ملخص
يتسع القلق من أخطار الذكاء الاصطناعي على الوظائف والأمن والمجتمع، فيما يرى خبراء بارزون أن الحكومات لا تملك حتى الآن خطة جدية للتعامل مع التحول المتسارع الذي تفرضه هذه التكنولوجيا. وفي مقابل تحذيرات بيل غيتس وديميس هاسابيس، ينشغل القادة بقضايا أقل إلحاحاً ويتباطأ التعاون الدولي تحت ضغط المصالح الاقتصادية ونفوذ الشركات الكبرى، في مشهد يعيد إلى الأذهان التقاعس نفسه الذي رافق أزمة المناخ.
يكتسي المشهد السياسي لدينا اليوم طابعاً سريالياً.
هذا الأسبوع، حذر بيل غيتس من الأخطار التي ينطوي عليها الذكاء الاصطناعي. وعلى ماذا اختار رئيس الوزراء البريطاني أن يركز؟ على المقاولين المحتالين الذين يقول إنهم يدمرون حياة الناس. يا آندي، كن واقعياً: فالذكاء الاصطناعي إذا ترك بلا ضوابط سيسبب أضراراً أكبر بكثير، بل إنه يفعل ذلك بالفعل، من أي مقاول غشاش يركب الكسوة الحجرية.
وإنصافاً لآندي بيرنهام، فالحكام الآخرون لا يختلفون عنه كثيراً. فمن شبه المستحيل، مثلاً، انتزاع كلام جاد وذي معنى من دونالد ترمب في شأن مشكلات العالم. لكن النتيجة مشهد غريب ومقلق: الناس العاديون يجتمعون ويتناقشون في القضايا التي تثير مخاوفهم، ووسائل الإعلام تتناولها، فيما يتعمد قادتهم تجنب تلك القضايا أو التقليل من شأنها.
وتتكرر العبارات نفسها على مسامعنا: نحن نسير نحو الهاوية، ونلهو بينما روما تحترق. أما من هم في مواقع القيادة، فلا يبدون سوى لامبالاة جماعية.
لا سياسي مستعد لمواجهة المشكلة مباشرة، ولا أحد راغب في تحمل مسؤولية اتخاذ موقف حاسم. وكأن القيادة نفسها قد غابت، فيما لا يبدو أن التعويل على مؤسسات جماعية مثل الأمم المتحدة سيقدم لنا حلولاً جاهزة.
كتب غيتس: “أعتقد أن الإجابة عن هذه الأسئلة والتحرك بناء على تلك الإجابات يجب أن يكونا على رأس أولويات العالم، وإذا اتخذ العالم الخطوات الصحيحة، فسيصبح الذكاء الاصطناعي قوة للخير تجعل الجميع في حال أفضل”.
وأضاف: “لكننا، للأسف، لا نستعد لذلك في الوقت الراهن. ولا أرى ما يدل على أن القادة والخبراء والمجتمعات يتعاملون مع هذه التحديات على النحو المطلوب، إذ لا توجد خطة تيسر دخولنا عصر الذكاء الاصطناعي”.
وهذه خلاصة رجل أمضى حياته في التخطيط والتفكير والحساب: لا توجد خطة.
وكان أحد الردود على كلامه مهاجمة غيتس نفسه، فها هو الرجل بالغ الثراء، الذي جمع ثروته الهائلة من “مايكروسوفت” ومن المساهمة في تطوير الأنظمة التي قد تنقلب علينا في النهاية. وكأنه، بذلك، يعض اليد التي أطعمته.
لكن ذلك ليس سوى مهاجمة حامل الرسالة، وهو الملاذ التقليدي لمن يجد نفسه محاصراً بالحجج. فالهدف يصبح التقليل من شأن صاحب التحذير والنيل منه، بدلاً من مواجهة القضية التي يحذر منها. ومهما بلغت ثروة غيتس، وأياً يكن ما فعله، فلا ينبغي أن يصرف ذلك الانتباه عن جوهر حجته، بل إن التأثير الهائل الذي حققته “مايكروسوفت” ونجاحها يمنحانه خبرة ومكانة تجعلان لكلامه وزناً أكبر. وغيتس بالذات، وهو يتحدث من قلب العالم الرقمي، يستحق أن يستمع إليه وأن تؤخذ تحذيراته بجدية.
