“إنها واحدة من الكاتبات القلائل اللاتي يكتبن باللغة الإنكليزية، اللاتي أقرأ أي شيء يكتبنه. وإذا كانت هناك مجلة تتضمن شيئًا لها، فإنني أشتريها تلقائيًا” – هكذا وصفت الكاتبة الأميركية الراحلة سوزان سونتاغ الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون، الفائزة بجائزة نوبل للآداب هذا العام (2026)، عن مجمل أعمالها التي تتنوّع ما بين الشعر والنثر والترجمة، وتمزج بين هذه الفنون ضمن العمل الواحد، وهو الأسلوب الأدبي الذي امتدحته لجنة نوبل في حيثيات منحها الجائزة، معتبرةً أنه خلق أعمالًا مرحة وساخرة؛ لا تتنقل فقط بين الشعر الكلاسيكي والحديث، بل أيضًا بين مختلف الأنواع والأشكال الفنية.
لكن لقاءً صحافيًا قديمًا أجرته الكاتبة الأميركية ميلاني ريهاك مع كارسون بمجلة الـ”نيويورك تايمز” عام 2000 كشف عن أن ذلك التنوّع لم يكن مجرد أسلوبٍ أدبيٍّ، بل أسلوب حياة؛ إذ لاحظت المحاورة أن كارسون قد قامت بطلاء أظافرها بألوان لامعة تتراوح بين الأخضر والأرجواني والأزرق بالتناوب بين الأصابع، فاعتبرت أن “التناغم السلس” الذي يربط بين العناصر المتباينة في أعمالها قد امتد ليشمل حياتها الواقعية، وهو ما أقرته الكاتبة بقولها: “إن الحدود التي يضعها الناس غير ضرورية ولا طائل منها”.
وُلدت كارسون في تورنتو عام 1950، ونشأت في مجموعة من البلدات الصغيرة في أونتاريو، لأبٍ يعمل في بنك وأمٍّ ربة منزل، ولم تكن حياتها سعيدةً كثيرًا، خاصةً في النصف الأول منها، ما اضطرها إلى ترك الدراسة بكلية سانت مايكلز في جامعة تورنتو مرتين، قبل أن تحصل على البكالوريوس عام 1974.
وقد عايشت الصراع الطويل الذي خاضه والدها مع مرض ألزهايمر، في ظل انقطاع شقيقها عن التواصل مع العائلة قرابة اثنين وعشرين عامًا، ولم يعاود الاتصال بكارسون إلا بعد وفاة والدتهما، قبل أن يرحل بعدها بثلاث سنوات عام 2000، وترثيه آن في عملها الشعري الشهير “نوكس – Nox”، الذي، فضلًا عن خصوصية تجربته الشعرية، أخذ شكلًا ماديًا فريدًا، حيث طُبع على ورقة واحدة مطوية مرارًا بحجم صفحة كتاب، ومرتبة داخل صندوق.
تتسم كارسون بالاقتصاد الشديد في مقابلاتها الصحافية، خاصةً عندما يتعلق الأمر بالحديث عن حياتها الشخصية، لكن جزءًا كبيرًا من تاريخها الشخصي ظهر عبر قصيدة طويلة بعنوان “مقال الزجاج” (The Glass Essay) – نُشرت عام 1992 – يجمع أسلوبها بين الشعر الحر وبين مقتطفات من سيرتها الذاتية وقصص عن حياة الشقيقتين شارلوت وإميلي برونتي، اللتين تحضران في النص كشخصيتين موازيتين ومعلقتين على الأحداث.
في هذا النص يتجلى تمامًا تداخل الأنواع الأدبية، ويظهر مأزق التصنيف، لكن آن كارسون كانت شجاعة ومراوغة كفايةً لتسميته بـ”المقال” أو المقال الغنائي، وذلك على الرغم من إدراجه في كتاب شعري.
في عام 1980 مرت كارسون بتجربة طلاق قاسية أنهت زواجًا دام ثماني سنوات، لكنها حصلت على الدكتوراه في العام التالي، ودرّست في جامعة برينستون بين عامي 1980 و1987، وتولت إدارة الدراسات العليا للكلاسيكيات في جامعة ماكغيل، قبل أن تدرّس في عدة جامعات بأميركا الشمالية. وفي تلك الفترة نُشر كتاب كارسون الأول “إيروس الحلو المر” (Eros the Bittersweet) عام 1986، والذي عدّه النقاد الكتاب المؤسس لأعمالها الأدبية اللاحقة، إذ جمعت فيه بين النقد الأدبي والفلسفة واستكشاف الرغبة والكلاسيكيات اليونانية القديمة.
