تصدُر كتابتي الملاحظات التالية عن أمريْن: أنّي مترجم أولًا ومعتقل سياسي ثانيًا (*). فالكتاب يعنيني بالصفتين. وبناءً عليه، أرجو أن تكون هذه الملاحظات مفيدة لمن يعمل في الترجمة، وأن تكون رسالة إلى من يتعامل مع أدب السجون، لأنّه موضوع ذو حساسية خاصّة لمن خاضوا تجربة السجن.
كتاب “أدب السجون السوري: بويطيقا حقوق الإنسان” لكاتبته ريبيكا شريعة طالقاني الإنكليزية، نقله إلى اللغة العربية حازم نهار، وصدر ضمن سلسلة ترجمان عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (2025). والنصوص التي يتناولها، ضمن ما يسمّيه “أدب السجون السوري”، مكتوبةٌ جميعًا أصلًا بالعربية. بعضها مترجمٌ إلى الإنكليزية بالكامل، وبعضها غير مترجم، فتترجم المؤلّفة الاقتباسات المأخوذة من أصل عربي. وبما أنّ الكتاب غير متوفّر لي بلغته الإنكليزية، فإنّ ملاحظاتي هذه مبنيّة على قراءتي الترجمة العربية فقط.
أولًا، لا يشير المترجم إلى المنهجية التي يتّبعها في ترجمة النصوص عربية الأصل: هل ترجم الاقتباسات ترجمةً عكسيةً أم عاد إلى الأصل العربي؟ ولا يشير في الحواشي إلى إن كان قد أخذ الاقتباس العائد إلى نصّ معيّن من أصله العربي أم من النصّ المترجم؟ وسيؤدّي غياب المنهجية في هذا المجال إلى العيوب التي وقعت بها الترجمة، وهو ما ستوضحه الملاحظات الآتية.
أوّل هذه العيوب أنّ المترجم يترجم الاقتباسات في بعض المواضع، ويعود إلى الأصل العربي في مواضع أخرى، من دون أي إشارة إلى هذا، ومن دون أيّ تفسير أو تبرير لعمله ذاك. فلو أنّ المترجم يضطر إلى الترجمة العكسية لعدم قدرته على الحصول على النص الأصلي لكان الأمر مفهومًا، لكنّ النصوص العربية التي يقتبس منها الكتاب جميعها متوفرٌ للمترجم، سواء على الإنترنت، أو بفضل معرفته الشخصية بالمؤلّفين، ولم يكن الأمر يتطلّب منه إلّا شيئًا من الجهد.
مثالٌ على ذلك، الاقتباسات الواردة في الكتاب من رواية “خمس دقائق وحسب” لهبة الدباغ. يشير الكتاب في الصفحة 168 إلى “أنّ كتاب ‘خمس دقائق وحسب‘ متاح بصيغة “PDF” باللغتين العربية والإنكليزية…”، أي أنّ المترجم كان يستطيع بسهولة العودة إليه وأخذ الاقتباسات من الأصل العربي مباشرة. لجوء المترجم إلى الترجمة العكسية يعطينا في بعض المواضع نصًّا منسوبًا إلى أدب السجون السوري، لكنّ لغته وأسلوبه ومفرداته ليست تلك المتوقّعة من كاتب/ة نصّ من هذا النوع.
في الصفحة 170-171 من كتاب طالقاني المُترجَم، يرد المقطع الآتي لدى الحديث عن رواية “خمس دقائق وحسب”: “يجعل السجين ’ينسى الإحساس بالحرية، ولا يمنحه شيئًا ليتطلّع إليه، لذلك عندما يفكّر في المستقبل يكون كل ما يتخيله هو […] المزيد من الألم والمعاناة‘. حتى إنها تؤكد في كل جملة من روايتها، وتبين أن المعتقلين ’ليس أمامهم خيار إلا التكيف والبقاء في قيد الحياة‘ وحينما تشعر والسجينات الأخريات بأن ’الجُدُر تطبق عليهن‘، فإنهن ’يسعين لإيجاد طرائق جديدة للتنفيس، والتنفّس، والبقاء في قيد الحياة‘”. وهنا أستخدم الخطّ المائل لتمييز الاقتباسات التي يفترض أنّها مأخوذة من رواية الدبّاغ، وذلك لسهولة مقارنتها مع النصّ الأصلي لتلك الاقتباسات.
