الاستعداد لحرب شاملة مع روسيا.
حدد خبراء من قناة “ميليتاري كرونيكل” ثلاثة مستويات لرد فعل موسكو. أولها الضغط دون عتبة النزاع العسكري المفتوح، ويشمل ذلك الهجمات الإلكترونية وعمليات التأثير والأنشطة التخريبية. وفي يوليو (تموز) الماضي، فرضت لندن عقوبات على جهات روسية فاعلة في الفضاء الإلكتروني، مما يدل على إدراكها لهذا السيناريو.
أما الأمر الثاني فهو اتخاذ تدابير غير متكافئة ضد المصالح البريطانية خارج المملكة المتحدة. إذ يمكن لروسيا أن تزيد من تعاونها العسكري مع خصوم لندن، وأن تكثف جهودها الاستخباراتية، والضغط الدبلوماسي، ودعمها للجهات التي هي في صراع مع بريطانيا.
الخيار الثالث هو توجيه ضربات ضد منظومة الدعم البريطانية لأوكرانيا. ويشمل ذلك طائرات الاستطلاع والحرب الإلكترونية البريطانية العاملة في المجال الجوي الدولي، والتي تنقل البيانات إلى كييف. وقد يراوح الرد ما بين اعتراض استعراضي وتشويش إلكتروني. يعد ذلك تصعيداً كبيراً، ولكنه لا يمثل ضربة مباشرة على الأراضي البريطانية. ثمة خيار آخر يتمثل في إجبار لندن على إنفاق أكثر مما تستطيع تحمله على أوكرانيا. وهذا في جوهره تكرار للسيناريو الأميركي، حيث يستنفد الخصم موارده الخاصة.
تهديدات متبادلة بالحرب
بعد أشهر من اندلاع الحرب، صرح قائد الجيش البريطاني الجنرال باتريك ساندرز بأن “هناك حاجة ملحة الآن لبناء جيش قادر على القتال إلى جانب حلفائنا وهزيمة روسيا في المعارك. نحن الجيل الذي يجب أن يعد الجيش للقتال مجدداً في أوروبا”.
ورد الجنرال الروسي المتقاعد يفغيني بوزينسكي على ذلك، قائلاً للتلفزيون الروسي الرسمي، “إنه لا يفهم أنه نتيجة للحرب العالمية الثالثة، ستختفي بريطانيا فعلياً. ستختفي الجزيرة، لذا لا أعرف أين سيعيش هو أو أحفاده”.
يتحدث المسؤولون الأوروبيون عن حرب مع روسيا “بحلول نهاية العقد” أو “في غضون بضع سنوات” كما لو كانت حقيقة مؤسفة من حقائق الحياة وليست كارثة تهدد البشرية.
في جميع أنحاء القارة، تتصاعد حدة التوتر. استقال وزير الدفاع البريطاني السابق جون هيلي بعدما دان حكومة كير ستارمر قبل رحيلها على عدم قدرتها وعدم رغبتها في زيادة الإنفاق العسكري بشكلٍ كافٍ “في هذا وقت تتزايد فيه التهديدات”.
واشتكى سلفه بن والاس في برنامج “توداي” على إذاعة “بي بي سي”، من أن حادثة القناة أظهرت أن روسيا “لا تخاف منا”. وصرح رئيس لجنة الدفاع في مجلس العموم، تان ديشي، قائلاً “من الواضح أننا في حاجة إلى التحرك بشكل أسرع بكثير، بما في ذلك زيادة الإنفاق الدفاعي”.
حالياً، لا يستطيع أي من أطراف التوتر المتفاقم تقديم مخرج من هذا الجحيم المتصاعد. فهم يمثلون قوى دولية متصارعة تعتمد بشكل متزايد على الحروب والصراعات لحماية مصالحها: سواء من طريق إنشاء مناطق نفوذ جديدة، أو من طريق محاولة تحقيق موقع إقليمي قوي لمواجهة هذه الجهود، كما هو الحال مع روسيا.
قوائم بأهداف محتملة
تواجه المملكة المتحدة تصاعداً في التوترات وسط إعلانات الحكومة الروسية عن احتمال شن ضربات على منشآت مرتبطة بالدعم العسكري لأوكرانيا. ووفقاً لوسائل الإعلام البريطانية، نشرت وزارة الدفاع الروسية قائمة بمنشآت أوروبية، من بينها مواقع في لندن وليستر وريدينغ وسوفولك، يزعم تورطها في إنتاج طائرات مسيرة لمصلحة أوكرانيا. وقد أقر نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، ديمتري ميدفيديف، بإمكان تدمير هذه المنشآت، في حين دعا عديد من الشخصيات الإعلامية الموالية للكرملين إلى شن ضربات ضد دول حلف شمال الأطلسي (الناتو).
وفي هذا السياق، أعلنت الحكومة البريطانية عن اكتشاف عملية روسية تحت الماء لاستطلاع بنية تحتية حيوية تحت الماء، بما في ذلك كابلات الاتصالات. ويرى المحللون أن هذه الإجراءات تتسق مع استراتيجية الضغط الهجين التي تهدف إلى ردع المساعدات العسكرية الغربية لأوكرانيا، ولكنها في الوقت نفسه تزيد من خطر التصعيد والتدخل المباشر لدول “الناتو” في الصراع.
