كاتب تونسي
ما أهمية أن نعود إلى التاريخ الهامشي، ذلك الذي لم يكتبه المؤرخون لهامشيّته؟ ما أهميّة معرفة روايات النّاس “العاديّين” عن حقب عاشوها وشخصيات عايشوها؟ ربما لاستثارة زوايا غير مطروقة من قبل في ما كتبه المؤرخون بصرامة، أو بانحياز.
طرأت عندي هذه الأسئلة والإجابة وأنا أصغي إلى محمد الرجيشي (المشهور باسم “قرنْبع” في محافظة المنستير مدينة الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة)، وهو يروي علاقته عن قرب ببورقيبة، بذاكرة لا تُفلت أيّ تفصيل، وهو الرجل الذي يجتاز عقده التاسع اليوم، بعين معطوبة وأخرى كانت أشدّ دقة من عشيرة أعين.
الرئيس الإنسان
يتحدث الرجل بروايات شخصيّة عمّا عايشه من فترة محورية من تاريخ تونس، سواء تأسيس الجمهورية الأولى، أو ما بعد إزاحة بورقيبة من الرئاسة وإيداعه في عزلته في مدينة المنستير، يتحدث عن قرب عن مراحل هامة عايشها مع الرئيس الإنسان.
◄ القسوة التي كان يعامل بها الرئيس ابنه تحتاج إلى درس أعمق في الأسباب يتجاوز سرد الوقائع إلى التفكيك
ما فائدة استعادة الحبيب بورقيبة الذي يمجده محبوه صباحًا مساءً، بينما الواقع غير الأمس؟ سؤال قد يطرحه البعض بحسن نيّة أو في كراهية لشخصيّة الرجل. بعيدًا عن التأليه أو الكراهية، لا يمكننا إنكار أن الحبيب بورقيبة أكثر شخصيّة مؤثرة في تاريخ تونس، بما لها وما عليها. يتفق الجميع على فطنته وذكائه الحاد الذي حوّل تونس إلى جمهورية صاعدة ومؤثرة في التاريخ السياسي العربي والعالمي.
بلد خارج للتو من استقلال ناله بجهود سياسية وتضحيات قاسية أتاها الحبيب بورقيبة وفرحات حشاد وهلم جرا من قادة الحراك الوطني التونسي، من طبقة سياسية لم يكن لها إلا الولاء لتونس دولة جمهورية مستقلة تنويريّة لها إرثها التاريخي العريق، وخصوصيتها الحضارية التي صنعت لها تمايزها عن غيرها من الدول التي غرقت في العسكرة والأيديولوجيات وغيرها.
سياسات الحبيب بورقيبة معروفة وتعبت من كثرة استغلالها، لكن من المهم الرجوع اليوم إلى حياة الرجل في تفاصيله البسيطة، لمعرفة أي عقل تمكن من تجاوز كل تلك الفخاخ والعواصف السياسية لينجو لا بنفسه، وإنما بتونس وشعبها، من شعب يرزح تحت نير الاستعمار إلى شعب متعلم، من شعب قبَلي إلى شعب مواطني، وهو الذي أسّس ما يسمى القوميّة التونسية، في زمن اشتدت فيه النزعات القوميّة العربية التي تخالف منطق التاريخ، وذاك موضوع آخر.
يتحدث العم محمد الرجيشي عن أيام عايش فيها بورقيبة، خاصة أيام عُطله في مدينة المنستير (مسقط رأسه ومثواه الأخير). يناديه إلى اليوم “أبي”، تلك الأبوّة التي يمكن أن تثير جدلًا اليوم، لكن لنأخذها من الجانب الإنساني.
يروي الرجيشي كيف فقد عينه بسبب خطأ من زميلة له أيام العسكريّة، وكيف أرسله بورقيبة إلى باريس للطبيب كوروز دونيون لعلاجه، لكن الأوان كان قد فات. ليكن، عين واحدة قادرة على أن تبكي وهي تروي تاريخًا كان فيه التونسيون مؤمنين بأنفسهم وبدولتهم وبأرضهم وبالبناء.
