عاد ملف الأراضي التي يقول أصحابها الأصليون إنها انتُزعت أو أعيد توزيعها خلال العقود الماضية في مناطق الجزيرة السورية إلى الواجهة، مع صدور بيانات من قرى وعائلات في ريفي القامشلي وعامودا وريف ديريك/ المالكية، تطالب بوقف التصرف في أراضٍ تقول إنها مملوكة لها بموجب وثائق رسمية، وفتح الملف أمام الجهات القانونية المختصة. وتأتي إعادة طرح قضية أراضي الغمر في مرحلة سياسية حسّاسة تشهدها مناطق شمال شرقي سورية، بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/ كانون الأول 2024، ودخول دمشق و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في مسار تفاوضي للاندماج ضمن مؤسسات الدولة، بدأ باتفاق 10 مارس/ آذار 2025، قبل أن يتطور عبر اتفاقات لاحقة خلال 2026، وصولاً إلى إعلان حل “قسد” بصفتها قوة عسكرية مستقلة، واندماج مؤسساتها ضمن الدولة السورية في أغسطس/ آب الماضي.
وفي هذا السياق، أصدر أبناء الراحل شيخموس إبراهيم خلو، من قرية علي فرو بريف القامشلي، الأسبوع الماضي، بياناً أعلنوا فيه منع أي شخص من التصرف بأراضي العائلة، سواء عبر الزراعة أو الاستثمار أو البيع والشراء أو التأجير، مؤكدين أنها “ملك خاص” لهم و”مثبتة بالأوراق الرسمية”. وطالب أصحاب البيان الحكومة والجهات المعنية بإنهاء ما وصفوه بالملف العالق منذ عشرات السنين، وإعادة الأراضي إلى أصحابها، وفق “القانون والوثائق الرسمية”.
وفي بيان منفصل، أعلن أهالي قرية روباريا موقفاً مشابهاً، عقب اجتماع عام لأبناء القرية، مؤكدين أن الأراضي الخاصة بأهاليها “جرى الاستيلاء عليها أو تغيير وضعها وملكيتها في إطار سياسات مشروع الحزام العربي خلال عهد النظام السوري السابق”، وفق تعبيرهم. وطالب الأهالي بوقف أي زراعة أو استثمار أو بيع أو شراء أو تصرف بهذه الأراضي إلى حين حسم ملكيتها بصورة قانونية وعادلة، محذرين من أن استمرار عمليات البيع من شأنه تعقيد ملف الملكية وخلق نزاعات جديدة بين أبناء المنطقة. كما طالبوا مدير منطقة ديريك والجهات المعنية بتحمل مسؤولياتهم والعمل على وقف أي تصرفات جديدة بالأراضي، إلى حين معالجة ملفها بصورة رسمية، مؤكدين تمسكهم بالمطالبة بحقوقهم بالطرق السلمية والقانونية والإدارية.
أراضي الغمر… قضية عمرها عقود
ترتبط القضية بما يُعرف محلياً بأراضي الغمر التي استُخدمت في عمليات إعادة توطين أسر عربية تضررت من غمر قراها وأراضيها بعد بناء سدّ الفرات وامتلاء بحيرة الأسد (حينها) في سبعينيات القرن الماضي.
وتزامنت عمليات نقل هذه الأسر إلى مناطق من الجزيرة السورية مع سياسات حكومية لإعادة توزيع الأراضي والسكان في الشريط الحدودي مع تركيا، وهو ما أصبح لاحقاً أحد أكثر الملفات السياسية والعقارية حساسية بين السكان الأكراد والعرب في المنطقة.
ويقول أصحاب أراضي الغمر وممثلون سياسيون وناشطون أكراد إن جزءاً من الأراضي التي جرى توطين الأسر العربية فيها كان مملوكاً لفلاحين وملاك أكراد، وإن عمليات الاستملاك وإعادة التوزيع تمّت في إطار سياسات الدولة السورية السابقة.
في المقابل، تقول روايات مرتبطة بالقضية إن الأسر العربية التي عُرفت محلياً باسم “المغمورين”، كانت ضحية لمشروع سد الفرات بعد غمر قراها، وإن نقلها إلى الجزيرة تمّ بقرارات حكومية، ما يجعل تحميلها مسؤولية السياسات التي اتخذتها الدولة في تلك المرحلة محل خلاف.
وبمرور عقود، أصبحت قضية أراضي الغمر أكثر تعقيداً، إذ استقرت أسر وعائلات في الأراضي التي خُصّصت لها، وانتقلت بعض الأراضي بين أجيال متعاقبة، فيما بقي أصحاب ملكيات سابقة يتمسكون بوثائق وسندات يقولون إنها تثبت حقوقهم.
