في نيسان/ أبريل 2025، رحل ماريو بارغس يوسا عن الحياة في سن 89 عامًا. وقبلها بسنتين، كان نشر آخر أعماله، رواية “أهديكِ صمتي”، ليختم بها مسيرة أدبية طويلة بدأت منذ خمسينيات القرن العشرين الماضي في بيرو، حيث انتمى حينها إلى ما سُمي بجيل الـ 50، قبل أن ينضم بقوة إلى جيل البوم الذي أحدث انفجارًا في الأدب اللاتيني، وكان يوسا أحد معرّفيه الكبار، وأحد مشروعاته الأدبية الأكثر اكتمالًا، وأحد المشروعات الهامة والمؤثرة في التاريخ الأدبي بالقارة الجنوبية، والعالم في الحقيقة.
لقد تميزت أعمال بارغس يوسا بالتجريب التكنيكي، وهو عنصر أساسي في أعماله وضعه في الصف الأول من الكُتّاب باعتباره مايسترو البناء الروائي، وشغل بفضله دور المجدد البارز في الإمكانيات السردية والأسلوبية. في أعماله “المدينة والكلاب”، “البيت الأخضر”، “حوار في الكاتدرائية”، بدت بقوة وساوسه في البناء، فكان، بجانب طرحه المضموني، بطلًا موازيًا. وعُرِف يوسا، على طول أعماله، بالانشغال بالشأن العام، والالتزام تجاه قضايا أميركا اللاتينية، السياسية منها والاجتماعية، سواء في ثوبه اليساري أو حتى بعد تحوله الأيديولوجي. ومن بين كُتّاب متعددين رفعوا راية الأدب، كان أكثرهم جرأة في كسر التابوهات، انطلاقًا من مبدأ أن بوسع الأدب أن يقول كل شيء، وأن الأدب هو المساحة التي يجب فيها أن يتسع العالم الضيق.
كتب يوسا جلّ إنتاجه الأدبي خارج بيرو، من عواصم العالم المختلفة، خاصة مدريد، حيث بدأت إقامته الدائمة منذ تسعينيات القرن الماضي. مع ذلك، كانت ليما مصدر إلهامه، وكان سؤالها هو سؤاله، ورغم أنه حمل الجنسية الإسبانية قبل سنوات بعيدة من رحيله، فإنه ظل أميركيًا لاتينيًا، بل بيروفيًا بالتحديد. لقد ظل متصلًا بأرضه بزيارات عائلية لم تنقطع على مدار عقود، غير أنه في سنواته الأخيرة قرر أن ينتقل إلى مسقط رأسه، أرض طفولته وصباه. ومن هناك ولدت روايته “أهديكِ صمتي”، ليختم مشروعه الروائي برواية غريبة على هذا المشروع.
رواية أخيرة، سؤال أول
تنطلق رواية “أهديكِ صمتي” من سؤال مؤرق وفرضية لا تقل أرقًا حول الهوية الحقيقية لبيرو. يتلقى ناقد موسيقى اتصالًا هاتفيًا ودعوة لسهرة يكتشف فيها ما وصفه بأجمل عازف جيتار في التاريخ. مهووسًا بالموسيقار، وبعد هذه الليلة، يسعى تونيو أثبيلكويتا، الناقد، إلى التعرف على الموسيقار، لالو مولفينو، ليفاجأ بموته أو انتحاره.
يدور العمل حول موسيقى الفالس وأحد أعظم ملحنيها، لالو مولفينو، أحد معجزات الموسيقى في تاريخ بيرو، وأحد أهم وأبرز ملحني الموسيقى الكريولية. لقد استعان يوسا بملحن خيالي ليستعيد من خلاله أطروحة ترى أن بيرو كبلد متنوع وهجين، من أصول مختلفة، يضم سكانًا أصليين ومهجّنين، بيضًا وسودًا، أوروبيين وقبائل بيروفية، لا يمكن أن تجمعه إلا الموسيقى، وتحديدًا موسيقى الفالس. الموسيقى التي نبعت من أزقة ليما وحواريها، أبدعتها الطبقة الشعبية والفقيرة، لتصل إلى الطبقات العليا والأرستقراطية، فتجمّع حولها الجميع، وتساوت أمامها كل الطبقات.
يمنح الروائي البيروفي الشهير صوته لتونيو أثبيلكويتا ليبحث في تاريخ لالو مولفينو القصير. وفي رحلة تونيو لكتابة سيرة عن مولفينو، يبرز من خلالها موهبته وتاريخه، يكشف لنا يوسا رحلة أخرى تخص تاريخ بيرو، ويغدق تكريمًا على الموسيقى الكريولية وأهم أسمائها، ليرسم خريطة لبلد يعاني من أزمة هوية، ويؤسس لأطروحة الوحدة ليس عبر الدين، ولا اللغة، ولا المشترك التاريخي، بل عبر موسيقى الفالس.
يتخلى يوسا في عمله الأخير عن وساوسه بشأن التجديد السردي والبناء، ينحي جانبًا أسئلته الكبرى حول الديكتاتورية واليسار واليمين، يبتعد عن سؤال الحب والهيمنة والسلطة، ليكتب رواية تقوم على التأريخ الموسيقي. كان على تونيو أثبيلكويتا، الفقير ماديًا، الغني معرفيًا، أن يقترض مبلغًا من صديق حتى يتمّ مهمته برحلة إلى مسقط رأس لالو مولفينو. وهناك سيكتشف المفارقة: لا أحد يعرف لالو، وبعد جهد يتوصل إلى حقيقة أنه كان لقيطًا، عثر عليه كاهن إيطالي يُسمّى مولفينو في أحد مكبات النفايات، فمنحه اسمه.
