ملخص
أنهى الكاتب الأميركي فيليب ك. ديك حياته عام 1982 وحزنه لم يتبدد، إذ كان عليه أن ينتظر أربعة أعوام أخرى ليرى حلمه السينمائي متحققاً وبتحفة حققها الإنجليزي ريدلي سكوت تحت عنوان لا شأن لفيليب ديك نفسه به، هو “بلايد رانر”، لكن الفيلم أتى مقتبساً عن قصة لديك هي “هل تحلم الآندرويد بالخراف الكهربائية؟”
يروى عن الكاتب الأميركي فيليب ك. ديك (1928 – 1982) أنه كان يحب السينما أكثر مما يحب أي صنف فني آخر، وكان حزنه الكبير، منذ عام 1969 في الأقل، أن الفن السابع لم يعرف كيف يقترب بصورة جدية من أدبه الروائي. ولكن لماذا 1969؟ بكل بساطة لأنه العام الذي ظهر فيه فيلم ستانلي كوبريك “2001 أوديسا الفضاء” مضفياً على سينما الاستباق الزمني أبعاداً فكرية وفلسفية ومغرقة في أبعادها الفنية، ساحبة ذلك النوع من السينما من عوالم الترفيه والمغامرات الطفولية إلى عالم الفن الكبير.
كان فيلم كوبريك، كما نعرف، مقتبساً عن قصة لآرثر سي. كلارك المعتبر أقل شأناً من الناحية الأدبية والفكرية من ديك، إلى درجة أن كثراً من الباحثين والنقاد استغربوا كيف يسبق كلارك هذا الأخير إلى الشاشات وبأفلمة من واحد من كبار عباقرة الفن السابع.
والحقيقة أن ديك سينهي حياته عام 1982 وحزنه لم يتبدد. كان عليه أن ينتظر أربعة أعوام أخرى حتى عام 1986 ليرى حلمه السينمائي متحققاً وبتحفة حققها الإنجليزي ريدلي سكوت تحت عنوان لا شأن لفيليب ديك نفسه به، هو “بلايد رانر”، لكن الفيلم أتى مقتبساً عن قصة لديك هي “هل تحلم الآندرويد بالخراف الكهربائية؟”.
عندما عرض هذا الفيلم على شاشات العالم رأى كثر أنه يقل شأناً من الناحية السينمائية عن فيلم كوبريك – ومن ذا الذي من بين السينمائيين يمكنه أن يتنطح لمنافسة هذا الأخير في قوته السينمائية -، لكنه يشي بأن وراءه نصاً كبيراً قد لا ينافسه في قوته الإيحائية والتعبيرية أي نص آخر في تاريخ أدب الخيال العلمي.
من المؤسف أن ديك، حين استتب هذا الرأي كان قد غادر هذا العالم مصطحباً معه رهابه التاريخي وحزنه العميق، معتقداً أن السينما الكبيرة لن تصل إليه أبداً. أما محبوه وقراؤه الكثر والأكثر ذكاء في العالم من بين كل قارئي أدب الخيال العلمي، فقد راحوا ينتظرون الأفلام التالية التي ستلي مقتبسة عن رواياته.
في انتظار “يوبيك”
وبالفعل ما إن حل عام 1990 حتى ظهر فيلم “توتال ريكول” من إخراج بول فيرهوفن، ثم حقق ستيفن سبيلبرغ “ماينوريتي ريبورت” بعد ذلك بدزينة من الأعوام. وتتالت أعمال أخرى مقتبسة عن ديك، ولكن في كل مرة كان يتردد سؤال قلق: أين الفيلم الموعود عن “يوبيك”. وكان أصحاب هذا السؤال واثقين من أن روح كاتبهم المفضل لن تهدأ إلا حين تنقل روايته الكبرى هذه إلى الشاشة السينمائية.
والحقيقة أن الإعلان عن ذلك النقل كان دائماً، في أجواء الأخبار السينمائية لكن الأفلام لم تتحقق. ومع ذلك ثمة اليوم عشرات الإنجازات استعارت الاسم نفسه، من ألعاب فيديو، إلى أغاني روك وتكنو، حتى إلى ماركات أطعمة، وسلاسل مطاعم وثياب غريبة عجيبة، ناهيك بالأعمال المتلفزة والكليبات وما شابه ذلك، غير أن الفيلم الكبير لم يصل. وكان الكل ولا يزالون في انتظاره لمجرد أن يتأكد لهم من جديد أن أدب فيليب ك. ديك وخياله، لم يفتهم شيء أو توقع مما سيحدث في العالم. ففي هذا السياق تكمن واحدة من نقاط القوة لدى هذا الكاتب الكبير، حتى ولو أن “الديستوبيا” كانت مجاله الأكبر ولا سيما من خلال روايته الكبرى الأخرى “رجل القصر العالي” التي يقلب فيها راهنية التاريخ ليتخيل أن النازيين واليابانيين انتصروا معاً عند نهاية الحرب العالمية الثانية وها هم يتقاسمون أراضي الولايات المتحدة اليوم ويحكمونها معاً، ولكن من المؤكد في نهاية المطاف أن “بلايد رانر”، و”رجل القصر العالي” وغيرهما من حكايات ديك التي نقلت إلى الشاشة، شيء و”يوبيك” شيء آخر تماماً.
