ملخص
هل قرر الروائي والكاتب أمين معلوف التخلي عن الرواية التاريخية التي استهل بها مشروعه السردي، إنطلاقا من العام 1986 مع “ليون الافريقي”، متجهاً الى مشروع فكري، يقوم على مساءلة مرحلة ما بعد الحداثة، سياسياً وحضارياً وتكنولوجياً؟
ليس ما يدفع الى مثل هذا السؤال، مضيّ أمين معلوف في اصدار كتب فكرية – تأملية فقط، وكان فاتحتها كتابه “الهويات القاتلة” عام 1998، بل ايضا روايته الاخيرة “إخوتنا غير المتوقعين” (2020) ذات الطابع الخيالي العلمي التي تواجه خطر الحرب النووية، وقد بدت رواية غريبة جداً عن مسيرة معلوف السردية، ولكن قريبة جداً من مساره الفكري – التأملي الذي يتصدى للأخطار الشاملة التي تتهدد البشرية، وخصوصاً التكنولوجية الجديدة، ومنها الذكاء الاصطناعي الذي يتناوله في كتابه الصادر حديثا بعنوان “قرن تحولنا” (دار غراسيه 2026).
طبعاً الرأي النقدي في هذا الكتاب كما في الكتب السابقة، يتوقف على النقاد العلميين والمفكرين، خصوصاً أن معلوف لا يقدم فيه حلولاً أو رؤية علمية مستقبلية، بل يكتفي في التأمل المثالي والإنسانوي. ولا ننسى كيف أخذ المفكر والعالم تزيفتان تودورف على كتاب معلوف “إختلال العالم” في مقال نُشر في “لوموند”الفرنسية (20 مارس- آذار 2009) “عدم الدقة” و”عدم التمييز بما يكفي بين الثقافات الخاصة والقيم الكونية”.
وعودةً إلى كتاب “قرن تحولنا”، قد يكون أشد ما يربك الإنسان في هذا العصر أن المستقبل لم يعُد ينتظره في نهاية الطريق. لقد دخل إلى بيته، واستقر في شاشة هاتفه، وبدأ يشاركه الكتابة والتفكير واتخاذ القرار، بينما لا تزال لغته السياسية والأخلاقية تبحث عن أسماء لما يحدث. وتتكاثر قدراته على تغيير العالم، لكن معرفته بالوجهة التي ينبغي أن يسلكها لا تتسع بالسرعة نفسها.
التحولات والمصائر
يسعى معلوف في كتابه “قرن تحولنا” الى مقاربة التحولات الكبرى التي تواجه مصائر البشر. فما تعنيه التقنيات الجديدة لا يُستنفد في حساب سرعتها أو إنتاجيتها أو أرباحها. وثمة ما يصعب إدراجه في جداول المنفعة مثل استقلال الفرد وكرامة العمل ومعنى المعرفة، وحق الضعيف في ألا يصبح عبئاً على عالم يزداد افتتاناً بالكفاءة.
ومع ذلك، فإن جدية السؤال لا تعفي الأجوبة من الاختبار. فالدعوة إلى إنقاذ الإنسانية قد تكون نبيلة، لكنها تظل بحاجة إلى تعيين القوى التي تهددها والمصالح التي تقود تحولها والمؤسسات القادرة على تغيير وجهته. وهنا تبدأ القراءة النقدية، أي عند النقطة التي ينبغي فيها للقلق الأخلاقي أن يواجه صلابة العالم. ولعل أمين معلوف يدرك في قرارته أن اطروحاته هذه تحتاج إلى مزيد من البلورة العلمية والسوسيولوجية والاقتصادية.
وتمنح كلمة “التحول” في كتاب معلوف هذا المشروع قوته الأولى، فهي تنقل النقاش من الأدوات إلى الكائن الذي يستخدمها. اعتدنا النظر إلى التقدم بوصفه زيادة في ما نستطيع فعله، أما التحول فيدعونا إلى التساؤل عما نصبح عليه ونحن نفعل ذلك. وحين تتغير علاقتنا بالتفكير والجسد والبيئة، قد لا يعود الإنسان الذي يتلقى نتائج الاختراع مطابقاً لذلك الذي بدأ بصنعه.