ويضاف إلى ذلك أن بعض الأراضي دخلت خلال السنوات الأخيرة في عمليات بيع وشراء واستثمار وتوسع عمراني، ما يثير مخاوف من انتقال النزاع من قضية ملكية تاريخية إلى نزاعات جديدة بين أطراف متعددة.
بين حق المالك وحق المستقر في الأرض
يرى المحلل السياسي السوري عبد الوهاب خليل، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن سياسات النظام السابق في الجزيرة السورية كانت جزءاً من مشروع لإعادة توزيع السكان والأراضي، مشيراً إلى أن منظمات حقوقية دولية وثّقت، بحسب قوله، عمليات إعادة توطين أسر عربية تضررت من غمر أراضيها بمياه سد الطبقة في مناطق ذات غالبية كردية، إلى جانب مصادرة أراضٍ تعود إلى ملاك أكراد. لكنه يشدد على ضرورة التمييز بين مسؤولية النظام الذي وضع هذه السياسات ونفذها، وبين الأسر العربية التي هجرت من قراها بسبب غمرها بالمياه ونقلت إلى مناطق أخرى.
ويقول خليل إن هذه الأسر “لم تكن في معظم الحالات صاحبة القرار السياسي الذي أدى إلى هذا الواقع”، محذراً من أن معالجة الملف بطريقة تؤدي إلى مواجهة بين الأكراد والعرب أو بين أصحاب الأراضي والمزارعين الذين عاشوا فيها لعقود، ستكون ذات نتائج خطيرة. ويضيف أن العدالة لا تعني أن يدفع مواطن سوري ثمن سياسة لم يصنعها، كما أن المصالحة لا تعني تجاهل حقوق أصحاب الملكيات المثبتة.
عبد الوهاب خليل: معالجة الملف بطريقة تؤدي إلى مواجهة بين الأكراد والعرب، ستكون ذات نتائج خطيرة
ويقترح المحلل السوري في هذا الصدد تشكيل لجان مختصة ومستقلة لمراجعة الوثائق والسجلات العقارية، وتحديد الملكيات الأصلية، ودراسة أوضاع جميع الأطراف، وصولاً إلى حلول يمكن أن تشمل إعادة الحقوق أو التعويض أو توفير بدائل مناسبة، وفقاً لكل حالة. ويعتبر أن سقوط النظام السابق يفتح الباب أمام معالجة آثار سياساته، وليس إعادة إنتاجها بطريقة جديدة، داعياً إلى أن تكون المعالجة وطنية وقانونية وليست عشائرية أو قومية.
وفي هذا الخصوص، يرى خليل أن “العربي الذي جاء إلى الجزيرة مهجراً من أرضه ليس هو الذي وضع سياسة التعريب، كما أن الكردي الذي فقد أرضه ليس مسؤولاً عن تلك السياسة”، مشدّداً على أن المسؤولية ينبغي أن تحدد “وفق القانون والوثائق وليس وفق القومية أو الانتماء”.
لماذا يعود الملف الآن؟
لا ينفصل النقاش حول توقيت إعادة طرح قضية أراضي الغمر عن التحولات السياسية التي شهدتها المنطقة منذ سقوط نظام الأسد. ففي 10 مارس 2025، وقّع الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد “قسد” مظلوم عبدي اتفاقاً نصّ على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرقي سورية ضمن إدارة الدولة، إضافة إلى ضمان حقوق المجتمع الكردي وعودة المهجرين. وفي يناير/ كانون الثاني 2026، دخل المسار مرحلة أكثر تقدماً، مع اتفاقات نصّت على دمج المؤسسات المدنية في الحسكة ضمن مؤسسات الدولة، ودمج العناصر العسكرية والأمنية لـ”قسد” ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، إلى جانب معالجة عدد من القضايا الحقوقية والمدنية والملكية المتراكمة من العقود السابقة. وفي أغسطس الماضي، أعلن عبدي اكتمال عملية الدمج العسكري والأمني والإداري، قبل أن يعلن لاحقاً انتهاء مهمة “قسد” قوة عسكرية مستقلة وحلّها.
ويرى الإعلامي من القامشلي جان علي، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن إعادة إثارة ملف أراضي الغمر في هذا التوقيت تستحق التوقف عندها، معتبراً أن القضية قد يجري توظيفها في الصراع السياسي الدائر حول مستقبل العلاقة بين دمشق والقوى الكردية.