تاريخ مسبق للراتب
غير أننا للتحدث عن تلك الرواية الاستثنائية قد يكون من الأفضل أن ننطلق من سطر يرد في رواية أخرى مبكرة لديك هي “الرب الآتي من سانتور” (1965)، ففي واحد من فصول هذه الرواية تقول إحدى الشخصيات متذكرة “يا لفظاعة هذا الحر الخانق! إنه يتفاقم كما تستشري الرطوبة. إن الطبيعة تواصل مسيرتها التي لا راد عنها نحو هذا النوع من الاختناق… ولكن نحو أية غاية تراها تسير؟”. لقد عبر قلم ديك عن هذه الشكوى قبل ما يقل عن ثلث قرن من استشراء الاحتباس الحراري وارتفاع سخونة الكوكب الذي نعيش عليه. ارتفاعاً أدى، بفعل عطل في عملية التبريد العامة، إلى تحول أسطوانات الفينيل التي تجمعها تلك الشخصية إلى سائل لزج. في ذلك الحين يقيناً أن ما من أحد غير فيليب ك. ديك كان يمكنه أن يتحدث عن الارتفاع المدهش في حرارة الجو!
وما رواية “يوبيك” سوى نص يحمل تلك الأبعاد الاستباقية نفسها. وعلى رغم أنه ليس من الممكن، بل حتى من المنطقي تلخيص رواية “يوبيك” بصورة واضحة. فهي في الحقيقة رواية تختلط فيها المواضيع والشخصيات وتتراكم القلبات المسرحية بصورة مدهشة، وتستبق الأزمنة بصورة أكثر مدعاة للدهشة مما يفعل استخدام الكاتب لجنون التعاطي مع دمية باربي انطلاقاً مما رصده يوماً من جنون ابنته بالدمية فتساءل: وماذا بعد ذلك الجنون؟ أو كتابته في نص آخر عما سماه “الواقع الافتراضي” قبل أعوام من انتشار ذلك الواقع على كل شفة ولسان، أو حتى انطلاقه من لوحة إعلانية كان ضوؤها الباهر يزعجه بجوار بيته في كاليفورنيا، ليكتب رواية موضوعها عالم الإعلان، لكنها أحداثها تدور في زمن مقبل تنتشر فيه الإعلانات المصورة المتحركة في كل زاوية وزقاق وواجهة!
عالم الشركات العملاقة
ويعيدنا هذا كله إلى “يوبيك”. هذه الرواية التي تنطلق، وبأكثر مما يفعل أي نص آخر لفيليب ديك، وباكراً منذ ظهورها عام 1969، من تلك الرؤى الخاصة بالكاتب التي جعلته يسبق عصره على الدوام.
وحسبنا هنا أن نذكر، إضافة إلى ما جاء في السطور السابقة، تنبؤه بالشركات العملاقة في نص يتنبأ بعالم تتحكم به الشركات العملاقة وتختلط فيه التكنولوجيا بالوعي الإنساني، ويصبح الإنسان عاجزاً عن معرفة ما إذا كانت تجربته حقيقية أم مصطنعة. وهذا كله نجده، بالطبع في “يوبيك” التي وجد فيها كثر من الباحثين إرهاصاً مبكراً بمجيء عصر الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي والرقابة الرقمية.
ويقيناً أن “يوبيك” تبدو كمثال أكمل على كل تلك التطورات في انطلاقها من جديد مستقبلي يقوم فيه البشر، هذه المرة بالتواصل مع موتاهم عبر حال تسمى “الحياة النصفية” المتواكبة مع انتشار قدرات ذهنية خارقة تجعل الصراع بين الشركات قائماً على توظيف أصحاب القدرة في ذلك الشأن أو مقاومته. غير أن الحركة تبدأ بالانهيار بعد انفجار غامض يؤدي إلى سلسلة من التحولات غير المفهومة، إذ يبدأ الزمن بالتراجع إلى الوراء، وتتحول الأشياء الجديدة إلى نسخ قديمة ويبدو العالم كله وكأنه يفقد تماسكه تدريجاً.
ووسط هذا الانهيار ومن طريق شخصيات تنتمي إلى عوالم أقل حجماً وأهمية بكثير، لكنها تبدو في نهاية الأمر مجرد تشبيهات كما الحال في معظم أدب ديك، حيث يظهر يوبيك بوصفه مادة غامضة أو قوة شبه عجائبية تستطيع مقاومة التفكك واستعادة النظام، إنما دون أن يوفر لنا الكاتب تفسيراً لعملها أو ماهيتها، بل يجعلها مجرد رمز مفتوح يمكن قراءته بوصفه الحقيقة المطلقة أو الإيمان أو الوعي أو حتى الرحمة. وللقارئ هنا أن يختار فيما يقرأ برعب هذه الرواية التي تركت أثراً بالغاً في الأدب والفلسفة المعاصرة ولا تزال، على رغم كل المحاولات تنتظر أن تترك أثراً حقيقياً عبر فيلم سينمائي كبير.
