
فيلم “ماسك” الوثائقي يثير سجالاً في مهرجان البندقية (ملف الفيلم)
هوفيك حبشيان… اندبندنت عربية
ملخص
ليس في الأمر ما هو جديد أو استثنائي. فمهرجان البندقية، الذي تنطلق دورته الثالثة والثمانون هذا المساء (2 ـ 12 سبتمبر/ أيلول)، وهو أقدم مهرجانات السينما الكبرى، لم يعرف في تاريخه طبعة خالية من السياسة.
السياسة، في معناها البسيط والعاقل، انعكاس لكل ما نعيشه، سواء جاءت إلى مهرجان البندقية من الشارع، أم من الأفلام نفسها، أم من طروحات السينمائيين ومواقفهم داخل الأعمال المختارة، ودائماً ما شهدت الأيام الأخيرة من التظاهرة الإيطالية تحركات شعبية واحتجاجات.
ففي إحدى الدورات، كان الاعتراض على أحد أفلام المشاكس الدائم ماركو بيللوكيو، فيما شهد العام الماضي تظاهرة منددة بالعدوان على غزة. ولعل من هم أكبر منا سناً وأكثر تجربة، لا ينسون كيف تحركت السلطات الأمنية لحماية عرض فيلم “تشونغ كو، تشينا” لميكلانجلو أنتونيوني عام 1974، بعدما أثار غضب الحكومة الصينية وواجه اعتراضات من مجموعات ماوية إيطالية اعتبرته عملاً استفزازياً يشوه الصين الثورية.
هذه واحدة من عشرات الوقائع التي تذكر بأن “موسترا” البندقية لم تكن، عبر تاريخها، مجرد فضاء محايد لعرض الأفلام، وإنما كانت في أحايين كثيرة ساحة فعلية للصدام السياسي والإيديولوجي، ومكاناً تتقاطع فيه السينما مع أسئلة عصرها وصراعاته. في الليدو، إذ يفترض أن تتقدم السينما على كل شيء، ما دامت وجدت القضايا العامة طريقها إلى السجادة الحمراء، وأحياناً إلى ما هو أبعد منها. التظاهرات، البيانات، المقاطعات، الشعارات، مواقف الفنانين، هذا كله أصبح جزءاً من تقاليد المهرجان، بقدر ما أصبحت النجوم والجوائز والصور الفوتوغرافية جزءاً من طقوسها.
في الدورة التي نستعد لها، لا يبدو أن المهرجان سيخرج عن هذا التقليد. فلسطين حاضرة في الخلفية المباشرة للمهرجان، مع عريضة جديدة أطلقتها مجموعة “فينيسيا من أجل فلسطين”، تطالب باتخاذ إجراءات ملموسة، وبمزيد من الشفافية داخل الصناعة السينمائية، وبإعادة النظر في العلاقات مع المؤسسات المرتبطة بالحكومة الإسرائيلية، وقد وقع عليها سينمائيون وكتاب وفنانون. أما على الشاشة، فأفلام من الطرفين، ولو أن الجهة “المعتدية” تأتي بخطاب إنساني تحاول الفهم.
السياسة والنفوذ
غير أن السياسة في البندقية لا تفرز فقط جراء الصراع الدائر في الشرق الأوسط، ثمة سياسة أخرى أكثر التصاقاً باللحظة الراهنة: سياسة التكنولوجيا والمال والنفوذ. ولعل حضور إيلون ماسك في الدورة الجديدة، وإن كان عبر الشاشة، أكثر دلالة من حضور كثير من السياسيين خارجها. فـ”ماسك”، الوثائقي الطويل للمخرج الأميركي أليكس غيبني، لا يكتفي بسيرة أحد أغنى رجال العالم، لا بل يدخل إلى المنطقة التي تلتقي فيها التكنولوجيا مع السلطة والإعلام والسياسة. ماسك لم يعد مجرد رجل أعمال يدير تسلا وسبايس إكس و”إكس”، فهو صار شخصية سياسية وإعلامية قائمة في ذاتها، قادراً على التأثير في النقاش العام وعلى الاقتراب من مراكز القرار، مما يجعل قصته مادة سينمائية عن زمن تتراجع فيه الحدود بين الملياردير وصاحب المنصة والفاعل السياسي.
