الزمن المسافر بنا ينهشنا ويهزمنا، وهو دائماً المنتصر علينا مهما تسلحنا بأقوى العتاد، ومهما تحصّنا. صحيحٌ أنه يمنحنا السنين والعمر، لكنّه في كل يوم يمرّ يأخذ يوماً من أعمارنا، وإن أعطانا الفرص والقوة، يسلب منا أكثر بكثير مما يعطينا. لأنه إذا ما منحنا الحياة والصحة والمتعة والفرح، يمنحنا أشياء لم نكن نعرفها، ولم نكن نتصوّر حجم حاجتنا إليها. ولكن ما إن نبدأ بالتعرف عليها والتعلق بها حتى يخطفها منا، ويستبدلها بنقيضها: المرض، الموت، والألم، والبكاء، والحزن.
ولا يفعل الزمن هذا عبثاً، بل لعلّ في هذا التفاعل بين النقيضَين درساً عظيماً للإنسان. فهل كنا سنعرف معنى الأمان لو لم نعرف الخوف؟ وهل كنا سندرك قيمة الشبع لو لم نجرّب الجوع؟ وهل كنا سنفهم معنى النصر والنجاح لو لم نختبر الفشل والهزيمة؟ بالطبع لا. فنحن لا نعرف الأشياء إلّا بعد التجربة، والتجارب هي التي تعلمنا وتطوّرنا وتنقلنا من حال إلى حال.
وهي التي تكون سبب ارتقائنا أو سبب سقوطنا؛ فالتجارب ترفعنا حين نتعلم منها، وقد تهوي بنا إلى الحضيض إن لم نتعلم شيئاً. وما الحضارات البشرية كلها إلا تراكم طويل للتجارب الصغيرة التي راكمتها الأجيال، فالسدود والأنهار والمنشآت الهندسية، التي نراها اليوم على سبيل المثال، لم تولد دفعة واحدة، بل ربما بدأت من تجربة بسيطة يمكن لنا أن نتخيّلها، إنسان ما بسيط، أقام كوخاً بدائيّاً قرب جدول ماء. وحين فاض الجدول خشي أن تجرف المياه كوخه أو تُفسد مؤونته، فوضع حجراً كي يحبس الماء بعيداً عنه، أو يغيّر مجراه، أو حفر مجرى صغيراً يحمي به مسكنه. ثم لاحظ صحة أو خطأ ما فعل، فحاول أن يعد التجربة بصورة أكثر تطوراً.
إغفال الذاكرة أو إسكاتها قد يكون نوعاً من الانتحارين، الوجودي والمعرفي، وخيانةً للأجيال القادمة في بعض الأحيان
ومن تلك الملاحظة البسيطة ولدت فكرة، ثم أضيفت إليها أفكار أخرى، وهكذا تراكمت الخبرات وتنوّعت جيلاً بعد جيل. وتضاعفت الخبرات وتنوعت القياسات، حتى ظهرت الخطوط والحسابات والهندسات، وتحوّلت تلك التجارب المتواضعة إلى ما نعرفه اليوم من علوم الري والسدود والهندسة المائية والتي بدأت ربما بتحريك حجر. وهكذا تتقدم البشرية: تجربة صغيرة تتحول إلى معرفة، ومعرفة تتحول إلى علم، وعلم يورثه جيل لجيل.
ونحن البشر نمضي من محطة إلى أخرى في قطار الزمن، ويستحيل علينا أن نوقفه، لأنّه مع وقوفه سوف يتوقف كل شيء، وسيصبح من الإعجاز والمستحيل تعلم شيء أيضاً. فهذا الغول الرهيب الذي يبتلع أعمارنا وحياتنا وتجاربنا الشخصية، لا يُبقي لنا منه سوى ذاكرة عن تلك التجربة، وهذه الذاكرة هي التي تحارب الجهل والنسيان والعدم، ولعلّها أول ما انتبه إليه الإنسان حين أدركه الرعب والهلع من قاهره الفناء؛ فسارع يخطّ خطوطاً على الصخر، أو يرسم رسوماً يقول من خلالها “كنت يوماً هنا”، ولولا تلك الخطوط والرسوم لما عرفنا أنّ حضارات وشعوباً وأفراداً مرّوا من هنا، ولما تعلمنا منهم شيئاً. بل لربما بقينا أسرى بداياتنا الأولى، لا نعرف عن أنفسنا وعمّا يحيط بنا إلا أقل القليل.
والذاكرة هي من نقلتنا من طور الإنسان البدائي إلى الإنسان الذي نحن عليه الآن، وهي كل ما يبقى لنا من أثر الحضارات والشعوب، ومن الآباء والأجداد. ولا يبقى منهم ما يعرّفنا عليهم سوى ما تركوه من تلك الآثار والروايات. ولذلك إغفال الذاكرة أو إسكاتها قد يكون نوعاً من الانتحارين، الوجودي والمعرفي، وخيانةً للأجيال القادمة في بعض الأحيان.