كان العم محمد يؤدي خدمات بسيطة، يتسوّق للرئيس في عطلته، ولكن لم يمنع ذلك الرئيس من اعتباره ابنًا، يمازحه، ويتحدث أمامه بصفته إنسانًا قبل أن يكون رئيس دولة.
يروي العم محمد سخط بورقيبة على بعض الوزراء، ومتابعته اللصيقة لكل شاردة وواردة، وحتى غضبه على الكثير منهم أحيانًا. يروي كيف استشاط غضبًا عند رؤيته لفيلا الباهي الأدغم الفخمة. رأى في ذلك نوعًا من التفاخر، وصرخ في القصر: “فلستوها البلاد”، حتى إنه رفض أن يتسلّم ابنه الأكبر قرضًا من بنوك الدولة. وبالمناسبة يشير إلى علاقة بورقيبة الصارمة مع ابنه الأكبر الذي يلقب في تونس بـ”بورقيبة جينيور” أي بورقيبة الأصغر، واسمه أيضًا الحبيب.
“بورقيبة جينيور” (1927 – 2009) هو الابن الوحيد للحبيب بورقيبة، من زوجته الأولى الفرنسية ماتيلد أو مفيدة بورقيبة، يروي العم محمد كيف كانت منخرطة كليًا في مشروع زوجها لبناء دولة تونسية تليق بحضاراتها المتعاقبة وبالمعاصرة. لكنه يؤكد أن “الزعيم”، كما يلقب، كان يعامل ابنه بنوع من القسوة والصرامة والمساءلة الدائمة، وهذه علاقة غير معهودة بين حاكم وابنه الوحيد.
ربما تحتاج القسوة التي كان يعامل بها الرئيس ابنه إلى درس أعمق في الأسباب يتجاوز سرد الوقائع إلى تفكيك نفسي لهذه العلاقة، لكن الأكيد أن من أسباب عدم تساهله معه إلى درجة الرقابة، عدم تساهله حتى مع نفسه في حياته الخاصة، لم يكن مسرفا بتاتا، رئيس كان يؤمن فقط ببناء دولة جمهورية وشعب متعلم وتونس أخرى، مؤمنا فقط بجدارته في صناعة أمة لا تقوم على العرق والقبليّة والقرابة واستغلال المناصب وغيرها.
يروي العم محمد أن دار تونس بباريس التي تؤوي الطلبة التونسيين في فرنسا اليوم كانت على ملك أب ماتيلد، زوجة الرئيس الأولى، وهي من ميراث ابنه، لكنه انتزعها منه ليمنحها للدولة التونسية.
يذكر العم محمد تفاصيل طريفة عن “أبيه” الرئيس، مثلًا حبه المطلق للشعر والأغاني التونسية، وحادثة أخرى كيف رفض أن يلبس حذاءً جديدًا اشتراه له القائمون على القصر، لغلاء ثمنه، مطالبًا بإعادة حذائه القديم. كان زاهدًا في المال ومستثمرًا حقيقيًا في أفكاره، وهذا يؤكده أعداؤه قبل عشّاقه. زهد بورقيبة يتأكد بتنازله عن كثير من أملاك عائلته منها منزله لصالح الدولة لإقامة متحف.
روايات من التاريخ
يتذكر العم محمد كيف تعامل بورقيبة مع فيضانات تونس الكبرى عام 1959، في دولة ما تزال خارجة للتو من الاستعمار بتكاليف باهظة في الأرواح والموارد، وكيف استغل علاقاته وفطنته لبعث مشاريع جديدة للإسكان تتجاوز الفوضى. كان يحلم بمدن أكثر تنظيمًا، مدن تتخطى حالة العشوائية والتريّف، مدن أكثر عصرية. وللمفارقة تونس اليوم تعيش حالة مشابهة، بينما تتوجه الدولة إلى إعادة تفعيل خطط الإسكان التي منحت في السابق التونسيين بيوتًا ومدنًا كان يمكنها أن تتطور إلى ما هو أفضل لولا تقلبات التاريخ، وذاك أيضًا موضوع آخر.