والمفارقة أن هذا الفيلم يأتي في مهرجان تطرح فيه، على مستوى أوسع، مسألة مصير السينما نفسها أمام الثورة التكنولوجية. ألبرتو باربيرا، المدير الفني للبندقية، يرى أن السينما تواجه اليوم تحولات ربما تكون أعمق من الانتقال من الصامت إلى الناطق، ومن الفيلم التقليدي إلى الرقمي، خصوصاً مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى قلب عملية الإنتاج السينمائي، بما تحمله من إمكانات هائلة ومخاوف لا تقل عنها. لا يزال استخدامه محدوداً نسبياً، في رأيه، لكن لا شك في أن تأثيره سيتسع، وقد يفتح أمام سينما المؤلف فضاء إبداعياً لم تختبر حدوده بعد.
بهذا المعنى، يبدو المهرجان هذا العام عند تقاطعات كثيرة: أزمة عالمية سياسية وأخلاقية، وأزمة علاقة التكنولوجيا بالسلطة، وأزمة صناعة سينمائية بدأت هوليوود نفسها تتراجع عن تمويل بعض الأفلام التي كانت في الماضي تشكل جزءاً أساسياً من بريق المهرجانات الأوروبية، ولعل الحضور الأميركي الخجول في المسابقة خير تعبير عن هذا التحول. أفلام أميركية موجودة، بالتأكيد، لكن الاستعراض الهوليوودي الكبير الذي اعتادت البندقية استقباله لم يعد مضموناً. النجوم أقل، الاستوديوهات أقل، والمهرجان يبدو أكثر اعتماداً على السينما كفن.
طوال أيام المهرجان، سنشاهد 21 فيلماً في المسابقة، ضمن برنامج أوروبي الكثافة، مع حضور إيطالي وفرنسي لافت، إلى جانب أسماء آسيوية ولاتينية وشرق أوسطية. الألماني فرنر هرتزوغ، عميد المسابقة، يعود للسينما الروائية بـ”باكينغ فاستارد”، فيما يعود ناني موريتي للبندقية بعد عقود من الغياب. مارتن ماكدونا، كايسي أفلك، شينيا تسوكاموتو، هيروكازو كوريه إيدا، لي تشانغ دونغ، داني بويل (فيلمه “حبر” يفتتح الدورة)، وأسماء أخرى تجعل المسابقة مساحة لاختبار أجيال وأساليب مختلفة، من الفيلم الحميم إلى ذاك الذي يحمل هموماً اجتماعية، ومن السرد الكلاسيكي إلى التجريب.
خارج المسابقة، تتسع الخريطة أكثر مع أسماء كبيرة في السينما الوثائقية، في وقت يبدو فيه هذا النوع أكثر قدرة من الفيلم الروائي على التقاط عالم يتغير بسرعة مذهلة. وفي مقابل ذلك، تفرض مسألة تمثيل النساء نفسها من جديد. من أصل 21 فيلماً في المسابقة، هناك فيلمان فقط أخرجتهما نساء، أحدهما “نازا” المشترك بين راشيل زور ويوفال أبراهام، والآخر “امرأة مجهولة” للمصرية الدانماركية ماي الطوخي، وهي أيضاً المخرجة العربية الوحيدة داخل المسابقة. رقم يصعب تجاهله، حتى لو كان باربيرا قد رد بأن أقل من ربع الأفلام التي وصلت إلى لجنة الاختيار كانت من إخراج نساء، وأن المسألة، في نظره، مرتبطة بما شاهده من مستوى فني لا بحصة عددية. في أية حال، تم تعويض ذلك النقص النسائي، من خلال إسناد رئاسة لجنة التحكيم إلى الممثلة والمخرجة الأميركية ماغي غيلنهال.
ماذا عن السينما العربية؟ لها حضور محدود داخل الأقسام الموازية عبر أفلام لبنانية وفلسطينية ومصرية وتونسية. وهكذا تبدأ الدورة الـ83 هذا المساء، دورة سيكرم فيها جورج كلوني وإيلين برستين، على أمل أن تدافع السينما، وسط المهاترات الكثيرة وسوء الظن والنقاشات المؤدلجة، عن حقها في أن ترى العالم بلغتها، بجماليتها، وسعيها إلى تعرية الواقع.