وليس وحده من يطلق هذه التحذيرات، فقد دعا السير ديميس هاسابيس، العالم البريطاني الحائز جائزة نوبل وأحد رواد الذكاء الاصطناعي، الحكومات مراراً إلى التحرك. وكان آخر تحذيراته، الشهر الماضي، شديد الإلحاح: “الوقت يداهمنا، وقد تأخرنا كثيراً. لقد رأينا الخطر السيبراني، وهناك تهديدات أخطر بكثير في الطريق. لا بد من فعل شيء، وهذا هو الوقت المناسب”.
فهل دعي هاسابيس إلى “داونينغ ستريت”، أو إلى ما يمكن تسميته مقر رئاسة الوزراء في الشمال، لمناقشة مخاوفه؟ لا. وهل سارع بيرنهام أو أي من وزرائه إلى التحرك؟ لا أيضاً.
وغيتس وهاسابيس ليسا وحدهما، فهناك آخرون كثيرون، يتمتع عدد كبير منهم بالخبرة التي تخولهم معرفة ما يتحدثون عنه. أجراس الإنذار تقرع من داخل القطاع نفسه، لكن الاستجابة في الخارج لا تزال محدودة، ولا تقترب بأية حال من مستوى الطوارئ التي يحذرون منها.
صحيح أن هناك محاولات لجمع الدول والتوصل إلى تحرك مشترك، لكنها تسير ببطء شديد، وتعطلها المصالح الراسخة واختلاف الأولويات والشكوك المتبادلة. وحين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي، وإن كان الأمر نفسه ينطبق بسهولة على تغير المناخ، فإن للمال كلمته وللشركات الكبرى نفوذها.
فالرؤساء ورؤساء الحكومات الذين نتطلع إليهم آملين أن يتحركوا سريعاً لكبح تقدم الذكاء الاصطناعي وضمان استخدامه لمصلحة البشرية لا لتدميرها، منشغلون بالتودد إلى أباطرة هذه الصناعة. وكما يحدث مع الاحترار العالمي، إذ لا تزال شركات الوقود الأحفوري تتمتع بنفوذ مفرط وخطر، لا يتحقق تقدم حقيقي، أو في الأقل ليس بالسرعة المطلوبة.
وهكذا يترك لنا أن نتدبر أمرنا قدر استطاعتنا، وفي حالة الذكاء الاصطناعي، يعني ذلك محاولة التعايش مع القلق المتزايد حيال ما قد تطلقه هذه التكنولوجيا من أخطار، وكيف يمكن أن تنحرف، أو تقع في الأيدي الخطأ وتتحول إلى سلاح، فضلاً عن تأثيرها في الوظائف ومستوى الرفاه مستقبلاً.
هذا الأسبوع شهد أيضاً صدور تقرير يفيد بأن شركات الاستشارات تطلب من موظفيها المبتدئين العودة للمكاتب بعد العمل من بعد، وجاء فيه: “قرر المسؤولون التنفيذيون في شركات الاستشارات أن عليهم مساعدة موظفيهم الأصغر سناً على تطوير مهارات التعامل مع الآخرين، التي يعتقدون أنها ستصبح أكثر قيمة في عصر الذكاء الاصطناعي”. وقد تلقف بعضهم ذلك باعتباره مؤشراً إيجابياً من نوع ما، إذ يبدو أن الشركات ربما لا تزال ترى قيمة في توظيف البشر، بعد كل شيء.
أما صحيفة “فايننشال تايمز”، التي نشرت الخبر، فاختتمته بسخرية سوداء قائلة: “وفي ظل اتساع عمليات التسريح وتراجع التوظيف، ربما يكون اضطرار المستشارين المبتدئين إلى لعب البادل مع مديرهم أهون ما قد يواجهونه بسبب الذكاء الاصطناعي”.
أما غيتس فكان أكثر تشاؤماً، إذ كتب أن “وظائف كثيرة ستختفي إلى الأبد”، لكنه رأى أن في إمكان صانعي السياسات “حجز بعض الأعمال للبشر وحدهم”، بهدف حماية “من لا يستطيعون الانتقال بسهولة إلى وظائف أخرى”.
وأضاف: “تعجبني عبارة ’مخصص للبشر‘ لأنها تذكرني بالمحميات الطبيعية، أي الأماكن التي نستطيع أن نشيد فيها مباني ونشق طرقاً، لكننا نختار ألا نفعل لأن الخسارة ستكون أكبر من أن تحتمل”.
وهنا بيت القصيد: لا يبدو أن أمامنا سوى أن نهز رؤوسنا، ونضحك، ونبتسم على مضض ونتحمل، ونحافظ على هدوئنا ونواصل حياتنا. أما في هذه الأثناء، فليحذر المقاولون المحتالون!
© The Independent
