-
ميّة الرحبي…الجمهورية .نت
-
-
-
أثارت قضية الطبيبة أمنية سويدان اهتمامي، ليس بصفتي مدافعةً عن حقوق النساء فحسب، بل بصفتي طبيبةً وإنسانةً، كما أثارت لدي تداعيات كثيرة من خلال عملي لسنوات طويلة كطبيبة، صادفت خلالها كثيراً من حالات الإهمال والاعتداء على حقوق المرضى في دولٍ يسبح فيها القانون في بحر متلاطم الأمواج لا قرارَ له.
لم أستغرب أبداً وقوف الاستبداد، بكافة هيئاته وأبواقه، ضدَّ أيِّ شخص يتجرّأ على إثارة قضية حقوقية في بلد تعتمد سياستها على تكميم الأفواه والتستر على أي قضية تمسُّ حقوق المواطنين.
تجرَّأت د. أمنية على نشر بوست على فيسبوك تتحدّث فيه عن انتهاك حقوق المريضات في قسم الولادة في مستشفى الشاطبي الجامعي التابع لجامعة الإسكندرية، فكان ردُّ فعل السلطات كما هو متوقع، تكذيبها، واعتقالها، واتهامها بنشر أنباء كاذبة، واستنفار جميع المؤسسات الواقعة تحت هيمنة الاستبداد للمشاركة في تجريمها، ونفي ادعاءاتها، من نقابة الأطباء إلى المنصات الإعلامية التي لا همَّ لها سوى التطبيل للسلطة، والتستر على كل التجاوزات بحق المواطنين وانتهاك حقوقهم.
أجرت محطة فرانس 24 مقابلةً مع مختصة في الصحة الإنجابية، ومدافعة عن الحقوق الإنجابية من مصر، لسؤالها عن تفاصيل الموضوع، وقد أكبرتُ شجاعتَها في القبول بالحديث عن هذه القضية الحسّاسة، وأشفقتُ، في الوقت نفسه، عليها؛ لأنها كانت تختار كلماتها بعناية فائقة بلغت حدَّ الحذر المبالغ فيه في الرد على أسئلة المذيعة، ما يُظهر مدى خشيتها من عواقب كلمة أو جملة ما، يمكن أن تخرج عن السياق وتُثير عليها السلطة التي لن تتوانى عن اعتقالها ومحاكمتها بالتهم نفسها التي وُجِّهت إلى د. أمنية.
وأنا شخصياً، دون مواربة، أتعاطف مع هذه القضية، وأُصدِّق كل كلمة كتبتها د. أمنية، لأسباب عديدة، أولُها مبدأ تصديق الناجيات إلى حين ثبوت العكس، وثانيها تجربتي الطبية الخاصة في بلدٍ خضع للاستبداد سنوات طويلة، طال الفساد الناجم عنه كل مؤسسات الدولة، بما فيها الأقسام الطبية والمستشفيات.
لم أطَّلع بما فيه الكفاية على أقسام التوليد بحكم اختصاصي بالطب الباطني، ولكن ما شهدته كان كافياً، على ما أعتقد، للإدلاء بشهادتي بهذا الخصوص، وتكوين انطباع واضح صريح متكامل عمّا يجري في أقسام الولادة.
كان من ضمن التدريبات التي خضعنا لها في السنوات الأخيرة من الدراسة تدريباتٌ في أقسام الولادة في المستشفيات الجامعية، حيث كانت المريضات يُعامَلنَ من قبل الأطباء والممرضات معاملةً مهينةً، لا يُمكن مقارنتها حتى بمعاملة الحيوانات أثناء الولادة في الدول التي تحكمها القوانين إلى حد كبير، فكان صراخُ المريضات من ألم المخاض يقابل بصراخ مقابل، وتعليقاتٍ فجَّة، وإهانات من قبل الأطباء والممرضات، إضافةً لإهمال كامل من قبل الكادر الطبي للمريضات في فترة المخاض، التي يمكن أن تشوبها بعض التعقيدات الطبية، ويمكن ملاحظةُ بوادرها فيما لو كانت هنالك مراقبةٌ للأم في هذه الفترة الحرجة. وهذا الإهمال غالباً ما يؤدي إلى تفاقم الحالة، التي لا ينتبه إليها الكادر الطبي إلا عندما يصل الأمر إلى مرحلةٍ حرجةٍ قد تؤدي إلى وفاة الأم أو الجنين أو كليهما. ومن ذكرياتي في هذه المرحلة، أننا، أنا زملائي، كنّا في درس عملي عن الولادة، وأُحضرت امرأةٌ في حالة المخاض إلى قاعة الدرس العملي، وكانت تعاني من آلام المخاض وتمشي بصعوبة شديدة، وطلب منها الأستاذ أن تتمدَّد على سرير الولادة وأن تُفحَص أمامنا نحن الطلاب. وطبعاً، بسبب خجلها من ذلك، رفضت الانصياع لطلب الأستاذ، فما كان منه إلا أن رفسها بقدمه خارج باب القاعة، في مشهد بقي محفوراً في ذاكرتي حتى اليوم.