أوّلًا، أزعمُ إنّ المرء لو فتّش جميع كتب أدب السجون السوري لن يجد سجينًا واحدًا، أو سجينة، يجمع كلمة جدار بـ جُدُر، بل سيجمعها بجدران، وهو الجمع الذي تستخدمه هبة الدبّاغ فعلًا في كتابها، بينما يستخدم المترجم جمع جُدُر على امتداد الكتاب من دون مراعاة سياق النص المقتبس. والمشكلة هنا ليست في صحّة هذا الجمع أو خطئه، بل في مدى تعبيره عن كلمات وصيغ يستخدمها السجناء لا خبراء اللغة.
وثانيًا، لنرَ كيف هو النصّ الأصلي عند الدبّاغ في روايتها، بحسب النسخة المنشورة على الإنترنت (ص 132):
“وبعد أن يفقد الإنسان في السجن طعم الحرية تمتد بين ناظريه من ثم قائمة أطول من أن تُعد من أصناف المشاكل والآلام والمعاناة المتنوعة… كنا مجبرين على التكيف والتعايش… نحاول كلّما ضاقت علينا الحال أن نجد منفسًا جديدًا يعيننا ويهوّن علينا الخطوب“. … ألا يبدو الفرق كبيرًا وجليًّا بين النصّين؟
| يترجم المترجمُ عناوينَ الكتب التي ترد في الكتاب، مع أنّها صادرة بالعربية في الأصل |
إضافة إلى هذا، ترد في الكتاب اقتباسات كثيرة منسوبة إلى الدبّاغ، وعند البحث في روايتها لن تجد حتّى ما يشبه ذلك الاقتباس، وهذا دليلٌ على أنّ الترجمة العكسية قد أعطتنا نصًّا جديدًا بعيدًا جدًّا عن أصله. وقد يخطر في البال أنّ المترجم فعل هذا لأنّه لم يحصل على الأصل العربي، لكنّ الواقع غير ذلك، ففي الصفحة 176 من الكتاب يظهر اقتباسٌ طويلٌ نسبيًا مأخوذ من رواية الدبّاغ، يبدأ بـ “وبينما كانت السيارة…” وينتهي بـ “أحلام النائمين”، وهذا الاقتباس مأخوذ كما هو من الأصل (ص 225). وفوق ذلك يستخدم المترجم كلماتٍ يستطيع القارئ، ولا سيّما السوري، أن يخمّن فورًا أنّها غير مستخدَمة في النص الأصلي؛ مثلًا، في ص 175 من الكتاب “أدركتْ أن مساحة الزنزانة تبلغ مترًا مربعًا بحجم ’خمّ دجاج‘”، بينما الكلمة التي تستخدمها الدبّاغ في الأصل هي “قنّ الدجاج“. وهي الكلمة الأكثر شيوعًا في الاستخدام بين معظم السوريين.