لكن الاستعارة، مهما كانت موحية، تستدعي الحذر. فالتاريخ البشري يتكون من قرارات متنازعة ومقاومات وأخطاء ومصالح لا تتطابق. ولا توجد صورة نهائية تنتظرنا في نهاية القرن، ولا ضمانة بأن ما يأتي سيكون أرقى أخلاقياً مما نعرفه.
هكذا ينبغي أن يُفهم التحول بوصفه ميداناً للصراع على المستقبل. أما التعامل معه كبرنامج مكتوب سلفاً في الطبيعة أو التقنية، فقد يحول بلاغة التنبيه إلى ذريعة للاستسلام. وإذا كان الإنسان يتغير، فمن حقه أن يسأل عمن يملك سلطة تحديد شروط هذا التغير.
ويجمع مشروع كتاب معلوف بين الذكاء الاصطناعي التوليدي والتكنولوجيات الحيوية والهندسة الوراثية والطاقات المتجددة واختلال المناخ. وهذه مجالات تختلف في أدواتها وإيقاعها، لكنها تلتقي عند قدرتها على تعديل شروط الوجود الإنساني، وعلى فرض نتائج تتجاوز الأفراد الذين يختارونها والحدود التي تبدأ داخلها.
لكن جمعها تحت عنوان واحد لا يكفي لإثبات وحدتها، وتحتاج الرؤية الشاملة إلى أن تحفظ هذه الفروق، وإلا غدا اتساع المشهد سبباً في ضبابيته.
سؤال السلطة
ولعل ما يمنح هذه المجالات رابطاً نقديا خصباً هو سؤال السلطة، من يستطيع التدخل؟ ومن يحدد الغاية؟ ومن يتحمل العواقب؟ عندئذ يصبح مفهوم التحول أكثر من مظلة لغوية، يصبح مدخلاً لفحص الطريقة التي يعاد بها توزيع القدرة بين البشر.
وتتجلى حساسية هذا السؤال بوضوح في الذكاء الاصطناعي، فالأداة هنا تدخل إلى مساحة ربط الإنسان بها جانباً من فرادته، اللغة والتأويل وصوغ الأفكار. وما كان يُستدعى لتخفيف الجهد البدني بات يشارك في أعمال الذهن، ويجعلنا نعيد التفكير في العلاقة بين الإنجاز والفهم.
يرى معلوف أن التحول الجاري يخص المجتمع بأسره، ويرتبط بعض أخطاره باستخدام الدول والجماعات المتطرفة قدراته لأغراض تدميرية. وتكمن وجاهة هذا التنبيه في إعادة المسؤولية إلى الفاعلين البشريين، بدلاً من حصر القلق في صورة آلة تتمرد على صانعها.
ومن هذا المنطلق، يصبح السؤال عمّا يُفعل بالذكاء الاصطناعي أكثر إلحاحاً من السؤال عمّا يستطيع فعله، فقد توسع التقنية فرص التعلم والبحث، وقد تُستخدم لتركيز المعرفة والقرار في أيدٍ أضيق، وقد تعين العامل على أداء مهمته، أو تتحول إلى وسيلة لمراقبته وتجريده من قدرته على الاعتراض. ولا يحدد الإمكان التقني وحده النتيجة الاجتماعية، إذ تتدخل في ذلك الملكية والقانون وتنظيم العمل والخيارات التربوية.
وفي الأدب، تزداد المسألة دقة، إذ لا تقتصر الكتابة على إنتاج نص قابل للنشر، بل تشمل التجربة التي يمر بها الكاتب وهو يبحث عن العبارة، ويختبر صدق انفعاله، ويكتشف أن ما ظنه فكرة واضحة لم يكُن سوى شعور مبهم. ويمكن للأداة أن تساعد هذه التجربة، لكن اختزالها في حصيلة لغوية يهدد بإفقار فهمنا للإبداع.
ومن اللغة إلى الجسد، يتخذ التحول وجهاً آخر، فالتكنولوجيات الحيوية تضع الإنسان أمام إغراء التدخل في مادته الحية والتخفيف من هشاشته وتعديل بعض الشروط التي كانت تبدو حدوداً لا تُمس.