وحذر قادة سابقون في الدفاع والاستخبارات البريطانية، بمن فيهم الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات السرية، أليكس يونغر، ورئيس أركان القوات الجوية السابق، جوك ستيروب، من أن البلاد غير مستعدة بشكلٍ كافٍ لنزاع محتمل.
محاولات لاستدراك النزاع العسكري
أعلنت حكومة المملكة المتحدة بأن البلاد ترغب في الحفاظ على العلاقات العسكرية مع روسيا، لكن موسكو ليست مهتمة بذلك. ودعا مسؤولون ودبلوماسيون رفيعو المستوى في المملكة المتحدة، وزير الدفاع الجديد، ويس ستريتينغ، إلى “إعادة ضبط” قنوات التواصل مع القادة العسكريين الروس. ويعتقدون أن انقطاع هذا التواصل قد يؤدي إلى صراع أوسع نطاقاً نتيجة حادثة أو سوء فهم، بحسب ما ذكرت صحيفة “تايمز”.
هذه المسألة نوقشت في أعقاب حوادث عدة في البحر. لا سيما بعد إطلاق السفينة الحربية الروسية “الأدميرال غريغوروفيتش” في يونيو (حزيران) الماضي، طلقات تحذيرية على يخت بريطاني في القنال الإنجليزي، وفي يوليو، حلقت طائرة مضادة للغواصات من طراز “تو-142” على مقربة خطرة من حاملة الطائرات التابعة للبحرية الملكية البريطانية “أتش أم أس برينس أوف ويلز” في بحر النرويج.
وقال الملحق العسكري البريطاني السابق لدى موسكو وكييف، جون فورمان، إنه من دون خط اتصال مباشر، هناك خطر من التصعيد غير المقصود. وأشار إلى أن “سوء الفهم الخطر قد يؤدي في نهاية المطاف إلى خسائر في الأرواح”.
واعتبر فورمان أن المحادثات ضرورية أيضاً إذا أرادت بريطانيا العمل في القطب الشمالي في المستقبل، والذي يمكن أن يصبح ساحة معركة محتملة مع تزايد التوترات بين الحلفاء الغربيين وروسيا.
وأعلن مسؤول بريطاني كبير سابق آخر أنه “من المستحيل التوصل إلى حل للتوتر دون حوار”. وأعلن ممثل مجلس الوزراء “لقد دافعنا منذ فترة طويلة عن الحوار بين كبار المسؤولين العسكريين وروسيا، ونأسف لأنها لا ترغب في المشاركة فيه”.
وكان آخر تواصل بين رئيسي أركان الجيشين في سبتمبر (أيلول) 2022. وشارك الأدميرال توني رادكين في المحادثة من الجانب البريطاني. وقد قوبلت محاولاته اللاحقة للتواصل مع رئيس هيئة الأركان العامة بالجيش الروسي، الجنرال فاليري غيراسيموف، بالرفض بحجة انشغال الأخير. وعندما حل المارشال الجوي ريتشارد نايتون محل رادكين، حاول رادكين أيضاً التواصل مع غيراسيموف، لكنه لم يرد.
وجرت آخر محادثة معروفة بين وزيري الدفاع البريطاني والروسي في أكتوبر (تشرين الأول) 2022. في ذلك الوقت، كان يشغل هذين المنصبين بن والاس، وسيرغي شويغو. اتصل شويغو بنظيره البريطاني مبلغاً إياه أن أوكرانيا تحضر لاستخدام قنبلة قذرة. اعتبرت بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة هذا الادعاء كاذباً. لم يتحدث جون هيلي، خليفة والاس، مع شويغو أو خليفته أندريه بيلوسوف.
وقد أصبحت الاتصالات المباشرة أكثر صعوبة بعدما طردت المملكة المتحدة الملحق العسكري الروسي في مايو (أيار) 2024، متهمة إياه بالتجسس. وردت موسكو بالمثل. وتحتفظ وزارة الدفاع البريطانية بخط اتصال منفصل مع مركز العمليات التابع لوزارة الدفاع الروسية، ولكن هذا الخط يستخدم بوتيرة أقل مما كان عليه قبل الحرب في أوكرانيا.
لندن لا تنكر عداءها لموسكو
تتهم روسيا المملكة المتحدة بـ”المراهنة المتعمدة على تصعيد الأزمة الأوكرانية” بعد تأكدها من استخدام طائرات مسيرة بريطانية الصنع لضرب أهداف في عمق الأراضي الروسية. وتم استخدام مسيرات أنتجتها شركتان بريطانيتان، لتنفيذ عديد من الضربات الناجحة على أهداف عسكرية وصناعية روسية، بما في ذلك مصافي النفط ومستودعات شركة “وايلد بيريز” للبيع بالتجزئة عبر الإنترنت.
