
أكاديمي مختص في لغات الشرق القديم وآثاره.
. المصدرجريدة الثورة السورية دمشق
يتردد بين حينٍ وآخر أن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي تتهيأ للإعلان عن الحاجة إلى تعيين أعضاء جدد في الهيئات التدريسية في الجامعات لوجود نقص في الكوادر الأكاديمية، وغير ذلك. وهو واقع ملموس في كثير من الأقسام العلمية، ومن حقّ الكوادر المتخصصة الشابة أن تجد الفرص المناسبة لتمارس عملها، ولكن الوزارة تتجاهل بالمقابل حق عدد قليل من الأكاديميين الذين فصلهم النظام المخلوع منذ بدايات الثورة لأنهم شاركوا فيها، أو لم يقبلوا دعمه، أو تحت أية حجة أو مسمّى كان.
ليس هناك بينهم من غادر الوطن، وسلك الدروب الخطرة القاسية، وهاجر بغرض السياحة والاصطياف. ليس هناك من لم يعانِ من مشقات الاغتراب، ليس هناك من لا يحنّ إلى ممارسة عمله الأكاديمي بدلاً من أعمال لا تليق بمكانته العلمية. باختصار؛ ليس هناك من لم يرحل مضطراً؛ أيّاً كانت الأسباب، ثورية أو خوفاً على حياته وحياة أسرته، أو هروباً من حيّ مدمّر، أو استنكاراً للعنف الذي كان يعايشه ويراه يومياً، أو لأسباب فرضتها ظروف الحرب.
فصله النظام المخلوع عن عمله مثل الآلاف من الموظفين الآخرين فلم يأبه لأنه رأى نفسه في صف الشعب الذي عانى وضحى بالغالي والنفيس. وجاءت البشرى برحيل النظام المخلوع، واستيقظ لديه الأمل الذي لم يشكّ فيه بأن التحرير هو خلاص وإعادة للحقوق التي أوصت بها الشرائع السماوية والقوانين الوضعية كلها.
صمت شهوراً في انتظار أن يتحقق ذلك، ولكن من دون جدوى. راجع إدارة عمله، وطالب، ونادى، ثم صرخ في الساحات جمعةً بعد جمعة، ولا يزال، ولكن من دون جدوى. سخر منه القائمون على الإدارة من فلول النظام المخلوع، سخر زملاؤه الذين آثروا مهادنة النظام المخلوع بوسائل شتى، معارفه وأصحابه، حتى صارت القضية مثيرة للسخرية لديه أيضاً. كيف يمكن للمرء أن يكون معاقَباً مبعداً من النظامين: المخلوع والمُحرّر.
لا أحد من المسؤولين يريد أن يسمع الشكوى، وإن سمع تعاطفاً بأشدّ العبارات اللطيفة، والأمثلة على ذلك كثيرة، ولكنها مواساة من دون جدوى. صارت القضية كرة يرمي المظلومون بها إلى المسؤولين، فيرميها كل منهم باتجاه آخر، فلا تجد مستقراً ولا حلاً.
أين الحل؟ كلّ يخمّن ويقدّر، ويرفع الكرة عالياً عالياً، وهو في الحقيقة أبسط من ذلك بكثير. الفصل حصل بموجب قرار وزاري؛ ولو من حيث الشكل، والوزارة تستطيع إلغاءه بجرّة قلم، ولنقل باجتماع قصير، وتفوّض الجامعات ببقية الإجراءات. هذا ممكن إن كانت هناك نيّة صادقة وإرادة حقيقية، إنه لا يحتاج إلى مرسوم، ولا إلى مصادقة مجلس.
أليس من المخجل أن يتعاقد المرء مع دائرته التي عمل فيها عشرات السنين، وبمرتب ضئيل لا يسد رمق العيش، وهو يرى أن طالبه الذي أشرف عليه لينال الشهادة العلمية ويصير باحثاً أكاديمياً يتقاضى مرتبأ أكثر من ثلاثة أضعاف مرتبه؟ أهذا ما تفتّقت به تصورات الوزارة عن الحل المناسب؟! أليس هذا ذرّاً للرماد في العيون! المفصولون يفقدون الأمل يوماً بعد يوم، ونحن نقترب من مضي سنتين على التحرير.
ولعل من المستغرب أيضاً أن نجد بين المفصولين من صار يرتقي أعلى المناصب الإدارية واحداً تلو الآخر؛ في مؤسسات إدارية مختلفة. اختيارهم حقّ، ولكن كيف يتولى ذلك مَن هو مفصول مبعد عن العمل؟ كيف تتم تسوية الأمر قانونياً؟ هل أُعيدوا بقرارات عليا فردية؟ إذاً ثمّة فارق بين مفصول ومفصول، وثمّة تمييز واعتبارات أخرى!
أقول هذا عن العاملين في الجامعات، ولكن الأمر لا يختلف لدى المفصولين من وزارات أخرى، فلهم حقوقهم أيضاً. القضية تراوح مكانها، والوعود تتردد يوماً بعد يوم، والكرة تعلو ولكنها لا تستقر، ويستمرّ الظلم ويغدو أشد مرارة، وليس هناك من يبحث عن حل جذري سريع. وما يزيدها مرارة أن الحديث عن العدالة الانتقالية لا يغيب، وبعض الإجراءات المتعلقة بها مستمرة، ولكن باتجاه واحد، وكأن العدالة هي محاسبة المذنبين فقط.