ملخص
تدفع الشكوك في استمرار المظلة النووية الأميركية بريطانيا وألمانيا إلى بحث ترتيبات ردع أوروبية أوسع، قد تمنح القارة قدرة أكبر على حماية نفسها إذا تراجع الدور الأميركي في “الناتو”. ويفتح المشروع أسئلة شائكة حول ملكية السلاح النووي وقرار استخدامه ودور ألمانيا وفرنسا، لكنه قد يشكل أيضاً خطوة رمزية وعملية نحو استقلال أوروبي دفاعي أكبر.
إذن، هذا هو مآل “بريكست”. فبدلاً من أن تنفك المملكة المتحدة من ارتباطاتها الأوروبية وتمضي نحو بناء علاقة جديدة، أكثر تقارباً وخصوصية، مع الولايات المتحدة، بات العاملون في دوائر الدفاع يتساءلون عما سنفعله لحماية أنفسنا إذا انسحبت أميركا من حلف شمال الأطلسي، أو بالأحرى حين تنسحب.
وبصورة أكثر تحديداً، ماذا سنفعل من دون المظلة النووية الأميركية الشهيرة، ذلك الرادع الأساسي في مواجهة العدوان الروسي والسوفياتي، الذي أسهم في حفظ السلام في الجزء الغربي من قارتنا طوال ما يقارب 80 عاماً؟
ووفق تقارير، تجري بريطانيا، في وقت تبدو فيه روسيا عازمة على اختبار مدى صلابة دول “الناتو”، محادثات مع ألمانيا في شأن مساهمة برلين في تمويل برنامج الردع النووي البريطاني “ترايدنت”، ضمن مساع لإقامة منظومة دفاعية تشمل أوروبا بأكملها. فكيف ستتلقى واشنطن وموسكو ذلك؟
على رغم أن المفاوضات تجري بعيداً من الأضواء وملامح المشروع لا تزال غير واضحة، بل إن المقترح البريطاني – الألماني لإنشاء مظلة نووية أوروبية جديدة لا يعدو، في أفضل الأحوال، كونه أقرب إلى “مظلة شمسية” منه إلى مظلة نووية متكاملة، فإن مجرد دخول بريطانيا وفرنسا وألمانيا في محادثات من هذا النوع يدعو إلى شيء من الارتياح.
فنحن نعرف بالفعل مدى عداء إدارة ترمب للاتحاد الأوروبي، وتشكيكها في كلفة “الناتو” وجدواه، وإعجابها بفلاديمير بوتين وتعاطفها معه، كما سمعنا آراءها التي عبرت عنها علناً وبازدراء في شأن حكومات أوروبية قالت إنها تنزلق نحو “طمس الهوية الثقافية”. فماذا سيحدث إذا حزم الأميركيون أمتعتهم وغادروا أوروبا؟
ويتحمس الألمان للفكرة لثلاثة أسباب. أولاً، لأنهم أقرب جغرافياً إلى روسيا من البريطانيين. وثانياً، لأن فرنسا لم تضع تقليدياً قوة ردعها النووي المستقلة تحت تصرف “الناتو”، وقد تواصل الاحتفاظ بها حصراً للدفاع عن أمنها. وثالثاً، لأن إيمانويل ماكرون سيغادر السلطة العام المقبل، وقد تقرر مارين لوبان، شأنها شأن ترمب، أن بوتين صديق لها وأن الألمان يبالغون في قلقهم من الشرق.
ولوبان، بطبيعة الحال، أشد تشككاً في الاتحاد الأوروبي من المستشار فريدريش ميرز، وهذا أقل ما يمكن قوله. وللمرة الأولى منذ توقيع معاهدة الإليزيه بين شارل ديغول وكونراد أديناور عام 1963، قد تبدأ هاتان القوتان الأوروبيتان الكبيرتان في التباعد حول قضايا استراتيجية تتعلق بالأمنين الاقتصادي والقومي. وسيشكل فوز لوبان نقطة تحول كبيرة، أما احتمال أن يصل أيضاً إلى السلطة نايجل فاراج، المعروف بتعاطفه مع روسيا، وأليس فايدل، الزعيمة المشاركة لحزب “البديل من أجل ألمانيا” اليميني المتشدد، فمن الصعب حتى التفكير في تبعاته. لكن ذلك كابوس يصلح لمقال آخر.