مشروعية الامل
يبدأ النقاش هنا من الاعتراف بمشروعية الأمل، فالألم والمرض والموت الباكر ليست مفاهيم نظرية لمن يعيشونها. ومن السهل تمجيد الحدود الطبيعية من موقع من لم تُغلق هذه الحدود طريقه إلى الحياة. لذلك لا يستقيم موقف نقدي يجعل الخوف من التدخل سبباً لرفض إمكانات العلاج والتخفيف من المعاناة.
أما المناخ، فيكشف جانباً آخر من اختلال العلاقة بين القدرة والمسؤولية. وتتجاوز آثار الأفعال حدود المكان والزمن، بينما يبقى القرار محكوماً غالباً بمصالح الحاضر القريب. وقد يتحمل أشخاص نتائج خيارات لم يشاركوا في صنعها، وقد ترث أجيال لاحقة خسائر لم يكُن لها صوت في منعها.
ولا يكفي وصف الانتقال في مجال الطاقة بوصفه مساراً تقنياً، فالسؤال يشمل توزيع كلفته، وحماية الفئات التي قد تتضرر منه، ومنع تحول الضرورة البيئية إلى عبء إضافي على من يملكون أقل قدر من الموارد. ولا يكتسب المستقبل شرعيته إذا طُلب من بعض الناس أن يدفعوا وحدهم ثمن الوصول إليه.
عند هذه النقطة تتضح أطروحة مركزية في كتاب معلوف، فالفجوة بين تسارع المعارف واستمرار أنماط حكم وتنافس، لا تواكب حجم الترابط بين البشر. ويستخدم معلوف صورة الجماعات التي لا تزال ترى نفسها “قبائل” متنافسة، بينما يفرض عليها واقعها مصيراً متداخلاً.
ولعل هذا تشخيص نافذ بقدر ما يفضح ضيق الأفق السياسي أمام اتساع القدرة العلمية، غير أن الصورة تحتاج إلى تدقيق. فالصراعات لا تنشأ كلها من سوء فهم الهويات، وقد يكون وراءها تفاوت ملموس في النفوذ والموارد والأمن. وأحياناً يعرف المتنازعون تماماً أن مصالحهم مترابطة، لكن بعضهم يجد مصلحة في إبقاء العلاقة غير متكافئة.
كذلك لا يصح النظر إلى الانتماءات على أنها عوائق متقادمة في طريق عقلانية كونية، فاللغة والذاكرة والوطن تمنح الحياة كثافتها وتتيح للإنسان أن يعرف نفسه داخل تاريخ يتجاوز عمره الفردي. وتبدأ المشكلة حين يتحول الانتماء إلى ترخيص بإنكار حقوق الآخرين، أو حين تطلب جماعة الأمان لنفسها عبر إدامة هشاشة سواها.
هنا تبلغ دعوة معلوف إلى نزعة إنسانية كونية جديدة، أهميتها وحدّها معاً، فهي تتيح تخيل رابطة تتسع لما يتجاوز الجماعات المتنافسة، لكنها تصبح عرضة للتجريد إذا لم تطرح سؤال العدالة داخل هذه الرابطة.
فكلمة “نحن” التي تبدو طبيعية حين نتحدث عن مستقبل النوع البشري، تخفي اختلافاً هائلاً في مواقع المتكلمين. وليس من يملك البنية التقنية في موقع من يكتفي باستخدامها، ولا من يحدد شروط السوق في موقع من يخشى فقدان عمله، ولا من يستطيع الاحتماء من الأخطار في موقع من تُفرض عليه آثارها.
المسؤولية المشتركة
من هنا، ينبغي أن تتبع كل دعوة إلى المسؤولية المشتركة، أسئلة عن المسؤوليات المتفاوتة. من اتخذ القرار؟ ومن استفاد؟ ومن يستطيع التراجع أو التعويض؟ ومن يملك أصلاً حق الرفض؟ فتوسيع دائرة التعاطف لا يغني عن تفكيك علاقات القوة.
وتحتاج الكونية، كي تتجاوز هذا المأزق، إلى مؤسسات، فلا يكفي أن نتفق على أن الكرامة مهمة، ينبغي أن نحدد الحقوق التي تحميها والجهات التي يمكن مساءلتها عند انتهاكها والوسائل التي تتيح للمتضررين أن يُسمعوا أصواتهم.