وتبقى مشكلة إسناد الاقتباس إلى مرجعه. فعند ورود ذكر رواية الدبّاغ أوّل مرّة، يظهر المرجع في الحاشية السفلية باللغة الإنكليزية (Heba Dabbagh, Just Five Minutes: Nine Years in the Prisons of Syria, Bayan Khatib (trans.) (Toronto: [n. p.], p. 147)) (ص 171، الحاشية 42). وعند الإحالة إلى هذه الرواية في الحاشيتين 43 و44، يستخدم المترجم الاختصار الإنكليزي الدال على أن الاقتباس مأخوذ من المرجع السابق (Ibid)، لكنّ المترجم يحيل في الحواشي اللاحقة إلى الرواية باسم مؤلفتها بالعربية على هذا النحو (الدباغ، ص 65)، كما في الحاشية 50 على الصفحة 172 من كتاب طالقاني، وفي الحاشية 55 على الصفحة 173 (الدباغ، ص 22)، على سبيل المثال. وعلى ص 175 من الكتاب، يعود المترجم إلى اللغة العربية، في الحاشيتين 63 و64، للإحالة إلى رواية الدبّاغ فيكتب (المرجع نفسه، …). ولا يعرف القارئ هل تحيل الحواشي الخاصة بهذه الرواية إلى النصّ العربي أم الإنكليزي. أمّا في قائمة المراجع فتظهر رواية الدبّاغ ضمن قائمة المراجع باللغة الإنكليزية. أظنّ أنّه كان من الأجدى أن يعتمد المترجم في إسناده الأصل العربي، وأن يضع الرواية ضمن قائمة المراجع العربية، فإن فعل العكس، واعتمد الترجمة الإنكليزية لها، كان ينبغي أن يفعل هذا باتساق على امتداد الترجمة.
في المعلومات
تردّ في الكتاب معلومات غير صحيحة، أو بحاجةٍ إلى تدقيق، ولا أعرف إن كان ذلك خطأ في النصّ الإنكليزي أو في الترجمة. إن كان الخطأ في الأصل الإنكليزي، أفترض أنّه كان يجدر بالمترجم أن يضع حواشي توضيحية بذلك، فهو سياسي وكاتب وناشر ومترجم، ويُفترض أن يعرف تلك المعلومات وأن يدقّق فيها.
وبما أنّنا بدأنا برواية الدبّاغ، فسأبدأ بمثال يخصّها. يورد الكتاب (ص 168) بخصوص الدبّاغ: “اعتقلت الدباغ في عام 1980، وأمضت تسع سنوات مخفية قسرًا رهينة محتجزة…”. لكنّ الدبّاغ تورد في روايتها بعد صفحات قليلة (ص 176) الآتي: “وعلى الرغم من العزاء الذي كنّا نجده في الزيارات بلقاء الأهل والأقارب إلا أن المستجدات التي تلت جعلتني أعيش كربًا جديدًا بسبب بعض الزيارات والزائرين”. وفي مكان آخر تتحدّث عن سجن دوما ووجودهن هناك مع سجينات قضائيات وسياسيات، بمن في ذلك معتقلات شيوعيات. فهل يتلقّى السجين المخفيّ قسرًا زيارات؟ وهل يُسجن في سجن مدنيّ مع سجناء آخرين قضائيين وسياسيين زياراتهم مفتوحة؟
في الصفحة 43 من الكتاب يرد: “وقبيل انقلاب عام 1969 الذي قاده حافظ الأسد…”. “ويصف الكاتب سامي الجندي تجربة الاعتقال وفعل الكتابة داخل السجن في روايته “صديقي إلياس”، وكان الجندي قد اعتقل مدة قصيرة بعد استيلاء حافظ الأسد على السلطة في سورية، ونشرت روايته في عام 1969.”.
المعروف أنّ انقلاب حافظ الأسد وقع في نوفمبر/ تشرين الثاني 1970، وهو التاريخ الرسمي لاستلامه السلطة، فإذا كان سامي الجندي قد اعتُقل بعد استيلاء حافظ الأسد على السلطة، فكيف كتب رواية عن تجربة الاعتقال تلك وصدرت الرواية في 1969؟ هذا النوع من المعلومات معروف لعامّة السوريين، وإذا كانت مؤلفة الكتاب هي التي أوردت هذه المعلومة الإشكالية، فيفترض بالمترجم أن يضع حاشية تزيل هذا الالتباس.