يطرح يوسا، متتبعًا تاريخ الموسيقار، مفارقة الحياة نفسها: أن يكون ممثل الوحدة المرجوة لقيطًا في الواقع، كأن العودة إلى الهوية الأصلية تلزمه الاعتراف بلُقُوطية هذه الهوية، وإلا صار الصراع مستمرًا بلا نهاية. وبمناسبة التتبع التاريخي لقصة مولفينو، يوهم يوسا ببراعة بمساحات واقعية متعارف عليها عند ذكره لأسماء موسيقيين معروفين، ليدس بينهم اسمًا خياليًا لا أثر له في السجلات. كأنه في عمله الأخير أراد ببساطة أن يكتب سيرة موسيقار كما هي، مزيجًا من المسافة بين الواقع والخيال. هذا الملمح يحتاج إلى التوقف أمامه كثيرًا، إذ كان بوسعه أن ينتقي بطلًا حقيقيًا يمرّر من خلاله أطروحته، لكنه فضّل أن يتحرر من قصص الواقع ومحدوديته.
يختار تونيو أثبيلكويتا، ذو اللقب الإيطالي، مثله مثل الكاهن ومثل لالو نفسه، عنوان “لالو مولفينو والثورة الصامتة”، فيما يختار يوسا عنوان “أهديكِ صمتي”، وهي إحدى أغنيات مولفينو، كعنوان لروايته. يجمع العنوانين هذا النوع من الصمت الذي يميز الموسيقار، صمته المبكر بالموت، وصمته طوال حياته بالانزواء والعزلة. وعلى طول الرواية، يُلِحّ يوسا على هذه الطبيعة المنعزلة لمولفينو، كأنه عرف ذات يوم أنه ابن مكب نفايات، أو على الأقل عرف أن لا مكان له في هذه الحياة. الصمت أيضًا يتصل بيوسا، فبعد سنوات طويلة من الكلام والحدة في الأدب والواقع، قرر في سنواته الأخيرة أن يلتزم الصمت. كأن هذه الرواية أطروحته الأخيرة، أو وصيته لبلده.
يقترح تونيو أثبيلكويتا، في كتابه عن لالو مولفينو، مصطلح “الهواتشافيريا” باعتباره الهوية البيروفية الأصلية. ويعرّف هذا المصطلح بأنه كل ما هو بيروفي: هذه المشاعر الفياضة والمبالغة في التعبير عنها، هذا القلب النابض بالحماس، هذه البساطة في التعبير والقدرة على التأثير من خلالها. هكذا، فالخطبة السياسية مرتفعة الصوت والنبرة، الملأى بالحماس، تُسمّى خطبة هواتشافية؛ هذا الأدب الذي يتناول حياة الناس ويمتلئ بالعواطف، أدب هواتشافي. وبالتالي، فموسيقى الفالس موسيقى هواتشافية، وهي خير تعبير عن الهوية البيروفية.
هذا المصطلح الذي يمرره يوسا على لسان بطله، تونيو أثبيلكويتا، هو ما توصل إليه في نهاية حياته، هو الجواب لسؤاله الذي امتد لأكثر من 60 عامًا من كتابة الأدب. وهو الحل، بالتالي، لكل الصراعات البيروفية. إنه مصطلح يمجّد ما هو أصلي في مقابل ما هو كولونيالي، لأن هذه الأصالة امتصت المستعمر بداخلها وأعادت إنتاجه. ليس غريبًا، في هذا السياق، أن يشير يوسا إلى أثر المسلمين الذين انتقلوا إلى بيرو مع الاستعمار الإسباني، بالذات في البعد الموسيقي، واستخدام الطبلة وإدخالها كآلة موسيقية ساهمت في تطوير الفالس.
اللافت في العمل أن عملية البحث عن لالو مولفينو ستجعل من الموسيقار الغائب أكثر شبحية. سيكون في بؤرة كتاب أثبيلكويتا، بالتأكيد، محاطًا بأسماء أخرى لموسيقيين ومطربين بارزين ساهموا في تحسين صورة بيرو عبر الموسيقى. لكن في نهاية الكتاب سيكون السؤال: من هو لالو مولفينو؟ لتكون الإجابة موهبة كبيرة ماتت مبكرًا، طفلًا لقيطًا ظل طوال حياته القصيرة يخاف ممارسة الجنس خشية أن ينجب طفلًا يعاني مثله الفقد والوحشة. وفي الوقت الذي يدعو فيه يوسا بني وطنه إلى الرجوع إلى الموسيقى كرجوع للأصل، يقوّض، بقلق بالغ، هذه الفرضية، أو ببساطة يشير إلى صعوبة تحقيقها، باختياره موسيقيًّا لقيطًا وبلا نسل ليمثّل هذه الهوية المبتغاة.
تحتاج رواية بارغس يوسا الأخيرة الكثير من التأمل، فبنيتها البسيطة، وانتصاره للحكاية على حساب الشكل، وتخليه عن وسواس التكنيك، لا تعني أننا أمام رواية بسيطة، لأن التعقيد الأكبر في المضمون، في الطرح الذي يرى الفن، بالاتساق مع سيرة حياة يوسا نفسه، هو النجاة، هو التعريف الأصلب للهوية، إذ هو روح الأوطان ورائحة الأرض، حتى لو كان الوصول إلى هذا المفهوم شديد الصعوبة تحقيقه في الواقع.
لقد تخلى يوسا عن كل الأساليب التي اتبعها في الكتابة على مدار 60 عامًا تقريبًا، بل وتخلى عن نصائحه إلى روائي شاب، وعن أطروحاته حول الخيال في العمل السردي، ليكتب رواية أشبه بالتاريخية والسيرية، حتى لو كان بطلها محض خيال.