ومن وجهة نظر علي، فإن إثارة ملف أراضي الغمر تهدف إلى “إعاقة الدمج بين قسد ودمشق”، معتبراً أن إعادة فتح ملفات اجتماعية وقومية شديدة الحساسية يمكن أن تخلق حالةً من التوتر وعدم الاستقرار، وتتحول إلى وسيلة للضغط على دمشق.
ويشير الإعلامي إلى أن الملف، بحسب قراءته، لم يشهد منذ سقوط النظام السابق، وعلى امتداد الفترة التي كانت فيها “الإدارة الذاتية” الكردية تسيطر على مناطق واسعة من شمال شرقي سورية، المستوى نفسه من الحضور والبيانات التي يشهدها حالياً، معتبراً أن عودته بقوة بالتزامن مع مرحلة تنفيذ الدمج، تطرح أسئلة حول توقيتها.
ويذهب علي أبعد من ذلك، إذ يرى أن “تياراً من حزب العمال الكردستاني” يقف وراء تحريك ملف أراضي الغمر بهدف عرقلة مسار التفاهم والاندماج بين دمشق و”قسد”، واستخدام ملف الأراضي للضغط السياسي على الحكومة السورية. وهذا الطرح، كما يوضح، يمثل قراءته السياسية لتوقيت عودة القضية، وليس حكماً قضائياً أو واقعة مثبتة بشأن الجهة التي تقف وراء البيانات الأخيرة.
ويحذر الإعلامي من أن إخراج القضية من إطارها القانوني وتحويلها إلى قضية قومية قد يؤدي إلى تداعيات اجتماعية وأمنية واسعة، قائلاً إن مخاطر ذلك لا تقتصر على ملف الملكية، بل قد تمتد إلى العلاقة بين العرب والأكراد في المنطقة، مشدداً في الوقت ذاته على أن المطالبة بالحقوق العقارية حقّ لأصحابها إذا أثبتتها الوثائق، لكن معالجة الملف، برأيه، يجب أن تتم من خلال الدولة والقضاء والجهات المختصة، لا عبر العائلات والعشائر أو التعبئة القومية.
مخاوف من صراع قومي
من جهته، يرى المحلل السياسي والأكاديمي الكردي فريد سعدون، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن قضية “الغمر” كانت حاضرة منذ تنفيذها في أجندة الحركة السياسية الكردية، لأنها ترتبط، بحسب رأيه، بمسألتي حقوق الملكية والتغيير الديموغرافي.
ويعود سعدون في قراءته إلى مراحل سبقت تنفيذ المشروع، مشيراً إلى دراسة محمد طلب هلال عام 1963، والتي تضمنت مقترحات تتعلق بإعادة توزيع السكان في محافظة الحسكة. ويقول إن تنفيذ المخطط تمّ في سبعينيات القرن الماضي بالتزامن مع نقل السكان المتضررين من غمر أراضيهم في منطقة الفرات إلى الشريط الحدودي الممتد من المالكية إلى رأس العين. ويرى أن جزءاً من الأراضي كانت له ملكيات سابقة تعود إلى ملاك وفلاحين أكراد، وأن معالجة القضية تتطلب اليوم مراجعة قانونية شاملة للملكية. ويؤكد سعدون في الوقت نفسه أن الأسر العربية التي نقلت إلى المنطقة لا يمكن تحميلها مسؤولية القرار السياسي الذي اتخذته الدولة في ذلك الوقت.
ويحذر الأكاديمي الكردي من أن معالجة القضية بشكل فردي أو عشائري يمكن أن تؤدي إلى نزاعات واسعة، وربما تحول الخلاف على الملكية إلى صراع عربي كردي. ويقول حول ذلك إن القضية “تحتاج إلى حل وطني على مستوى الدولة”، لأن عودة الأسر العربية إلى مناطقها الأصلية ليست ممكنة في كثير من الحالات بعد غمر قراها، وبالتالي فإن أي حلّ يجب أن يأخذ أوضاعها في الاعتبار، إلى جانب حقوق الملاك السابقين. ويرى سعدون أن الحل السياسي يجب أن يسبق أو يرافق الحل القانوني من خلال لجنة مختصة تتولى فض النزاعات ودراسة الوثائق وتحديد الحقوق.
وفي ظل مسار دمج “قسد” ومؤسسات “الإدارة الذاتية” ضمن الدولة السورية، تبدو قضية الأراضي واحدة من الملفات التي يمكن أن تختبر قدرة الدولة على معالجة إرث السياسات السابقة من جهة، وقدرة القوى المحلية على تجنب توظيف القضايا الاجتماعية والعقارية في الصراع السياسي من جهة أخرى.