وأكد مصدر عسكري لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) استخدام طائرات بريطانية من دون طيار في الهجمات، والتي تشير التقديرات إلى أنها تسببت في سقوط مئات القتلى والجرحى وأضرار اقتصادية تزيد قيمتها على 35 مليار جنيه استرليني. ويأتي تحذير موسكو للمملكة المتحدة وسط موجة يومية من الغارات الجوية الأوكرانية واسعة النطاق على روسيا.
في أبريل (نيسان) الماضي، أعلنت وزارة الدفاع البريطانية أنها ستنقل عشرات الآلاف من الطائرات من دون طيار، بما في ذلك طائرات الهجوم بعيدة المدى، إلى أوكرانيا في أكبر عملية تسليم على الإطلاق. وصرح متحدث باسم وزارة الدفاع البريطانية بأن لندن “تقف جنباً إلى جنب مع أوكرانيا”. وقال “لا ينبغي أن يكون لدى روسيا أي شك في عزمنا على مواجهة العدوان الروسي – سواء في أوكرانيا أو ضد المملكة المتحدة وحلفائنا”. وأضاف أن بريطانيا “مصممة على تزويد أوكرانيا بالمعدات التي تحتاج إليها للدفاع عن نفسها ضد الغزو غير القانوني الذي قام به بوتين”.
عالم السياسة أليكس كراينر أكد أن الحكومة البريطانية “تسعى إلى إشعال حرب كبرى عبر استفزازات ضد روسيا بهدف صرف انتباه الشعب عن مشكلاته الداخلية”. وقال “البريطانيون هم المحرضون الرئيسون على الصراع في أوكرانيا ضد روسيا”.
بحسب قوله، تظهر المملكة المتحدة عدواناً سافراً تجاه روسيا. وأشار إلى أن لندن لا تخفي أفعالها لأنها تريد استفزاز موسكو للرد.
رأي الخبراء
كتبت آن ماكيلفوي، وهي كاتبة عمود، مقالاً جاء فيه، أن تزايد مشاركة المملكة المتحدة في الحرب الروسية – الأوكرانية، وتحديداً من خلال مساعدة أوكرانيا في شن غارات جوية على عمق الأراضي الروسية، يشير إلى أن الحرب الروسية – الأوكرانية لم تعد تدور رحاها “في مكان بعيد من بريطانيا”.
وأشارت ماكيلفوي إلى أن رئيسة جهاز الاستخبارات البريطاني الجديدة، بليز مترفيلي، كانت قد صرحت سابقاً في خطاب تنصيبها بأن “خطوط المواجهة موجودة في كل مكان”. واعتبرت أن الحرب الهجينة مستمرة منذ سنوات عدة، وتشمل الهجمات الإلكترونية، وإلحاق الضرر بالكابلات البحرية، وعمليات الاستخبارات.
بحسب ماكيلفوي، فإن “تحالف الدول الراغبة” يساعد أوكرانيا في الدفاع عن نفسها ضد روسيا، لكن هذه المساعدة تأتي بثمن يتزايد تدريجاً. وتعتقد أن غارات الطائرات المسيرة على الأراضي الروسية ترسي معياراً جديداً في العلاقات بين لندن وكييف، وتزيد من حدة العداء من جانب موسكو. وقالت “بصرف النظر عن حقيقة أن هذا الأمر ينقل الحرب بوضوح إلى روسيا ويسبب ضرراً مادياً للمجهود الحربي، فإن الهدف هو إظهار أن بريطانيا لا تخشى الوقوف في وجه بوتين”. ورأت أن على رئيس الوزراء البريطاني الجديد، آندي بيرنهام، أن يتحمل مسؤولية أكبر عن دور بريطانيا في الحرب. وأن من أهم مهام البلاد شرح أسباب انتظام بريطانيا المتزايد في الحرب للمواطنين المعنيين.
رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، أشاد في مقابلة مع صحيفة “تايمز” بتصريحات الحكومة البريطانية في شأن “ضرورة الاستعداد للحرب مع روسيا في المستقبل”. غير أنه أشار إلى أن لندن “لن تكون قادرة على التعامل مع الوضع من دون مساعدة واشنطن” في حال نشوب صراع مع موسكو.
البروفيسور جون ميرشايمر، أستاذ جامعة شيكاغو، اعتبر أن هجمات الطائرات المسيرة على عمق الأراضي الروسية قد تثير هجوماً على أوروبا. وهو يعتقد أن مثل هذا السيناريو سيدفع الغرب إلى تصعيد خارج عن السيطرة، قد يصل إلى حد استخدام الأسلحة النووية.
مما لا شك فيه، أن لا مصلحة أو نية لروسيا أو بريطانيا بإشعال حرب مباشرة وشاملة، خوفاً من تحولها لحرب عالمية ثالثة وخشية من العواقب الكارثية للمواجهة النووية. لأن وجود أسلحة نووية لدى كلا القوتين يشكل ضمانة ردع تمنع الصدام العسكري المباشر بين جيوش الاتحاد الروسي وبريطانيا، لذلك يعتقد بعض المحللين أن الصراع سيظل هجيناً وقائماً على مد وجزر، لكن خطر وقوع حوادث خطرة بسبب سوء تقدير نيات الطرف الآخر يظل قائماً.
