بين واجهات المتاجر المغلقة وآلاف عناصر الشرطة المنتشرين في المدن الفرنسية، تبدو الدولة وكأنها تستعد لمعركة أمنية. لكن السؤال الذي ينبغي أن يواجه الحكومة ليس كم شرطياً تستطيع نشره، بل لماذا أصبحت عاجزة عن إقناع مواطنيها بأن مؤسساتها قادرة على حماية مصالحهم وتأمين مستقبلهم؟ فحين تحتاج دولة بحجم فرنسا إلى هذا الاستنفار لمواجهة غضب اجتماعي متصاعد، فإن المشكلة لا تعود في الشارع وحده، بل في السياسة التي أوصلت الشارع إلى هذه الحالة. تستطيع الشرطة تفريق المتظاهرين، لكنها لا تستطيع تفريق أسباب غضبهم، ولا تحويل الإحباط إلى ثقة، ولا إعادة الأمل إلى جيل يشعر بأن المستقبل يُغلق أبوابه أمامه.
ما يحدث في فرنسا ليس مجرد احتجاجات عابرة على ارتفاع الأسعار، ولا أعمال شغب يمكن إنهاؤها بحملة اعتقالات واسعة. فقد بدأت الحركة بمطالب طلابية تتعلق بنقص المدرسين واكتظاظ الفصول ومشكلات القبول الجامعي، ثم اتسعت لتلامس القدرة الشرائية وتكاليف المعيشة وتراجع الخدمات العامة. وعلى الرغم من اختلاف تقديرات أعداد المشاركين بين السلطات والنقابات، فإن اتساع الاحتجاجات يكشف أن الغضب تجاوز المطالب القطاعية، وأصبح تعبيراً عن شعور متراكم بأن الدولة لم تعد توفر الفرص والخدمات التي اعتاد الفرنسيون اعتبارها جزءاً من حقوقهم الأساسية.
والأخطر أن الأزمة لم تعد تتعلق بما يملكه المواطن في جيبه فحسب، بل بما يستطيع أن يتوقعه من مستقبله. فالشاب الذي لا يجد في المدرسة تعليماً يضمن تكافؤ الفرص، ولا يرى في الجامعة طريقاً واضحاً إلى العمل، ثم يكتشف أن دخله المحتمل لن يكفي لتأمين مسكن وحياة مستقرة، لا يشعر بأنه يواجه أزمة أسعار مؤقتة، بل بأن الوعد الاجتماعي الذي قامت عليه الجمهورية الفرنسية يتآكل أمام عينيه. فالتعليم والعمل، اللذان شكّلا لعقود طريقاً للترقي الاجتماعي، لم يعودا يقدمان الضمانات نفسها. وحين يفقد المواطن ثقته في هذا الطريق، لا يعود غضبه موجهاً إلى قرار حكومي بعينه، بل إلى منظومة يشعر بأنها لم تعد تعمل لمصلحته.
حين يفقد التعليم والعمل والسكن القدرة على صناعة الأمل يتحول الغضب الاجتماعي من أزمة معيشية إلى أزمة سياسية عميقة
وتتفاقم الأزمة في ظل ضغوط مالية متزايدة، إذ بلغ الدين العام الفرنسي نحو 119 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في نهاية الربع الثاني من عام 2026. وهذا يضع الحكومة أمام معادلة صعبة بين تقليص العجز والحفاظ على الخدمات العامة والقدرة الشرائية. لكن المسألة لا تتعلق بضرورة الإصلاح المالي وحدها، بل بمن يدفع ثمنه. فالتقشف لا يصبح مجرد خيار اقتصادي عندما يشعر أصحاب الدخول المتوسطة والمنخفضة بأنهم يتحملون أعباءه الأكبر، بل يتحول إلى اختبار للعدالة الاجتماعية وشرعية القرارات الحكومية. ولا يمكن مطالبة المواطنين بالصبر والتضحية بينما لا يلمسون عدالة في توزيع الأعباء أو نتائج ملموسة للإصلاح.
وقد أعلنت الحكومة إجراءات لتحسين التعليم وزيادة المقاعد الجامعية وتخفيف بعض أعباء الوقود والنقل. لكنها تظل استجابات جزئية إذا لم تندرج ضمن سياسة أوسع تعالج جذور الاحتقان. فالمساعدات المؤقتة لا تحل أزمة السكن، والوعود بإصلاح التعليم لا تبدد فوراً مخاوف الطلاب، كما أن تخفيف فاتورة الوقود لا يعالج الفجوة بين الأجور وتكاليف الحياة. واستمرار الاحتجاجات رغم بعض التنازلات يكشف أن المشكلة ليست فقط في حجم ما تقدمه الحكومة، بل في تراجع الثقة بقدرتها على تحويل الوعود إلى واقع.
