واشنطن – تتجاوز دلالة الاتفاق الجديد بين وزارة الدفاع الأميركية وشركة لوكهيد مارتن حدود التعاقد على إنتاج مقاتلات متطورة، لتكشف عن توجه استراتيجي نحو تأمين التفوق الجوي الأميركي على مدى عقد كامل، في ظل بيئة دولية تتزايد فيها المواجهات العسكرية وتتسع فيها المنافسة على التكنولوجيا الدفاعية. فواشنطن لا تسعى إلى زيادة عدد الطائرات فحسب، بل إلى ضمان استمرار إنتاجها وصيانتها وتحديثها، بما يقلص مخاطر تعطل الإمدادات في أوقات الحرب.
وأعلنت لوكهيد مارتن، الخميس، التوصل إلى اتفاق إطاري مع البنتاغون لإنتاج وصيانة ما لا يقل عن 850 مقاتلة من طراز إف-35 لايتنينغ 2 خلال السنوات العشر المقبلة، مع استهداف الحفاظ على وتيرة إنتاج سنوية تبلغ 156 طائرة. ويتضمن الترتيب الطلبيات الأميركية والدولية، وقطع الغيار الأولية ومجموعات التحديث، فيما تعهدت الشركة باستثمار ما لا يقل عن 7 مليارات دولار من مواردها في مبادرات تدعم البرنامج.
ولا يمثل الاتفاق، رغم حجمه، تسليم طلبية نهائية مكتملة التمويل، إذ يتطلب استكمال الإجراءات التعاقدية والحصول على التفويض والاعتمادات اللازمة. لكنه يوفر للشركة ومورديها رؤية أكثر استقراراً للطلب المستقبلي، ويتيح التخطيط للاستثمارات والقدرات الإنتاجية بدلاً من الاعتماد على دورات تعاقدية أقصر وأكثر عرضة للتقلبات السياسية والمالية.
ويأتي الاتفاق في سياق تصاعد الصراعات الجيوسياسية، بما فيها الحرب مع إيران، التي تضع القدرات الجوية والدفاعية الأميركية أمام اختبارات عملياتية ولوجستية متزايدة. وتبرز هذه البيئة أهمية الطائرات القادرة على العمل في أجواء محمية بمنظومات دفاع جوي، وجمع المعلومات والاستشعار، وتنفيذ مهام متعددة ضمن عمليات متكاملة.
وتوفر تقنية التخفي في مقاتلات إف-35 ميزة في تقليص فرص اكتشافها بالرادار، لكنها لا تجعلها غير قابلة للرصد أو الاستهداف. كما أن فاعليتها لا تعتمد على خصائص الطائرة وحدها، بل على تكاملها مع أنظمة الاستطلاع والقيادة والاتصالات والتزود بالوقود، فضلاً عن توافر الذخائر وقطع الغيار والكوادر الفنية.
ولا توجد في الإعلان عن الاتفاق إشارة إلى أن الحرب مع إيران كانت السبب المباشر وراءه. والأدق قراءة الخطوة باعتبارها جزءاً من تخطيط عسكري وصناعي طويل الأجل، يتأثر بتعدد التهديدات وبحاجة القوات الأميركية إلى الحفاظ على قدراتها في أكثر من مسرح عمليات، وليس بمجريات حرب واحدة فقط.
نجاح الخطة يظل مرهوناً بمعالجة مشكلات الصيانة والإمداد، واستكمال التمويل والإجراءات المطلوبة، وتحويل التعهدات الإنتاجية إلى طائرات جاهزة للعمل
وتكشف التحديات التي واجهها برنامج إف-35 أن زيادة الإنتاج لا تضمن وحدها تعزيز القوة الجوية. فقد أظهر تقرير لمكتب المحاسبة الحكومي الأميركي، صدر في يونيو الماضي، تراجع نسبة الطائرات القادرة على تنفيذ مهمة واحدة على الأقل من 67 في المئة عام 2021 إلى 44 في المئة عام 2025. كما انخفضت نسبة الطائرات القادرة على تنفيذ جميع مهامها من 38 إلى 25 في المئة خلال الفترة نفسها.
وربط التقرير مشكلات الجاهزية بنقص قطع الغيار، وتأخر بعض التحديثات البرمجية، وتحديات الصيانة والتآكل، محذراً من أن استمرار هذه المشكلات قد يعرقل تحسين الأداء مع توسع الأسطول. وتوضح هذه الأرقام أن التحدي الأميركي لا يقتصر على امتلاك مقاتلات أكثر تطوراً، بل يشمل القدرة على إبقائها متاحة للاستخدام عندما تتطلب العمليات ذلك.
ومن هنا تكتسب بنود الصيانة وقطع الغيار والتحديثات في الاتفاق أهمية موازية للإنتاج نفسه. فالطائرة التي تبقى خارج الخدمة بسبب نقص مكون أو تأخر إصلاح لا تضيف إلى القدرة القتالية الفعلية، مهما بلغت كلفتها أو مستوى تقنيتها. ولذلك يربط الترتيب الجديد جانباً من الحوافز المالية بالأداء، في محاولة لتحسين كفاءة الإنتاج واستقرار سلسلة التوريد.
يمثل الاتفاق أيضاً استثماراً في القاعدة الصناعية الأميركية، إذ تتوقع لوكهيد مارتن أن يدعم الترتيب نحو 317 ألف وظيفة، وأن يولد قرابة 79 مليار دولار من النشاط الاقتصادي سنوياً خلال العقد المقبل، وفق تقديرات الشركة. كما تراهن على أن وضوح الطلب طويل الأجل سيساعد في تخفيض تكاليف الإنتاج وتخفيف الاختناقات التي تواجه الموردين.
وتتجاوز أهمية ذلك المكاسب الاقتصادية إلى الحسابات الاستراتيجية. فالحروب الحديثة تستهلك الذخائر والمكونات بوتيرة قد تضغط على القدرة الصناعية، فيما تتنافس الولايات المتحدة على تلبية احتياجات قواتها والتزاماتها تجاه حلفائها. ويتيح التخطيط متعدد السنوات تقليص عدم اليقين لدى الشركات، لكنه لا يلغي تحديات التمويل أو ندرة بعض المكونات أو صعوبات رفع الإنتاج بالسرعة المطلوبة.
كما أن إدراج الطلبيات الدولية ضمن الاتفاق يعكس ارتباط برنامج إف-35 بشبكة واسعة من الشركاء والمشغلين. فاستدامة البرنامج لا تخدم القوات الأميركية وحدها، بل تؤثر أيضاً في جاهزية الدول التي تعتمد على الطائرة ضمن منظوماتها الدفاعية، وتزيد أهمية التنسيق في الصيانة والتحديث وتوفير قطع الغيار.
وفي المحصلة، ترسم واشنطن بالاتفاق إطاراً طويل الأجل للحفاظ على أحد أهم مكونات قوتها الجوية، في وقت تجعل فيه الحروب والتنافس الدولي الجاهزية الصناعية عاملاً لا يقل أهمية عن التكنولوجيا نفسها. لكن نجاح الخطة سيظل مرهوناً بقدرة البنتاغون والشركة على معالجة مشكلات الصيانة والإمداد، واستكمال التمويل والإجراءات المطلوبة، وتحويل التعهدات الإنتاجية إلى طائرات جاهزة للعمل. فالتفوق الجوي لا يُقاس بعدد المقاتلات التي تُنتج فحسب، بل بقدرة القوات على تشغيلها وصيانتها والاستمرار في استخدامها عندما تشتد المواجهات.