وعندما ننتقل إلى ذاكرة ما يخصّ التجربة السورية، نجد أنفسنا أمام ذاكرة متخمة بالتجارب والأحداث والوقائع والمرويات ولم تزل تسجل أحداثاً ووقائع وتجارب جديدة، غريبة وفريدة من نوعها يوماً بعد يوم خمسة عقود، تعود في أصلها ونشوئها إلى الأحداث الجسام التي وقعت على الأرض السورية، وحمم النيران التي كان يلقيها الأسد الأب والابن فوق رؤوس السوريات والسوريين، وهي أحداث تكاد تكون منفلتة عن الخبرات التي اكتسبتها الحضارات والبلدان والإنسان عبر الزمن. ولا يتردّد هذا الزمن في أن يلتهم حتى هذه الذاكرة، ويحيل تلك التجربة إلى حدث وكأنه لم يكن، وبذلك تغدو أعمار الملايين من السوريات والسوريين ممن عاشوا تلك التجربة، ومنحوا آخرين أعماراً إضافية ليكونوا شهوداً عليهم وعلى تجربتهم، وليحكوا عنهم وعن الأيام الرهيبة التي عاشوها، فما من حدث جرى في تلك الحقبة الأسدية، وفي الثورة السورية تحديداً، إلا ويمكن أن يكون درساً تتعلم منه الأجيال القادمة وإلا لضاعت سدى تضحيات الدم والصبر على الجوع، وضاع سدى كل ذلك العذاب.
فكم من كوخٍ تدمر في الثورة السورية، وكم من بيتٍ قُصف، وكم من جدولٍ فاضت مياهه بالدماء، وكم من جوعٍ تفشّى، وكم من مآسٍ ولّدتها الكراهية؟ أليس ما أفضى إليه العنف والدم والجوع والكراهية مدعاةً للتفكير في كيفية صناعة المحبة وتجنّب أسباب الكراهية والعداء؟ لكن في المقابل فقد تركت الثورة السورية، دروساً لا تُحصى في فهم الشقاء وكيفية تجنّبه، وفي فهم آثار الجوع والبرد والتعذيب والقتل والاستبداد. من هنا تتبدّى أهمية إحياء ذاكرة الثورة السورية، فإحياؤها ليس استدعاءً للماضي من أجل العودة إليه، ولا نكأً للجراح، ولا بكاءً على الأطلال، بل هو فعل يهدف إلى حماية الحياة نفسها من تكرار المأساة. ووفاء لمن رحلوا، وللتجارب التي عاشوها، ووفاء للمعنى الذي يبقيه الزمن للإنسان بعد أن يأخذ منه كل شيء.
الذاكرة ليست مجرّد استذكار لما كان، بل هي الجسر الذي تعبر عليه الخبرة من جيل إلى جيل، وهي السلاح الأخير في مواجهة النسيان والعدم.وإحياء الذاكرة علم ومنهج وعمل مؤسّسي يقع على عاتق المختصين، ويتجلى في مناهج التعليم، ومراكز البحوث، والأدب، والفكر، والفن. غير أن ما يتردّد أحياناً في الأوساط الفنية والثقافية السورية يوحي بوجود نزعة تدعو إلى الابتعاد عن ذاكرة الثورة السورية بحجّة أن السوريين شبعوا من الحرب والدم والكراهية. لكن من قال إنّ إحياء الذاكرة يعني إحياء الدم والكراهية والحرب؟ الأمر على العكس تماماً. فمهمة الذكرة أرقى من كل هذا الوضيعات، وهي من تحاول أن تحول دون تكرار المأساة مرّة جديدة من خلال فهم أسبابها. وهي لا تستحضر الفظائع من أجل تمجيدها، بل من أجل تجنبها.
وظيفة الذاكرة أن تفسر وتمحّص وتتأمل فيما وقع، لكي تبني عليه ما هو جديد ومختلف وأفضل. وذاكرة الثورة السورية ما تزال حاضرة في شريان الحياة اليومية، وما تزال آثارها ونتائجها مستمرّة. ولذلك على القائمين على الفن والفكر الثقافة والسياسة أن يسهموا في إحياء هذه الذاكرة، لا باعتبارها استعادة للماضي، بل باعتبارها مصدراً للخبرة والمعرفة، ويجري هذا عبر رويها بأدوات الفكر والأدب والفلسفة والفن، فالحدث في لحظته حدثٌ يخطف كل الاهتمام، ولا يكاد يتيح لمن وقع عليه الحدث أن يعيه أو يتأمل فيه، إذ ليس لديه مثل هذا الترف. وحتى إن استطاع أن يعي، فإنه سيعي، في الغالب، ما حدث له هو؛ وهذا الجزء الصغير من الوعي يشكّل حكاية أو جزءاً صغيراً جدّاً من ذاكرة، لكنه لا يستطيع أن ينوب عن باقي الحكاية. ولا تكون الذاكرة هي ذاكرة كل الثورة السورية العظيمة، التي لديها حكايات بحجمها، وبعدد ذرّات دماء شهدائها وقطرات عرق محرّريها من الطغيان. لذلك يحتاج السوريون والسوريات إلى أن يعرفوا ما جرى لهم من أحداث ووقائع وحكايات، ليدركوا حجم تضحياتهم، وحجم صبرهم وانتصارهم وعزّتهم. والحكايات التي من هذا النوع ليس لديها بطل أوحد، ولا زعيم أوحد، وإنما هناك ملايين الأبطال، وكل واحد من هؤلاء بطل في الحكاية.
وطالما أن السينما والمسرح والدراما التلفزيونية والبرامج الإعلامية الأسرع وصولاً إلى الناس والأكثر متابعة، فليتصدى المشتغلون بهذه الحقول لهذه المهمة؛ رواية حكاية الثورة، وإعادة ألق الذاكرة إليها، لمعرفة ما يمكن الاستفادة منه لنا ولأجيالنا القادمة.