يورد الكتاب في الصفحة 70: “ونشر الكاتب المعارض الحاج صالح، الذي اعتقل بين عامي 1980 و1996 بسبب عضويته في المكتب السياسي للحزب الشيوعي…”. المقصود هو ياسين الحاج صالح، وهو لم يكن عضوًا في المكتب السياسي للحزب الشيوعي، بل عضوًا في الحزب الشيوعي السوري- المكتب السياسي. … قد لا يعرف كاتبٌ أو قارئٌ أجنبي الفرق بين الاثنين. وأعتقد أنّ المترجم يعرف، وكان يفترض به أن ينتبه إلى هذا. في سبعينيات القرن العشرين، انشقّ الحزب الشيوعي السوري إلى حزبين، استمر أحدهما يحمل اسم الحزب نفسه وتزّعمه خالد بكداش، بينما ميّز الثاني نفسه بإضافة “المكتب السياسي” إلى اسمه الرسمي فصار “الحزب الشيوعي السوري- المكتب السياسي”، وتزعمه رياض الترك. وكان ياسين الحاج صالح عضوًا في هذا الحزب الأخير وليس في مكتبه السياسي. وحين اعتقل كان في العشرين من عمره، أي ليس في عمر يؤهله ليكون عضوًا في المكتب السياسي لأيّ من فرعي الحزب الشيوعي.
تتضمّن الحاشية 49 في الصفحة 142 من الكتاب تعريفًا بصاحبة رواية “الشرنقة” حسيبة عبد الرحمن “وانتقلت من قرية فقيرة صغيرة شمال اللاذقية…”. والحقّ أنّ حسيبة ليست من محافظة اللاذقية، بل تنحدر من قرية عين الشمس التابعة لمنطقة مصياف في محافظة حماة. والمترجم يعرف حسيبة، وكان بإمكانه التحقّق من المعلومة.
ترد في الصفحة 162 العبارة: “السجون ومراكز الاعتقال في المزة وقلعة صلاح الدين في دمشق”. القلعة التي استخدمت سجنًا في دمشق هي قلعة دمشق، وكان السجن يُعرف بسجن القلعة، فمن أين جاء اسم صلاح الدين؟.
يرد في الصفحة 163: “يقع سجن صيدنايا المدني… في قرية صيدنايا المسيحية… ويحتوي كل جناحٍ على عشرين زنزانة مشتركة في كل طبقة…”، نقلًا عن “ميدل إيست ووتش”. أوّلًا، يعرف الجميع أنّ سجن صيدنايا ليس مدنيًا. وثانيًا لا يقع في قرية صيدنايا بل على الطريق إلى صيدنايا. وثالثًا، وبصرف النظر عن التفاصيل، الاسم المستخدم لغرف السجن هو “مهاجع” وليس “زنازين مشتركة”، ولا أظنّ أحدًا ممن مرّوا في سجن صيدنايا يستخدم كلمة “طبقة” بدلًا من طابق.
يورد الكتاب في الصفحة 190: “دوّن فرج بيرقدار قصائده على ورق سجائر أحيانًا ودوّنها على قشور البصل حينما كان يتعذّر عليه الحصول على الورق”. فكرة تدوين القصائد على قشور البصل معلومة غير دقيقة، وأيّ قارئ سيتساءل عن كيفية الكتابة على قشور البصل. وفي الحقيقة، كانت الكتابة تجري على ورق السجائر وورق الباكيتات، أمّا قشور البصل فاستخدمت لصناعة الحبر وليس للكتابة عليها.
يتحدث الكتاب في ص 220، عن مصطفى خليفة صاحب رواية “القوقعة“: “وعلى الرغم من أنه لم يكن عضوًا رسميًا في أيّ حزب سياسي سوري معارض، فإنه سُجن في المدة 1982- 1994 في سجني تدمر وصيدنايا”. من الواضح أنّ الكتاب يخلط بين مصطفى خليفة الروائي وبطل روايته. صحيح أنّ بطل الرواية لم يكن عضوًا في حزب سياسي، لكنّ مصطفى خليفة كان عضوًا في حزب العمل الشيوعي، واعتقل مرتين، وقبل سجني تدمر وصيدنايا قضى فترة طويلة في سجن كفر سوسة. وهذه معلومات كان المترجم يستطيع التحقّق منها.