والأخيرة هذه، بالنسبة إلى كارسون، منطقة شغف لا تُضاهى؛ فمنذ تعلمت اليونانية القديمة على يد مدرس اللاتينية في المرحلة الثانوية وهي ملتصقة بها، وربما تكون عبارتها الشهيرة “ولدت في كندا وتدرّس اليونانية القديمة من أجل العيش” تأكيدًا على ذلك، حيث اختزلت فيها سيرتها الذاتية والإبداعية والأكاديمية وجعلتها وحدها بطاقة تعريفها للقارئ طوال هذه السنوات ككاتبة ما بعد حداثية.
ورغم التناقض الذي يجده البعض في وصف كارسون بأنها ما بعد حداثية، نظرًا لمركزية الأدب اليوناني القديم في تكوينها الفكري، إلا أن هذا التناقض الظاهر هو تحديدًا ما يميز كتاباتها؛ فهي تستخدم بعضًا من أبرز تقنيات الأدب ما بعد الحداثي – كالتناص، وتداخل الأنواع الأدبية، والتخلخل الزمني، وتذبذب سلطة السرد – وذلك من أجل تنشيط التجارب والبنى الرمزية الموروثة من العصور القديمة.
وتفسر كارسون هذه العلاقة التي تدفعها باستمرار لإعادة قراءة الأعمال اليونانية القديمة – ما ينعكس بشكل أو بآخر في جميع كتبها – بـ”تشرب لون ما غريب، ثم الاندفاع للخارج على أمل ألا يبهت هذا اللون قبل إنجاز عملك التالي. لكنه يبهت بالفعل، لذا يتحتم عليك العودة مرارًا لتتشربه مجددًا”. لا عجب إذًا في أن يكون “اللون” هو جوهر عملها الأبرز “سيرة ذاتية للأحمر” Autobiography of Red (1998)، الذي يعتمد بشكل كبير على شذرات أدبية يونانية قديمة.
تورد ميلاني ريهاك في مقابلتها معها شيئًا طريفًا عن بداية استلهام كارسون لهذا العمل فتقول: “بينما كانت تبحث عما يمكنها فعله، فتحت أحد الأدراج وعثرت على أنبوبين من الطلاء: أحدهما أصفر والآخر أحمر. ولأنها لم تجد فكرة أخرى لاستخدام هذين اللونين، بدأت برسم البراكين. قادها ذلك بدوره إلى القراءة عن البراكين، مما ألهمها فكرة المشهد الختامي للعمل، حيث يهبط ‘جيريون’ – بطل القصيدة المجنح – طائرًا إلى أعماق بركان”.
| وُلدت كارسون في تورنتو عام 1950 (Getty) |
في حيثياتها وصفت لجنة نوبل “سيرة ذاتية للأحمر: رواية شعرية” بأنه أعظم أعمال كارسون؛ إذ كشف هذا العمل عن قدرتها الفائقة على تجسيد التقاليد الأدبية الكلاسيكية. وفيه تتخذ كارسون، بفهم دقيق للمصطلحات والتجارب المعاصرة، من مقاطع شعرية للشاعر اليوناني ستيسيكوروس، من القرن السادس قبل الميلاد، والتي تتناول الوحش الأحمر المجنح جيريون، نقطة انطلاق لها. فبينما تصف الأسطورة كيف قتل هيراكليس جيريون وسرق ماشيته في أثناء إنجازه أحد أعماله، تُعيد كارسون صياغة صورة العملاق المرعب كبطل رقيق مُخلص لأمه، تعيد عبره الكاتبة طرح السؤال القديم: ماذا يحدث عندما تُحب شخصًا سيدمرك في النهاية؟ عبر الشكل الشعري الملحمي بخصائصه الغنائية الراسخة.
