ملخص
على رغم تراجع بنيامين نتنياهو في استطلاعات الرأي، لا تبدو هزيمته مضمونة. فبينما تتعثر المعارضة في تشكيل بديل، لا يزال زعيم حزب الليكود بارعاً في توظف الأزمات لتعزيز صورته حامياً للإسرائيليين، في وقت تتزايد فيه اللامبالاة الشعبية إزاء التحولات المتطرفة التي تهدد الديمقراطية الإسرائيلية.
أيام قليلة تفصلنا عن أهم انتخابات تشهدها إسرائيل منذ جيل كامل. وبما أنه لا يسمح لمعظم المواطنين التصويت من الخارج، سأنضم إلى ما يقدر بنحو 50 ألف مغترب، وأعود إلى الوطن لأدلي بصوتي.
يخشى كثيرون منا أن يتمكن بنيامين نتنياهو – الرجل الذي حكم إسرائيل بصورة أو بأخرى على مدار 19 عاماً تولى خلالها رئاسة الوزراء خمس مرات فأصبح صاحب أطول مدة في المنصب في تاريخ البلاد – من إيجاد طريقة للبقاء في السلطة، على رغم كل ما يواجهه من معوقات.
وفقاً لاستطلاعات الرأي، يتقدم رئيس أركان جيش الدفاع الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت، الذي يقود حالياً حزب يشار الوسطي، على حزب الليكود اليميني بزعامة نتنياهو. ولو أجريت الانتخابات اليوم، من المرجح أن يفوز حزب يشار بـ26 مقعداً مقابل 20 مقعداً لحزب الليكود.
ولكن حتى لو فشل الائتلاف الحالي، الذي أوصل بعض أكثر الشخصيات المتشددة والقومية المتطرفة في الساحة السياسية الإسرائيلية إلى مواقع قيادية، في حصد المقاعد الـ61 اللازمة لتحقيق الغالبية في البرلمان المكون من 120 مقعداً، فقد تواجه أحزاب المعارضة صعوبة في تشكيل حكومة قادرة على الحكم، أن نتنياهو، الذي كان يتولى السلطة أثناء الهجوم الأكثر دموية في تاريخ إسرائيل، في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023، وهو إخفاق فادح لم تتضح بعد انعكاساته في صناديق الاقتراع، يواجه أيضاً محاكمة بتهم الرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة، وهي تهم ينفيها.
ويظل احتمال نجاح نتنياهو في البقاء في السلطة قائماً بقوة. فإذا عجزت القوى السياسية عن تشكيل حكومة بديلة، فسيواصل مهامه رئيساً لحكومة تصريف أعمال. وكثيراً ما امتلك موهبة استثنائية في تحويل الأحداث والأزمات إلى مكاسب سياسية تخدم بقاءه.
في الشهر الماضي، ألقى خطاباً اتسم بالثقة والتحدي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، دافع فيه عن الضربات الصاروخية الإسرائيلية ضد غزة وإيران ومناطق أخرى باعتبارها ضرورة تفرضها مقتضيات الأمن القومي. وكان المشهد في حد ذاته دليلاً على قدرته على الصمود في وجه الضغوط، فهو لا يزال في منصبه على رغم كل ما واجهه، بما في ذلك نتائج لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة التي خلصت إلى أن إسرائيل ارتكبت، خلال فترة توليه الحكم، جرائم حرب وأفعالاً ترقى إلى الإبادة الجماعية.
وقبل أن يبدأ حديثه حتى، انسحب عشرات المندوبين من القاعة احتجاجاً على حضوره، لكن نتنياهو استغل الموقف سريعاً، محولاً الاحتجاج إلى مادة للسخرية، داعياً من وصفهم بـ”الجبناء أخلاقياً” ممن لا يزالون في القاعة إلى الانسحاب بدورهم.
وفي خطابه، قلل من شأن عنف المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة، واصفاً إياه بأنه تصرفات تصدر عن “قلة من الأحداث المنحرفين” الذين يلقون الحجارة ويقطعون أشجار الزيتون ويشعلون الحرائق بين الحين والآخر. وجاء هذا الوصف صادماً في تقليله من حجم العنف الذي تمارسه الجماعات الاستيطانية المتطرفة. وقال إنه يعارض أخذ القانون باليد، وإنه أوعز إلى جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي بالتعامل مع هذه الظاهرة، لكنه أصر في الوقت ذاته على أن حجم المشكلة مبالغ فيه، مدعياً أن عدد الفلسطينيين الذين قتلوا لا يتجاوز “ربما اثنين أو ثلاثة”.
لكن صديقتي ليلى، التي تعيش في الضفة الغربية، قدمت الوضع بصورة مختلفة تماماً. وتقول “منذ السابع من أكتوبر، يعيش الناس تحت وطأة إرهاب المستوطنين. يأتون في مجموعات، يخفون وجوههم بالقمصان، ويرتدون أحياناً شال الصلاة اليهودي أو يظهرون عراة الصدور، حاملين الهراوات والمقاليع. يسرقون الأغنام ويحرقون المنازل. يطلقون النار على الأطفال، فيما يقف جنود الجيش الإسرائيلي متفرجين”.