في عناوين الكتب
في أكثر من موضع يترجم المترجمُ عناوينَ الكتب التي ترد في الكتاب، مع أنّها صادرة بالعربية في الأصل، لكنّه يوردها في معظم المواضع كما هي في الأصل العربي، ومن باب الاتّساق، كان يفترض أن يعتمد هذا نهجًا على امتداد الكتاب.
في ص 137، حاشية 36: يترجم عنوان المجموعة الشعرية الأولى لفرج بيرقدار بـ “لست وحدك”. لكنّ المجموعة ترد في قائمة المراجع بعنوانها الأصلي “وما أنت وحدك”. وفي ص 249، يترجم عنوان مجموعة قصصية لجميل حتمل بـ “عندما لا يوجد بلد”، بينما العنوان الأصلي “حين لا بلاد”. وفي الحالتين، ليست المشكلة مشكلةَ كلمات فحسب، بل مشكلة جماليّة العنوان ودلالاته. أليس الفارق كبيرًا بين “عندما لا يوجد بلد” و”حين لا بلاد“؟ وبين “لست وحدك” و”وما أنت وحدك“؟ هذا إذا غضضنا النظر عن الاتساق.
في قائمة المراجع الإضافية، ترد رواية عماد شيحة بعنوان “موت مشتهٍ” لكن عنوانها الحقيقي: موتٌ مُشتهى. وترد رواية آرام كرابيت بعنوان “الراحل إلى المجهول”، أمّا عنوانها الأصلي فهو “الرحيل إلى المجهول”.
في ص 220، حاشية 42: إحالة إلى رواية “القوقعة” باللغة الإنكليزية (Mustafa Khalifa, The Shell, Paul Starkey (trans)…)، مع أنّ المترجم يأخذ الاقتباسات من الأصل العربي كما هي، وأظن كان من الأفضل الإحالة إليها في نسختها العربية.
في ص 166، يرد ذكر كتاب لميشيل فوكو، يورده المترجم بـ “المراقبة والعقاب: ولادة السجن”. وللكتاب ترجمةٌ معروفةٌ صادرةٌ عن معهد الإنماء العربي، بعنوان “المراقبة والمعاقبة…”، ولا أرى سببًا لترجمة مختلفة.
في الأسماء
في ص 84، هامش 46: يرد اسم سمر روحي الفيصل، بينما في قائمة المراجع العربية سمير روحي الفيصل، والصحيح هو: سمر.
بعض الأسماء التي تتضمّن أل التعريف في الكنية، يوردها المترجم من دون أل. مثل: منيف رزاز بدلًا من الرزّاز، ورفعت سعيد بدلًا من السعيد (ص 285).
الكلمات المستخدمة
يرد في ص 112 عنوان فرعي “مخاطر سوء الاعتراف“، يبدو لي أنّ هذه الترجمة تنطوي على مشكلة، ولكن لا أعرف ما الكلمة المستخدمة في الأصل الإنكليزي. فالنصّ المكتوب تحت هذا العنوان يجعلني أرجّح شيئًا من مثل: عدم التمييز أو عدم الإدراك أو عدم التحقّق من الشخصية، لأنّه يتحدّث عن اعتقال أطفال أنّهم معارضون سياسيون من دون تمييز أنّهم أطفال، أو اعتقال أقارب، أو نتيجة تشابه الأسماء.
ص 237: “عباس ليس وحده في اجتراره للعملية والأخلاقيات… “. الحديث هنا يجري عن كتاب “توقًا إلى الحياة” لعباس عباس. ولا أعرف الكلمة الإنكليزية المستخدمة، ولكن، أيّا تكن، لا أظنّ أنّ ترجمتها “اجترار” هي المناسبة في هذا السياق.