لذلك، تتطلع ألمانيا في ظل حكم الديمقراطيين المسيحيين إلى بريطانيا وبرنامجها النووي “ترايدنت”. صحيح أن قوة الردع البريطانية متواضعة جداً مقارنة بالترسانة الأميركية، وتعتمد هي نفسها على تكنولوجيا الصواريخ الأميركية، لكنها تبقى خياراً متاحاً لألمانيا إذا لم ترغب، لأسباب قانونية وثقافية وتاريخية، في تطوير قوة ردع نووية خاصة بها، بما يتعارض مع اتفاقات عدم الانتشار النووي.
أما البريطانيون، فيرحبون بمساهمة ألمانيا في برنامج “ترايدنت” لأن المال شحيح لديهم. فألمانيا تستطيع توفير التمويل والخبرات الهندسية والقدرات الصناعية، بينما تملك بريطانيا خبرة طويلة ومعرفة واسعة في هذا المجال، لا في الجانب التقني فحسب، بل أيضاً في نظرية الردع النووي وكيفية تطبيقه. ومن بين ما تعلمته بريطانيا أن قوة من الغواصات المزودة بصواريخ عابرة للقارات تحمل رؤوساً نووية قد تكون، على رغم ضخامتها، محدودة الجدوى في كثير من الحروب، كما حدث في جزر فوكلاند وأفغانستان والعراق، وكما هي الحال الآن مع إيران.
ومن هنا تبرز الأسئلة الأساسية: من يملك القنبلة؟ ومن الذي يُفترض أن تحميه هذه القوة النووية؟ ومن يملك قرار استخدامها؟
وخلافاً لقوة الردع الفرنسية، فإن القوة النووية البريطانية مخصصة بالفعل للاستخدام في إطار “الناتو”، ويمكن أن تبقى متاحة ضمن ترتيب مماثل حتى في مرحلة ما بعد الحلف. لكن القرار النظري بقصف موسكو لا يزال، في الوضع الحالي، بيد لندن، بصرف النظر عن أحكام معاهدة شمال الأطلسي. ويظل ذلك صحيحاً حتى لو جاء مثل هذا الهجوم، نظرياً، رداً على قصف روسي لبرلين.
وبعبارة أخرى، يبقى السؤال مفتوحاً حول مقدار الدور الذي سيرغب الألمان في الحصول عليه في قرار استخدام الأسلحة النووية، أو الأهم من ذلك، في قرار التهديد باستخدامها. فهل يمكن للمستشار ميرز أن يضغط الزر الأحمر من تلقاء نفسه؟ ثم لا بد من السؤال عن موقف الولايات المتحدة من كل ذلك، في وقت تعتمد فيه قوة الردع البريطانية “المستقلة” على التكنولوجيا والصيانة الأميركيتين.
وهل سيرغب البيت الأبيض في إغضاب بوتين بالسماح للألمان، عملياً، بالوصول إلى قوة الردع البريطانية وربما المشاركة في استخدامها؟ فمثل هذا السيناريو يحمل، فضلاً عن كل شيء آخر، إرثاً تاريخياً ثقيلاً.
وبالحديث عن التاريخ، فإن الألمان هم، في نهاية المطاف، من طوروا هذه الصواريخ بعيدة المدى، وفي مقدمها صاروخ “في 2” V2 الأسرع من الصوت السيئ السمعة، في أواخر حرب أوروبية سابقة نفضل جميعاً ألا نتذكرها. وربما يكون الطريق الأفضل اليوم هو جمع خبرات الدول الأوروبية، والتشارك في قدر من السيادة، وبناء قوة ردع نووي هائلة ترفع فوقها، باستعارة عبارة قديمة لإرنست بيفين، راية أوروبية إلى جانب العلم البريطاني.
وقد تصبح “القنبلة النووية الأوروبية” أقوى رمز للوحدة الأوروبية على الإطلاق، إذ تحتمي الدول الأوروبية جميعها بمظلتها. ومن شأنها أن تثير استياء الأميركيين، وتخيف الروس، وتمنح المصالح الأوروبية المشتركة مضموناً عملياً وتجسيداً ملموساً.
لقد تجاوزنا منذ زمن بعيد خمسينيات القرن الماضي، حين كانت فكرة إعادة تسليح ألمانيا مرفوضة بشدة، وكان السماح لألمانيا الغربية بالانضمام إلى “الناتو” قراراً مثيراً لجدل واسع. وحتى عام 1989، ظل بعض القادة، وفي مقدمهم مارغريت تاتشر، يخشون تداعيات إعادة توحيد ألمانيا.
لكن ألمانيا اليوم شريك موثوق به، وأوروبا التي تشكل ألمانيا قلبها باتت أكثر قدرة من أي وقت مضى على تولي مسؤولية الدفاع عن نفسها. ولعل في المشروع الأوروبي، في نهاية المطاف، ما يبرره.
© The Independent