أما عن علاقته بصالح بن يوسف، فيروي لنا العم محمد رواية مختلفة كليًا، تؤكد أن العداء بين الرجلين بما يمثلانه من توجهين مختلفين، إذ بن يوسف يمثل المد القومي العروبي، كان من ناحية صالح بن يوسف أيضًا، ويؤكد حسب روايته الشخصية أن بورقيبة لوّح بنيّة للمصالحة، قبل اغتيال بن يوسف في فرانكفورت صيف سنة 1961، ويذكّر بدور عبدالله الورداني المحوري في هذه الحادثة، وهو ملاكم كان مرافقًا لبشير زرق العيون (المتهم الرئيسي باغتيال بن يوسف) في ألمانيا حينها.
رواية أخرى قد تثير الجدل للعم محمد حول شخصية الشادلي قلالة، إذ يذكر أنه كان يرافق الحبيب بورقيبة في زياراته للمنستير، وكأنه حارس شخصيّ، ويذكر أن بورقيبة قرّبه منه بشكل كبير.
العزلة الأخيرة
◄ في سنواته الأخيرة بعد إبعاده عن الحكم كان بورقيبة يرفض نظرة الشفقة رفضا قاطعا ومحافظا على فطنته
يمتدح العم محمد فطنة بورقيبة وذكاءه الحاد للغاية في حواراته، حتى في سنواته الأخيرة، بعد أن خانه الجسد. لم يسكت ذكاؤه في التعامل، يعرف متى يتكلم ومتى يدعي عدم الاهتمام أو الفهم. بينما أيامه الأخيرة في المنستير لها طابع أكثر تراجيدية.
بعد إزاحته من الحكم بتقرير طبي من قبل وزيره زين العابدين بن علي، يذكر العم محمد روايته الشخصية المختلفة كليًّا، يقول إن بورقيبة بعد تنحيته في السابع من نوفمبر 1987 لم يخرج من قصر قرطاج بداية، بل بقي معزولًا فيه لمدة تقارب السنة، قبل إخراجه وعزله العزلة الكبرى في المنستير، وهناك عاش إلى رحيله.
في عزلته في مدينة المنستير لم يكن يزور بورقيبة عدا ابن ابنه الحبيب، واسمه مهدي، والسياسي محمد الصياح ووالي المنستير حينها علاوة على الطبيب الذي كان يتابع حالته الصحيّة.
يذكر العم محمد أن عزلة بورقيبة كانت قاسية بين جدران إقامته وهو في خريف العمر، لم تُفك إلا بعد أن قام برفض زيارة الرئيس الفرنسي جاك شيراك له، وقد أثار ذلك، وفق العم محمد، جدلًا كبيرًا في الصحافة الفرنسية، إلى أن تبيّن أن الرجل معزول كليّا عن العالم الخارجي، وقد سلطت حينها الأضواء على واقع الرجل، الذي لم يكن مسموحا له الخروج إلى الشارع.
ويرى أنّ تسليط الضوء على حال بورقيبة في عزلته دفع الرئيس بن علي حينها لإخراجه في نزهات استعراضية بسيطة في المنستير، تلميعا لصورته لدى الإعلام الفرنسي. ويشير العم محمد إلى أن عائلة بورقيبة تخلت عنه بعد عزله عن الحكم، ولم يكن يزوره من أفرادها سوى حفيده.
هناك حادثة ربما تبدو هامشية يرويها محمد الرجيشي وهي بكاء حلّاق بورقيبة الذي كان يزوره في منعزله القسري في المنستير، بكاء لحال رجل أسس دولة، وكيف آل حاله إلى عزلة باردة وتقدمه في السن، فما كان من بورقيبة إلا أن طرده. كان الرجل يرفض تلك الشفقة والبكائيات، معتدًا بنفسه، وهو يأمر كل من يمارس ذلك بفرنسيته المعهودة “sort”، أي اُخرج.
نحترم رغبة العم محمد في عدم كتابة كل شيء من علاقته بـ”أبيه” بورقيبة، إذ يريد أن تبقى تلك اللحظات الحميمة عنوان أبوّة يحفظها كما يحفظ أشياءه الثمينة، من صور وأرشيف يرفض نشره خشية استغلاله، ونحن في زمن الانحراف بالمعلومة إلى أبعد حد.
العرب اللندنية