لم يكن توقيع أكثر من ثمانين اتفاقية ومذكرة تفاهم بين المملكة العربية السعودية وسوريا، بقيمة إجمالية تتجاوز أربعين مليار ريال سعودي (نحو 10.7 مليار دولار)، مجرد حدث اقتصادي عابر؛ بل هو خطوة مفصلية في إعادة تشكيل التوازنات السياسية والاقتصادية في الشرق الأوسط، بعد عقد من الاضطراب. هذه الشراكة، التي جاءت عقب زيارة وفد سعودي رفيع المستوى إلى دمشق، تتجاوز ضخ الاستثمارات في اقتصاد منهك، لتشكل إعلانا عن مقاربة جديدة: معالجة الأزمات عبر أدوات الاقتصاد وإعادة الإعمار، وإعادة بناء شبكة المصالح العربية على أسس مؤسسية. قرار بهذا الحجم من الرياض يستدعي قراءة متعددة الأبعاد، تاريخية وجيوسياسية واقتصادية، لفهم دوافعه واستشراف تداعياته.
العلاقة بين الرياض ودمشق تاريخيّا اتسمت بالتقلب، بين تقارب ظرفي وتنافس أيديولوجي. منذ تأسيس الدولة السورية الحديثة، ظل التفاعل محكوما بتأثير المد القومي والصراع العربي – الإسرائيلي. في الخمسينات والستينات شكّلت أيديولوجيا البعث القومية مصدر توتر مع النهج المحافظ للمملكة. ومع ذلك، التقت المصالح في لحظات حاسمة، مثل حرب أكتوبر 1973، حين كان الدعم المالي السعودي ركنا أساسيّا للجبهة السورية. لاحقا، لعبت سوريا دورا محوريا في لبنان، بينما سعت السعودية إلى دور الوسيط، كما في اتفاق الطائف عام 1989. هذا الإرث المزدوج من التنافس والتكيف الإستراتيجي يشكل الخلفية التي تنطلق منها المرحلة الحالية.
على المستوى السياسي والإقليمي تحمل الشراكة دلالات عميقة، فهي تُمثل من وجهة نظر الرياض جزءا من سياسة خارجية أكثر نشاطا واستباقية تُعرف بـ”الدبلوماسية الاقتصادية” وتهدف إلى تعزيز الاستقرار
القطيعة الكبرى جاءت مع اندلاع الأزمة السورية عام 2011، حين تبنت الرياض موقفا مناهضا للنظام ودعمت المعارضة. لكن التحولات بين 2024 و2026 غيّرت المشهد. تشكيل حكومة وفاق وطني بقيادة أحمد الشرع في يناير 2025، انسحاب أميركي وهدوء نسبي من شرق الفرات، وقرار الجامعة العربية بإعادة دمشق إلى عضويتها ورفع العقوبات، كلها عوامل دفعت السعودية إلى إعادة حساباتها. انتقلت الرياض من سياسة إدارة الصراع إلى المشاركة في إعادة البناء، بما ينسجم مع رؤيتها الإقليمية الجديدة التي تفضل الاستقرار والتنمية على المواجهة.
اقتصاديّا، تلتقي مصالح الطرفين عند نقطة إستراتيجية. بالنسبة إلى السعودية، وهي في خضم تنفيذ رؤية 2030، سوريا بالنسبة إليها أكثر من مجرد سوق تضم 18 مليون نسمة. موقعها الجغرافي كبوابة بين آسيا وأوروبا وموانئها على المتوسط يتكاملان مع طموح المملكة لتعزيز دورها اللوجستي العالمي. كما أن احتياطيات سوريا من النفط (المقدرة بأكثر من 2.5 مليار برميل) والغاز الطبيعي (حوالي 8.5 تريليون متر مكعب) وفق تقديرات 2025، توفر فرصاً للاستثمار في قطاع الطاقة الذي تسعى الرياض إلى تطويره وتصدير خبراته. بالنسبة إلى دمشق، إعادة الإعمار تمثل تحديا وجوديّا، إذ تحتاج البلاد إلى ما بين 450 و500 مليار دولار خلال عقدين. بعد سنوات من الاعتماد شبه الكامل على إيران وروسيا، تمنح الشراكة مع السعودية فرصة لتنويع الروابط الاقتصادية وجذب استثمارات تؤمّن العملة الصعبة وتعيد ربط الاقتصاد السوري بشبكات التجارة العالمية.
