ماهين شيخاني كاتب.
المهرجان الحادي والثلاثون يجدد حضور القصيدة الكوردية ويمنح الشباب والمرأة مساحة أوسع
لم يكن المهرجان الحادي والثلاثون للشعر الكوردي في سوريا مجرد مناسبة لإلقاء القصائد وتبادل التحايا الأدبية، بل كان تجديداً للعهد مع الكلمة الكوردية، واستحضاراً لمسيرة ثقافية امتدت لأكثر من ثلاثة عقود، واجهت خلالها القصيدة تحديات اللغة والمنفى والذاكرة، وظلت حاضرة بوصفها إحدى وسائل التعبير عن وجدان الشعب الكوردي وتطلعاته.
ففي مدينة قامشلو، وتحديداً في صالة زانا، يوم الجمعة 30 تشرين الأول/أكتوبر 2026، التأمت أصوات شعرية من أجيال وتجارب مختلفة، في الدورة الحادية والثلاثين للمهرجان، بحضور نخبة من الأدباء والكتاب والشعراء والمهتمين بالشأن الثقافي، إلى جانب ممثلي منظمات المجتمع المدني، ومشاركة لافتة من النساء.
وسجلت هذه الدورة مشاركة 57 شاعراً وشاعرة، فيما اعتلى منصة المهرجان 44 منهم لإلقاء قصائدهم أمام الجمهور. وعلى الرغم من تعذر وصول شعراء من بعض المناطق الكوردية، ولا سيما عفرين وكوباني ومناطق أخرى داخل سوريا، فإن تنوع المشاركات عكس استمرار الحضور الشعري واتساع دائرة الاهتمام بالأدب الكوردي.
القصيدة بين الأجيال… حضور يتجدد
ومن أبرز ما ميز هذه الدورة الحضور المتزايد للشباب والمرأة، مقارنة بالدورات السابقة، وهو مؤشر يستحق التوقف عنده؛ فاستمرار المهرجان لا يُقاس بعدد دوراته فحسب، وإنما بقدرته على استقطاب أصوات جديدة، وفتح المجال أمام تجارب شعرية تحمل رؤى وأساليب مختلفة.
وقد تنقلت القصائد المشاركة بين موضوعات وجدانية وإنسانية وقومية واجتماعية، عكست تعدد التجارب الشعرية وتباين اهتمامات أصحابها، وأكدت أن القصيدة الكوردية ليست محصورة في موضوع واحد، بل تتسع للحب والحنين والاغتراب والذاكرة والإنسان وقضايا المجتمع.
وكان للحضور النسائي دلالته الخاصة، إذ لم تعد المرأة مجرد متلقية للنتاج الأدبي، بل أصبحت شريكة في إنتاجه وتطويره وإغناء فضائه الإبداعي، فيما حملت مشاركة الشباب إشارة إيجابية إلى انتقال الشعلة الثقافية إلى أجيال جديدة.
من القصيدة إلى الأغنية… تلاحم الذاكرة الفنية
ولأن الشعر والغناء يشكلان جناحين متلازمين في الوجدان الكوردي، تخللت فعاليات المهرجان فقرات فنية قدم خلالها عدد من الفنانين أغنيات مستمدة من الفلكلور الكوردي الأصيل، لتلتقي الكلمة الشعرية بالنغم التراثي في أجواء أعادت إلى الذاكرة صلة الأدب بالموروث الشعبي.
وفي إطار الوفاء للتجارب الإبداعية وتقدير العطاء الشعري، منحت إدارة المهرجان درع هذه الدورة للشاعرة أناهيتا سينو، من مدينة سري كانيه، تقديراً لمسيرتها الأدبية وإسهاماتها في المشهد الشعري الكوردي.
كما جرى توزيع كتاب على الحضور، ضم القصائد التي أُلقيت في الدورة السابقة، في خطوة توثيقية تتيح حفظ النتاج الشعري للمهرجان، وتحويله من لحظة إلقاء عابرة إلى مادة أدبية قابلة للقراءة والعودة إليها.
من عفرين عام 1993 إلى قامشلو 2026… مسيرة لم تنقطع
تعود انطلاقة مهرجان الشعر الكوردي إلى عام 1993، عندما أقيمت دورته الأولى في قلعة نبي هوري بمدينة عفرين، بالتزامن مع إحياء ذكرى رحيل الشاعر الكوردي الكبير سيدايي جكرخوين (Cegerxwîn).
وفي تلك المناسبة، صدر بيان أعلن اعتماد ذلك اليوم يوماً للمهرجان الشعري الكوردي، لتتوالى الدورات على امتداد السنوات، محافظة على تقليد ثقافي بات يشكل إحدى المحطات المهمة في الحياة الأدبية الكوردية في سوريا.
إن الوصول إلى الدورة الحادية والثلاثين يحمل أكثر من دلالة؛ فهو تعبير عن إصرار أجيال من الشعراء على إبقاء اللغة حية في فضاء الإبداع، وعن أهمية المبادرات الثقافية التي تتجاوز الظروف السياسية والاجتماعية والجغرافية.
ومع ذلك، فإن هذه التجربة تستحق خطوات إضافية في التوثيق والنشر، وتوسيع المشاركة لتشمل جميع المناطق الكوردية، وإتاحة مساحة أكبر للشعراء الشباب، فضلاً عن ترجمة نماذج من القصائد إلى لغات أخرى، كي لا تبقى هذه التجارب حبيسة حدودها الجغرافية واللغوية.
كلمة أخيرة
ثلاثة عقود وأكثر، وما زالت القصيدة الكوردية تجد طريقها إلى المنصة، وما زال الشعراء يحملون حروف لغتهم إلى جمهور ينتظر صوتها.
فالمهرجان ليس مجرد موعد سنوي، ولا منصة لتبادل القصائد والأوسمة؛ إنه ذاكرة ثقافية متجددة، وشهادة على أن اللغة التي تجد من يكتب بها ويغنيها ويوثقها، لا يمكن أن تغيب بسهولة.
قد تتغير الأمكنة، وتتبدل الأجيال، وتختلف الأصوات والأساليب، لكن القصيدة تظل شاهدة على زمنها، وحافظة لذاكرة أهلها.
فاللغة لا تعيش في القواميس وحدها، بل تعيش حين تتحول إلى قصيدة تُقرأ، وأغنية تُغنّى، وذاكرة تنتقل من جيل إلى جيل.