يدرك نتنياهو بفطرته أن القصص الشخصية تترك في الناس أثراً أكبر من الخطابات النظرية والحجج المجردة، ولذلك تحدث في كلمته أمام الأمم المتحدة عن شقيقه يوني الذي قتل خلال عملية عنتيبي، وهي مهمة إنقاذ الرهائن التي نفذها الجيش الإسرائيلي عام 1976.
لكن فرصته الكبرى لتقليص الفارق في استطلاعات الرأي جاءت بعد يومين عندما حاول إرهابي مهاجمة رحلة جوية اعتيادية من دبي إلى تل أبيب. وعندما هبط الركاب في مطار بن غوريون، كان نتنياهو هناك لاستقبال يانيف هايون، أحد الركاب الذين ساعدوا في استعادة السيطرة على الطائرة. ووصف الرجل الذي كان يرتدي قميصاً ملطخاً بالدماء بأنه بطل و”أسد”، فيما حرص مكتب رئيس الوزراء على تعميم صور اللقاء على نطاق واسع.
ومن دون أن يقصد، تحول هايون إلى الوجه الدعائي الأبرز لحملة نتنياهو الانتخابية، مانحاً رئيس الوزراء صورة رمزية قوية يسهل الاحتفاء بها أكثر بكثير من الواقع المعقد الذي يواجهه الإسرائيليون.
ومنذ ذلك الحين، حذر نتنياهو من احتمال محاولة حركة “حماس” التأثير في الانتخابات عبر شن مزيد من الهجمات. وأنا لا أستخف بهذه الأخطار، لكن ما يثير قلقي هو أن مثل هذه الأحداث، بدلاً من أن تدفع أنصار نتنياهو إلى مساءلة سجله السياسي والأمني، تعزز اقتناعهم بأن الرجل وحده قادر على حمايتهم. فهجمات السابع من أكتوبر مثلت إخفاقاً أمنياً واستخباراتياً كبيراً لم يحاسب عليه حتى الآن.
ويقلقني أيضاً أن كثيراً من الإسرائيليين لا يبدون اهتماماً جدياً بالانتخابات العامة نفسها، ولا بالحاجة إلى إحداث تغيير سياسي.
كان آخر شخص أعدم بحكم قضائي في إسرائيل هو أدولف آيخمان، المسؤول النازي الذي شنق عام 1962 بعدما دين بارتكاب جرائم إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية. أما اليوم، فقد أقرت حكومة نتنياهو للتو قانون عقوبة الإعدام الجديد الذي قدمه وزير الأمن القومي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير، والذي يقتصر تطبيقه حصرياً على الفلسطينيين المدانين بتهم الإرهاب. ومع ذلك، يطالع كثير من الإسرائيليين المعتدلين المنتمين إلى التيار الوسطي الليبرالي الخبر فيما يقضمون الخبز المحمص بالأفوكادو، ثم يتابعون تصفح الأخبار.
ومع دخول “قانون عقوبة الإعدام للإرهابيين” حيز التشريع، بدأت شاشات التلفزة الإسرائيلية تعرض مشاهد لمشانق يجري تجهيزها. صحيح أن بعض الإسرائيليين نزلوا إلى الشوارع احتجاجاً، لكن عدداً أكبر بكثير اختار ببساطة تجاهل الأمر.
وتتوالى الأخبار التي من المفترض أن تؤدي إلى سقوط الحكومة بوتيرة مذهلة. في يوليو (تموز) الماضي، أعاد وزير حماية البيئة تصنيف تماسيح النيل على أنها “حيوانات برية مستزرعة” بما يسمح لبن غفير بتحقيق خطته الرامية إلى ملء الخندق المحيط بأحد السجون التي تحتجز فلسطينيين بهذه الزواحف المفترسة. ويقول صديقي الإسرائيلي تومر: “إنه مستوى من القسوة يبدو وكأنه مقتطع من عالم أشرار الرسوم المتحركة”.
وستحدد نتائج الانتخابات المقبلة ما إذا كانت ستبقى في البلاد مع عائلتها الصغيرة أم ستهاجر منها. وتابعت قائلة “حكومتنا مليئة بالمتنمرين المتعطشين للدماء الذين لا يجيدون سوى الصراخ، لكن الأسوأ من ذلك أن لديهم عدداً كبيراً من المستشارين المراوغين الذين يعملون يومياً على سن قوانين ذات طابع فاشي. إذا استمر الوضع على هذا المنوال وفازوا مجدداً، لست متأكدة مما سيتبقى من هذا البلد”.
نحن الذين نتمتع بامتياز القدرة على التأثير في حكومة نتنياهو، لدينا واجب أخلاقي لاستخدام أصواتنا قبل أن تتدهور الديمقراطية الإسرائيلية أكثر. فلا تنتظروا أن تحل علينا مصيبة أخرى لتسألوا أنفسكم: لماذا لم يتحرك مزيد منا عندما كان ذلك ممكناً؟
© The Independent