كما أذكر حادثةً أخرى بعد تخرُّجي بسنواتٍ عديدة، حين قرع باب بيتي، في منتصف الليل، ناطورُ البناية وطلب مني مساعدته في نقل زوجته، التي كانت تعاني آلام المخاض، بسيارتي إلى المستشفى الجامعي للولادة، والذي كان بمواجهة مبنى الجامعة القديم، وعندما وصلنا إلى المبنى، استقبلتنا مجموعةٌ من الممرضات المتجهِّمات. أدخلنا المريضة إلى غرفة الولادة، وطلبتُ مرافقتها كوني طبيبة إلا أنهن أخبرنني بصلافةٍ أنه ممنوعٌ دخولي إلى غرفة الولادة، لم أرغب في تصعيد الموقف، فجلست أنا والزوج المسكين خارج الغرفة، كنت أسمعهنَّ يطلبنَ من المريضة المشي كي تلد بسرعة، وكانت تبكي وتخبرهنَّ أنها غير قادرة على ذلك بسبب الألم الشديد، وعندها تعالت أصواتُ الممرضات بالصراخ وشتم المريضة. لم أحتمل، فاقتحمت غرفة الولادة، وأخبرتهن أن سلوكهنَ غير مقبول، ولا يحق لهن معاملة المريضة بهذه الطريقة اللاإنسانية، فأجابتني إحدى الممرضات باستهزاء:
– إذا مو عاجبك دكتورة خديها على مشفى خاص.
أجبتها بأنني مستعدة لنقلها إلى مشفى خاص، عندها ركضت السيدة نحوي، ومن بين نشيجها كان رجاؤها حاراً:
– الله يخليكي دكتورة، ما عنا ندفع.
كان الغضب قد بلغ مداه عندي، وأخبرتها أنني مستعدةٌ لدفع تكاليف الولادة، لكنها رفضت، ورجتني أن أخرج من الغرفة، لأنني كلما أنّبت الممرضات، عاملنَها بهمجيةٍ أكبر. المهم أن الموضوع انتهى بأن جررت أذيال خيبتي وهزيمتي أمام النظام السائد، وعدتُ إلى منزلي وأنا أنتحبُ قهراً وسخطاً وكراهية، كما كنت أفعل بعد كل موقف تعرّضت له في مواجهة النظام المستبد.
ولم تكن هذه طبعاً حادثةً معزولةً؛ فقد كنّا نسمع بهذه الحوادث يومياً في الوسط الطبي، ولا يوجد أيُّ مؤشرٍ يمكن أن يجعلنا نعتقد أن الوضع في المشافي العامة في مصر كان أفضل، ولا أيُّ مؤشرٍ يجعلنا نعتقد أن الوضع قد تحسن خلال كل هذه السنوات، بل ازداد سوءاً بعد تدهور الأوضاع الأمنية في مصر وسوريا وجميع دول المنطقة.
خلال 42 يوماً بعد انتهاء الحمل. وقد بلغ هذا المعدّل بحسب تقارير منظمة الصحة العالمية لعام 2023 حوالي 197 وفاةَ أمٍّ لكل 100 ألفَ ولادةٍ حيّة، ولا تزال أكثر من 90 بالمئة منها تحدث في البلدان الفقيرة، ذات الرعاية الصحية المتدنية. وبحسب إحصائيات منظمة الصحة العالمية وغيرها من المنظمات الدولية المهتمة،[1] يبلغ معدل وفيات الأمهات في سوريا 20 وفاةً لكل 100 ألف ولادة حية،[2] وفي مصر حوالي 17 وفاةً لكل 100 ألف،[3] علماً بأن هذه البيانات تقديرية، بسبب عدم وجود إحصائيات دقيقة، وتكتُّم المؤسسات في البلدان المحكومة بسلطات مستبدة عن الإدلاء بأي معلومات يمكن أن تُعطي صورة واقعية عن سوء الخدمات العامة فيها وتهالكها.
ختاماً، لا بدَّ من أن أُدلي بتصريح أشدَّ إيلاماً من تصريح د. أمنية، وهو أن كثيراً من الأطباء في مناطقنا يلعبون دور الشاهد الصامت على تلك الانتهاكات والمآسي التي تحدث في مستشفياتنا، بل قد يشاركون فيها، أو أنهم من القلة التي تعاني بصمت ولا تجرؤ على الحديث علناً، أو من القلة القليلة التي تختار الانتحار المهني، فتُدلي بشهادتها إرضاءً لضميرها، كما حدث مع د. أمنية، والتاريخ سيُسجِّل أسماء هؤلاء القلة المختارة فقط.
-