توسيع النقاش
وأنا أدوّن ملاحظاتي على ترجمة هذا الكتاب، خطر في بالي أن أستطلع آراء بعض الأصدقاء في كيفية التعامل مع الأخطاء في المعلومات حين تصادفك في أثناء الترجمة، لأرى إن كان هناك ما يمكن أن نسمّيها أعرافًا في هذا المجال. فطرحت على صفحتي على “فيسبوك” السؤال: إذا كنتَ تترجم كتابًا من لغةٍ أجنبية إلى لغتك، ووجدت في الكتاب أخطاء في المعلومات، ماذا تفعل؟. … رأى معظم الذين شاركوا في الردّ أنّ تترجم النصّ كما هو، وأن تضع حاشيةً توضح فيها رأيك. بينما طرح آخرون تحفّظات ذات صلة بالأمانة، ورأى رأي ثالث أن مهمّة المترجم أن يترجم النص كما هو، وإلا تحوّل إلى مدقّق للنصّ أو محقّق له. واقترح رأي آخر التواصل مع المؤلف بشأن تلك الأخطاء. وذهب رأي آخر إلى أنّه إذا كان الكتاب مليئًا بالعيوب والأخطاء، فلا تترجمه.
سأبدأ من النقطة الأخيرة، في الحقيقة، لا يملك المترجم دائمًا ترف أن يرفض ترجمة ما يُطلب منه ترجمته، وإلا لوجد نفسه بلا عمل. وثانيًا، قد يجد المترجم، أو من يطلب الترجمة، أنّ من المفيد ترجمة كتاب مليء بالأخطاء، ببساطة لأنه قد يرغب في إظهار الأخطاء التي يتعمّد طرفٌ ما تقديمها خدمة لوجهةِ نظر معيّنة وخدمةً لسياسة معيّنة. علاوة على هذا، قد يجد المترجم نفسه أمام كتاب مهمٍ وقيّمٍ فعلًا، ومع ذلك يحتوي أخطاء في المعلومات لا تقلل من أهميته، وربّما وقع فيها الباحث نتيجة اعتماده على مصدر غير موثوق.
أمّا بخصوص أن يصبح المترجم محقّقًا، فأرى أن المترجم، في جانب من عمله، محقّق فعلًا، فالترجمة ليست مجرّد نقل ميكانيكي للكلام من لغة إلى أخرى، والمترجم ليس آلةً فحسب. الترجمة عملية حيّةٌ وإبداعية، وواجب المترجم أن يبحث ويتقصّى، وإذا كان الكتاب المترجم يخصّ بلده أو ثقافته، فلا شكّ في أن واجبه بالبحث والتقصّي يصبح أكبر.
موضوع الأمانة في الترجمة مهمّ جدًّا، ولكن السؤال الذي يُطرح: ما هي الأمانة؟ هي نقل نصّ المؤلف كما هو حتى لو خالف رأي المترجم، ولكن السؤال يتعلّق بالمعلومات. وبالتأكيد، ليس من حقّ المترجم تغيير المعلومات الواردة في النص حتّى لو كانت خطأ، ولكن من حقّه، بل ومن واجبه، أن يشير إلى الأخطاء في حواشٍ سُفلية، كما أشار معظم الأصدقاء الذين شاركوا بآرائهم.
ختامًا، إذا كان المترجم يستطيع التواصل مع المؤلف، لا بخصوص المعلومات الخطأ فقط، بل وبخصوص بعض ما قد يلتبس عليه، فيستجلي الفكرة من المؤلف مباشرة، فهذه بالتأكيد طريقة مثالية للتعامل مع هذه الحالات. ولكن، قد لا يكون التواصل مع المؤلف ممكنًا، وعندها تصبح الحاشية السفلية حلًّا ملائمًا.
(*) عبد الله فاضل: مترجم سوري من مواليد 1967، يحمل إجازة في الاقتصاد وماجستير في الترجمة التحريرية. له ترجمات كثيرة من الإنكليزية إلى العربية، منها: رواية “الخروج إلى الهواء الطلق” لجورج أورويل، وكتاب “المرأة المخصية” لجيرمين جرير، وكتاب “إلغاء الديمقراطية البيضاء” لجويل أولسون، وكتاب “الأرض الحية” لفاندانا شيفا. عرف السجن مرتين، الأولى تسع سنوات في تسعينيات القرن الماضي تلتها عشر سنوات من التجريد من الحقوق المدنية والسياسية. والثانية لثلاثة أشهر في عام 2016.