اما الإشكال فيظهر في القول إن التحول لا يمكن إيقافه أو إبطاؤه، ولكن يمكن توجيهه. فهذه الصيغة، الواردة في الكتاب، تمنح الدعوة إلى الفعل إلحاحاً واضحاً، لكنها تطرح سؤالاً عن معنى التوجيه نفسه.
إن لغة الحتمية قد تبدو واقعية، لكنها تستطيع أن تؤدي وظيفة سياسية، إخراج خيارات محددة من مجال النقاش، وتقديمها بوصفها قدراً لا يملك المواطنون سوى التكيف معه. وعندئذ تتحول الديمقراطية إلى إدارة للنتائج بعد أن تكون القرارات الأساسية اتُخذت خارجها.
على الرغم من هذا، لا ينبغي الوقوع في الوهم المقابل، أي الاعتقاد بأن الإرادة السياسية تستطيع ضبط كل مسار وضمان كل نتيجة. فالمعرفة ناقصة، والآثار قد تظهر متأخرة، والمؤسسات معرضة للخطأ. وما نحتاج إليه هو قدرة مستمرة على المراجعة والتصحيح، وعلى توزيع سلطة القرار فلا يصبح خطأ طرف واحد مصيراً مفروضاً على الجميع.
أما تسمية الأزمة فلا تساوي تفسيرها، ووضوح الدعوة الأخلاقية لا يكفي لبيان طريق تحقيقها. ويمكن لأي قارئ أن يشارك معلوف القلق على المصير، ثم يطالبه بمزيد من التحديد، أية مؤسسات؟ وأية آليات للمساءلة؟ وأي توازن بين الحرية والحماية؟ وكيف تُقاوَم المصالح المستفيدة من استمرار الاختلال؟
وهذه الأسئلة لا تُوجه إلى الأدب لتجريده من حقه في التفكير، بل لأخذ تدخله على محمل الجد، فالكاتب الذي يخاطب المجال العام يدخل فضاء تُختبر فيه الأفكار بقدرتها على الإضاءة والتفسير وبما تتيحه من فعل.
وتبقى للأدب، في هذا الفضاء، وظيفة لا يمكن اختزالها في تقديم الحلول، إذ إنه يحفظ ما تميل النظرات الشاملة إلى إسقاطه. فوراء العامل الذي يُعلن إمكان الاستغناء عنه حياة كاملة من المهارة والاعتزاز والالتزامات.
وحين يعيد الأدب هذه التفاصيل للنقاش، فإنه يذكّرنا بأن الإنسان الذي نريد إنقاذه ليس مفهوماً مجرداً. إنه كائن يعيش في زمن محدود ويحتاج إلى معنى وأمان واعتراف، وقد يخسر عالمه الصغير بينما تعلن المؤشرات الكبرى أن البشرية تتقدم.
من هنا تأتي القيمة الأعمق للمشروع الذي يطرحه “قرن تحولنا”، إعادة سؤال الغاية إلى قلب حديث غلبت عليه القدرة، غير أن هذا السؤال لن يستوفي قوته إذا بقي فوق الصراعات الفعلية. فالمصير المشترك يحتاج إلى عدالة محسوسة، والمسؤولية تحتاج إلى أصحاب قرار يمكن مساءلتهم، والكرامة تحتاج إلى حقوق تصمد حين تصبح حمايتها مكلفة.
قد يخرج الإنسان من هذا القرن وقد تغيرت أدواته وجسده وعلاقته بالمعرفة تغيراً واسعاً، لكنّ مقدار ما سيبقى له من الحرية لن يُقاس بحدود التقنية وحدها، بل بقدرته على أن يفهم ما يُفعل باسمه، وأن يشارك في تقريره، وأن يعترض عليه حين يهدد شروط حياته.
لعل صورة التحول تبلغ معناها الإنساني حين نترك نهايتها مفتوحة. فالفراشة لا تختار شكل جناحيها، أما البشر فما زالوا مطالبين بأن يناقشوا نوع العالم الذي سيكون لهم. وما يستحق الإنقاذ، وسط هذا الاندفاع كله، هو حقهم في أن يظلوا شركاء في صنع مصيرهم.