عن هذه القدرة على تشبيك المتناقضات يقول هارولد بلوم، الذي يصف كارسون بأنها “كاتبة الحكمة”: “لا شيء تقريبًا مما قرأته لها كان من المفترض أن ينجح، ومع ذلك فهي تنجح في جعله ناجحًا”.
منذ بدايتها حظيت كارسون بنوع من الشهرة في الأوساط الأدبية غير التقليدية “الأندرجروند” لنحو عقد من الزمان، ثم فازت في عام 1996 بجائزة “لانان” (Lannan) الأدبية. وتلا ذلك فوزها بجائزة “بوشكارت” (Pushcart) في العام التالي، ثم حصلت على زمالة “غوغنهايم” (Guggenheim) عام 1998. وفي العام نفسه، رُشِّح كتابها الرابع “سيرة ذاتية للأحمر: رواية شعرية” (Autobiography of Red: A Novel in Verse) لنيل جائزة “دائرة نقاد الكتاب الوطنية”؛ وقد بيعت منه 25 ألف نسخة، وهو أمر نادر الحدوث بالنسبة إلى كتاب شعري، خاصةً أنه يجمع في بنيته الفريدة بين السرد الحكائي والكتابة الشعرية، هذان الجنسان الأدبيان اللذان تفض الكاتبة ما بينهما من اشتباك بعبارة بليغة وملهمة هي: “إذا كان النثر منزلًا، فالشعر رجل مشتعل يجري فيه بسرعة كبيرة”.
وصفت كارسون الملل ذات مرة بأنه عدوها اللدود، لذلك لا يبدو غريبًا أن يكون أحد أنشطتها المفضلة مراقبة العواصف الثلجية والشغف بالبراكين، وقد جاء في حيثيات وصف نوبل لها أنها في الكتابة تواجه الملل بروح دعابة لاذعة وذكاء حاد. يروي كتابها “جمال الزوج: مقال خيالي في 29 تانغو”، الذي نُشر عام 2001 وفازت عنه الكاتبة بجائزة تي إس إليوت، وكانت أول امرأة فائزة في تاريخ الجائزة، قصة شجار لاذع وساخر مع زوج مخادع، وتفتتح كل حلقة من حلقاته التسع والعشرين بأبيات شعرية للشاعر الرومانسي جون كيتس. تقارن كلمات كيتس الرقيقة عن كون الجمال حقيقة، بأسلوب قاسٍ ولكنه مرح، مع هذه الدراما العاطفية المرهقة.
وفي العام نفسه فازت كارسون بجائزة غريفين للشعر عن كتاب “رجال أوقات الفراغ” الذي جمع بين المقالات الشعرية والقصائد والنقوش التذكارية والنثر عن الفنانين والشخصيات التاريخية، فيما جمع كتابها “التفكك”، وهو عمل نوعي آخر، بين الشعر والمقالات والأوبرا.
أما كتابها “العائم” Float (2016) فقد أخذ شكلًا غير تقليدي لافتًا للنظر، حيث جاء على هيئة غلاف شفاف يحتوي على 22 كتيبًا صغيرًا تُقرأ عشوائيًا بأي ترتيب. كانت معظمها في الأصل مقطوعات أدائية، كما هي الحال في كتابها Wrong Norma (2024)، الذي يعد مزيجًا متنوعًا من النصوص ذات الطابع الأدائي القوي. وهو، بحسب المؤلفة، غير مصمم للقراءة بترتيب محدد، ولا يتدفق بصريًا ومفهوميًا من البداية إلى النهاية، لكن منذ متى كانت كارسون تأبه بمثل هذه الأمور! فهي كما وصفها بيان الجائزة: “طوال مسيرتها الأدبية، تستكشف إمكانيات الكتابة، حيث تتنقل بين مختلف المجالات الفنية والأكاديمية، وتُظهر تعاوناتها مع الفنانين التشكيليين ومصممي الرقصات، ومع مخرجي الأوبرا والمسرح، الحرية التي تتعامل بها مع التوقعات الأدبية وأنظمة القواعد”. وهذا ما يفسر الأهمية البالغة التي حظي بها إبداعها منذ تسعينيات القرن الماضي في المشهد الفني والأدبي العالمي، لتتوج في النهاية بكبرى الجوائز الأدبية العالمية، ويصلها الخبر بينما هي في أيسلندا تراقب الريح، وتأكل البسكويت مع الشاي.