الاستثمارات المُعلن عنها تغطي قطاعات حيوية ومتنوعة تعكس فهما عميقا لكلا الاقتصادين. ففي قطاع النقل واللوجستيات، يأتي تطوير مطار حلب الدولي بصندوق الاستثمارات العامة السعودي، بكلفة تصل إلى 7 مليارات ريال، كمشروع محوري يهدف إلى تحويله إلى مركز إقليمي للشحن والركاب، يعيد للاقتصاد السوري دوره التاريخي كملتقى للطرق. كما أن تأسيس شركة طيران وطنية سورية جديدة بشراكة سعودية (ناس سوريا)، يهدف إلى استعادة الربط الجوي مع العالم.
الاتفاقيات بين السعودية وسوريا ليست مجرد عقود اقتصادية، بل مشروع سياسي – اقتصادي يعيد اختبار فكرة المصلحة العربية المشتركة في زمن التحولات الكبرى
في مجال الطاقة لا تقتصر الاتفاقيات على استكشاف وإنتاج النفط والغاز، بل تمتد إلى مشاريع مشتركة في مجال الطاقة المتجددة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، حيث تتمتع سوريا بإمكانيات كبيرة. كما تشمل الاتفاقيات استثمارات ضخمة في قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات لتحديث البنية التحتية الرقمية، وفي القطاع الزراعي لاستعادة الأمن الغذائي السوري وتعزيز الصادرات، وفي قطاع التعدين للاستفادة من ثروات الفوسفات والبوتاس الكبيرة. هذا النهج الشمولي يشير إلى أن الهدف ليس تحقيق عائد مالي سريع فحسب، بل المشاركة في إعادة بناء النظام الاقتصادي السوري برمته.
سياسيّا، تمثل هذه الشراكة جزءا من سياسة سعودية أكثر نشاطا تُعرف بـ”الدبلوماسية الاقتصادية”، التي ترى في الاستقرار الإقليمي شرطا للأمن القومي والازدهار. كما أنها محاولة لخلق توازن أمام النفوذين الروسي والإيراني، أو على الأقل لتقليص اعتمادهما الحصري من قبل دمشق. بالنسبة إلى سوريا، الشراكة مع الرياض هي تذكرة العودة الكاملة إلى الحضن العربي، وفرصة لتحسين العلاقات مع الغرب بشكل غير مباشر، وفتح الباب أمام تعاون أوسع مع دول الخليج الأخرى. نجاح هذا النموذج قد يعيد تعريف التعاون العربي من خلال مشاريع التنمية العملية بدلا من الشعارات الأيديولوجية.
لكن الطريق ليس سهلا. الهشاشة الأمنية في مناطق واسعة من سوريا، ضعف المؤسسات الحكومية بعد سنوات الحرب، الملفات السياسية العالقة مثل قضية اللاجئين والمختفين، كلها تحديات قد تعرقل التنفيذ. كما أن نجاح هذه الاستثمارات يتوقف على قدرتها على تحسين حياة المواطن العادي، لا أن تبقى محصورة في النخب والشركات.
في المحصلة، الاتفاقيات بين السعودية وسوريا ليست مجرد عقود اقتصادية، بل مشروع سياسي – اقتصادي يعيد اختبار فكرة المصلحة العربية المشتركة في زمن التحولات الكبرى. نجاحه لن يقاس بحجم الأموال المستثمرة وحدها، بل بقدرته على خلق نموذج للتعافي والاستقرار يلهم المنطقة ويعيد الاعتبار لفكرة التضامن العربي القائم على المنفعة المتبادلة. الرياض ودمشق تخوضان اليوم تجربة جريئة قد تحدد ملامح النظام العربي في القرن الحادي والعشرين.
العرب اللندنية