وهنا ترتكب السلطة خطأ سياسياً حين تتعامل مع الأزمة باعتبارها اختباراً لهيبة الدولة، لا اختباراً لقدرتها على الاستماع إلى المجتمع. فالهيبة لا تُستعاد بكثافة الحواجز الأمنية، ولا بإظهار القدرة على السيطرة على الشوارع، بل بقدرة المؤسسات على تقديم حلول تقنع المواطنين بأن الدولة ما زالت قادرة على أداء وظائفها. والحوار مع النقابات والطلاب والبلديات والفئات المتضررة ليس تنازلاً أمام المحتجين، بل اعتراف بأن الأزمة لا يمكن أن تُدار من غرف العمليات الأمنية وحدها. والمطلوب إجراءات واضحة، وجداول زمنية قابلة للمحاسبة، وعدالة في توزيع التضحيات، لا مزيد من الوعود العامة التي تفقد قيمتها مع كل موجة احتجاج جديدة.
أما سياسياً، فإن استمرار هذا الانفصال بين الشارع ومؤسسات الحكم يهدد بتوسيع الفجوة مع التيارات السياسية التقليدية، ويفتح المجال أمام القوى الأكثر راديكالية لتوظيف الغضب وتقديم نفسها بديلاً عن الطبقة الحاكمة. ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية عام 2027، لن يكون الاختبار مقتصراً على قدرة الحكومة على إعادة الهدوء، بل على قدرتها على إقناع الفرنسيين بأن النظام السياسي لا يزال يمتلك حلولاً لمشكلاتهم. فحين يفقد المواطن ثقته بجدوى الاحتجاج والحوار والانتخابات في تحسين ظروف حياته، تصبح الأزمة أعمق من خلاف بين حكومة ومحتجين؛ إنها أزمة ثقة في قدرة المؤسسات على تمثيل المجتمع والاستجابة له.
الخطر على فرنسا لا يكمن في الاحتجاجات وحدها بل في اتساع الفجوة بين المجتمع ومؤسسات الحكم التقليدية
وبالطبع، لا يعني ذلك تبرير التخريب أو الاعتداء على الممتلكات. فمن حق الدولة حماية المواطنين والمتاجر والمؤسسات العامة، ومن واجبها محاسبة المتورطين في العنف. لكن تحويل الاحتجاجات كلها إلى ملف أمني، والخلط بين أصحاب المطالب الاجتماعية والمخربين، يمنح الحكومة فرصة للهروب من السؤال الأصعب: لماذا يتسع الغضب أصلاً؟ فليس من المنطقي أن تنشغل الدولة بحماية واجهات المتاجر أكثر من انشغالها بمعالجة الظروف التي تجعل قطاعات من المجتمع تشعر بأنها فقدت حصتها في المستقبل.
إن المعضلة الفرنسية أن الحكومة تريد استعادة النظام في الشوارع من دون أن تقدم بعدُ ما يكفي لاستعادة الثقة في المؤسسات. وهي بذلك تخاطر بتحقيق هدوء ظاهري يخفي وراءه احتقاناً أعمق. فالشرطة تستطيع منع إحراق متجر، لكنها لا تستطيع خفض الإيجارات. وتستطيع تفريق مظاهرة، لكنها لا تستطيع إصلاح مدرسة أو توفير وظيفة مستقرة. أما القوانين العقابية، مهما بلغت صرامتها، فلا تستطيع أن تعيد للمواطن إيمانه بأن العمل والتعليم يفتحان أمامه أبواب التقدم.
المشكلة أن فرنسا لا تواجه فقط شارعاً غاضباً، بل دولة لم تعد وعودها الاجتماعية تقنع قطاعات متزايدة من مواطنيها. وقد تنجح الحكومة في إخلاء الشوارع واحتواء العنف، لكنها لن تنتصر على الأزمة ما دامت تتعامل مع الغضب باعتباره تهديداً أمنياً، لا إنذاراً سياسياً واجتماعياً. فالشرطة تستطيع شراء الوقت، لكنها لا تستطيع شراء الاستقرار؛ وما لم تنتقل الحكومة من إدارة الاحتجاج إلى معالجة أسبابه، فإن الهدوء الذي تفرضه القوة سيظل هدنة مؤقتة بين موجتين من الغضب.