تحوّلت المواجهة بين إيران والتحالف الأميركيّ – الإسرائيليّ من معركة إقليميّة تتبع السياسة الخارجيّة إلى سياسات داخليّة في طهران وواشنطن وتل أبيب.
تحوّل الصراع العسكريّ بينهم من صراع وجوديّ من أجل مكانة أنظمة إلى صراع من أجل بقاء شخصيّ في السلطة للأطراف الثلاثة:
- في طهران مرشد أعلى (مجتبى خامنئيّ) جديد جاء إلى السلطة من تحت أنقاض امتزجت بدماء والده وأخته وحفيدة والده وكثير من مساعديه. يسعى إلى اتّفاق أو صفقة من موقع قوّة ولا يريد أيّ صفقة الآن.
- في واشنطن فقد الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب صبره من التشدّد الإيرانيّ في وقت أزعجته استطلاعات الرأي التي أظهرت تدنّي حالة التأييد الداخليّ لسياساته، وهو ما يؤثّر سلباً على شعبيّة مرشّحي حزبه الجمهوريّ في تجديد الكونغرس.
- في القدس المحتلّة يسعى بنيامين نتنياهو، وهو يقترب من موعد حسم انتخابات الكنيست في 27 تشرين الأوّل المقبل، إلى دعم اليمين المتشدّد إلى أقصى الحدود، محاولاً إثبات بطولته في معركة الحفاظ على الأمن القوميّ.
الكلّ منتصرون
يرى نتنياهو أنّه الوحيد في تاريخ دولة إسرائيل الذي حارب على 8 جبهات في آن واحد لمدّة قاربت أربع سنوات، ولذلك يرى أنّه منتصر. ويعتقد ترامب أنّه حارب إيران في مواجهة عسكريّة شاملة، وأنّ قوّاته أضعفت قدرات إيران العسكريّة بشكل شبه كامل، وأنّه يضعفها عسكريّاً واقتصاديّاً بحصارها في مضيق هرمز وخليج عدن.
في مواجهة عسكريّة سياسيّة أمنيّة ماليّة اقتصاديّة، الجميع على يقين أنّه المنتصر “الكامل” والآخر هو الخاسر الأكبر.
إلى أين يأخذنا هذا النوع من التناقض الجذريّ والحادّ في تقدير موقف نتائج المواجهة بين الجميع؟
تقويم كلّ طرف قائم على الهوى السياسيّ والدفاع العاطفيّ الشعبويّ الموجّه للداخل في كلّ رأي عامّ… هنا يمكن الاحتكام إلى أرقام فاتورة المكاسب والخسائر الموضوعيّة لكلّ طرف.
خسائر إيران
خسر الطرف الإيرانيّ الآتي:
- انخفضت قدرة إيران على تصدير النفط من 2 مليون برميل يوميّاً إلى ما يقارب صفراً.
- يتوقّع أن ينكمش الاقتصاد الإيرانيّ 6% على الأقلّ هذا العام، وهو أسوأ انكماش منذ 40 عاماً.
- تضخّمت أسعار الغذاء الأساسيّ إلى 115% حتّى الآن، وهي قابلة للارتفاع.
- وصل معدّل التضخّم للاقتصاد الكلّيّ الإيرانيّ إلى 80%.
يمكن أن يتضاعف كلّ ذلك ويهدّد بتحويل إيران إلى دولة فاشلة ومعزولة في حال تطبيق قرارات وزارة الخزانة الأميركيّة بالضغط والعقوبات القصوى، وهو ما يعزلها عن أيّ مصادر لأيّ دخل خارجيّ.
بالنسبة لنتنياهو، يعيش الرجل في حالة ذعر شخصيّ من أن يفشل تحالفه في انتخابات الكنيست الجديد. تقوم معادلته على الآتي: الفشل في انتخابات الكنيست يعني سقوط الحكومة، وسقوطها يعني تعرّضه في صبيحة اليوم التالي لفقدان الحصانة، وذلك يعني أنّه أمام نوعين من التحقيقات: الأوّل: جنائيّ بتهم الفساد، والثاني: سياسيّ بتهمة التقصير في 7 أكتوبر/تشرين الأوّل.
أخطر ما تواجهه المنطقة هو محاولة معرفة ردّ الفعل الإيرانيّ إذا وصل سيف العقوبات العضويّ على رقبة الحرس الثوريّ، وأصبح الأمر يهدّد بانهيار كيان الدولة التي ظلّت في حالة تعويم سياسيّ بفضل تقديم “ضمانات غذائية” لـ45 مليون نسمة من مجموع 94 مليون مواطن، من خلال سيطرة القبضة الأمنيّة الحديديّة للحرس الثوريّ على البلاد والعباد.
يقول مصدر عربيّ قريب من الوساطة الدبلوماسيّة مع إيران: إذا شعرت إيران بالخطر الداهم، فهناك احتمال قويّ أن تقدم على انتحار أمنيّ عسكريّ، تطبيقاً لمبدأ “عليّ وعلى أعدائي وجيراني”. ويضيف أنّ الحصار الخانق للرئيس ترامب قد يؤدّي إلى إضعاف فريق التفاوض أو الذي يدعم الحلّ الدبلوماسيّ (مسعود بزشكيان، محمّد باقر قاليباف، عبّاس عراقجي) ويدعم بقوّة تيّار المرشد الأعلى مجتبى خامنئي والأمين العامّ لمجلس الأمن القوميّ محسن رضائي وكلّ المتشدّدين في الحرس الثوريّ.
سؤال المليار دولار
أمّا سؤال المليار دولار، الذي لا يعرف أحد الإجابة الواقعيّة والحقيقيّة عليه، فهو: هل سبب التشدّد الأقصى للأطراف الثلاثة هو تحسين شروط التفاوض المقبل، أم بعكس ذلك، وصول الأطراف إلى طريق مسدود في التفاوض الدبلوماسيّ؟
إذاً نحن على أعتاب خطر شديد، سنعرف إجابته خلال المئة يوم المقبلة، إلى حين حسم الأوضاع الداخليّة في الدول الثلاث.
