انتشر منذ عدة أيام فيديو مرعب على وسائل التواصل الاجتماعي، يظهر فيه صاحبُ ورشة يُعذب أطفالاً يعملون لديه تعذيباً وحشياً، وتتعالى منهم صرخات تُمزِّق القلوب، ليُنشَرَ بعده خبرٌ يُفيد بإلقاء القبض على المجرم من قبل السلطات، ومن ثم فيديو آخر لمسؤول يستجوبه في مكتب، يجلس المسؤول وراء مكتبه، في حين جلس المجرم مرتاحاً على كنبة، ويدور بينهما حوار يسأله فيه المسؤول لماذا كان يعذب الأطفال، ليُجيبه المجرم بأن ذلك كان بغرض تأديبهم، فيسأله المسؤول بلهجة أقرب إلى عتاب الأحبة: وهل هكذا  يُؤدَّب الأطفال؟ ليُطالعنا بعد ذلك فيديو آخر يظهر تبرئة المجرم وإطلاق سراحه، مُرفَقاً بموسيقى تصويرية فَرِحة بهيجة، يظهر فيها متأنقاً وقد اصطفَّ الأطفال الذين عَذَّبهم يهنئونه واحداً بعد آخر بالسلامة.

ورغم علمي الأكيد أن هذه ليست حادثة معزولة في مجتمعنا الذي تنتشر فيه ظاهرة تعذيب الأطفال، بل وتُعَدُّ ظاهرة يومية عادية، إلا أنني توقعت أن يُثير نشر هذه المقاطع الوحشية على وسائل التواصل الاجتماعي استنكاراً هائلاً من قبل الناس، وخاصة بين الحقوقيين والمدافعات والمدافعين عن حقوق الإنسان، لأُفاجأ بأن الخبر مرَّ مرور الكرام عدا بعض الأصوات القليلة التي كتبت تستهجن هذه الحادثة البشعة.

تلا ذلك حادثةُ توقيف المخرج صالح جمال الدين في مخفر مشروع دمر بدمشق، بعد استدعائه على خلفية توثيقه في تسجيل مُصوَّر اعتداءَ رجل على طفل ومحاولته التدخل لإنقاذه، وكأنَّ السلطات تثبت موقفها بالتساهل مع المعتدين على الأطفال وإسكات المدافعين عنهم، بل تحويل المُدافعين إلى جناة.

إن دلالات هذه الحوادث وتبعاتها كثيرة، تطرح سؤالاً هاماً: ما مصير أجيالنا القادمة؟ والتي يُعوَّلُ عليها النهوض بمجتمعنا الجريح الكسير؟

تستدعي هذه الحادثة الهمجية سؤالاً ملحّاً: ما هو وضع الأطفال مع العنف المُطبّق عليهم قانونياً ومجتمعياً؟ وماهي نتائجه على تكوين شخصياتهم ومستقبلهم؟

قانونياً، يُعَدُّ الإعلان الدستوري حجرَ الأساس في معالجة أي مسألة قانونية في المرحلة الانتقالية، التي يُفترَض أن يحكمها هذا الإعلان.

يَرِدُ في المادة 12 من الإعلان الدستوري:

تصون الدولة حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وتكفل حقوق المواطن وحرياته.

تُعَدُّ جميع الحقوق والحريات المنصوص عليها في المعاهدات والمواثيق والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان التي صادقت عليها الجمهورية العربية السورية جزءاً لا يتجزأ من هذا الإعلان الدستوري.

وفي المادة 22:

تعمل الدولة على حماية الأطفال من الاستغلال وسوء المعاملة، وتكفل حقهم في التعليم والرعاية الصحية.

وقد صادقت سوريا على اتفاقية حقوق الطفل بموجب القانون رقم 8 عام 1993، مع تحفظات على المادتين 20 و21 المتعلقتين بحرية الدين والتبني، أي أنها وافقت على جميع المواد الأخرى المتعلقة بحقوق الأطفال في الحماية والرعاية والجنسية والصحة والتعليم وغيرها، ومنها المواد التالية من الاتفاقية:

المادة 16
1- لا يجوز أن يجرى أي تعرّض تعسفي أو غير قانوني للطفل في حياته الخاصة أو أسرته أو منزله أو مراسلاته، ولا أي مساس غير قانوني بشرفه أو سمعته.

2- للطفل حق في أن يحميه القانون من مثل هذا التعرض أو المساس.

المادة 19
1- تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير التشريعية والإدارية والاجتماعية والتعليمية الملائمة لحماية الطفل من كافة أشكال العنف أو الضرر أو الإساءة البدنية أو العقلية والإهمال أو المعاملة المنطوية على إهمال، وإساءة المعاملة أو الاستغلال، بما في ذلك الإساءة الجنسية، وهو في رعاية الوالد (الوالدين) أو الوصي القانوني (الأوصياء القانونيين) عليه، أو أي شخص آخر يتعهد الطفل برعايته.

كما يُفترَض أن قانون حقوق الطفل رقم 21 للعام 2021 ما يزال نافذاً في سوريا، وهو الذي ينص في المادة 14 منه:

أ.  للطفل الحق في الحماية من أشكال العنف كافة، وخاصة الإساءة البدنية، أو المعنوية، أو الجنسية أو الأخلاقية، وغير ذلك من أشكال الإساءة في المعاملة، وله الحق في الحماية من الاستغلال، والإهمال، والتقصير، والتشرد، والأخطار المرورية، والممارسات الخطرة.

‌ب- تكفل الدولة إصدار التشريعات واتخاذ التدابير الإدارية والاجتماعية والتربوية والوقائية لتوفير هذا الحق.

ويُعاقِب القانون السوري على الضرب والتعذيب بعقوبات مُشدَّدة، إذ تصل عقوبة التعذيب (وفق القانون رقم 16 لعام 2022) إلى السجن المؤقت 3 سنوات على الأقل، وتصل إلى المؤبد في حال العاهة الدائمة أو إذا وقعت على طفل.

ولكن ما مدى تنفيذ هذه الأحكام القانونية في ظل الانفلات الأمني الموجود حالياً، حيث غدا القانون تقديرات شخصية للشيخ المُتحكِّم بأمن كل منطقة على حدة، ومبنياً على رؤاه وتفسيراته الخاصة، ما يتناقض مع مفهوم الدولة المحكومة بسيادة القانون.

لكن في عودة إلى دلالات الحادثة التي ذكرناها، ومدى تأثيرها على الأطفال الذين مورس بحقهم هذا التعذيب الوحشي. فإن الدلالة الأولى هي عمالة الأطفال رغم أنّ قانون حقوق الأطفال السوري ينص:

المادة 36:

‌أ- يُحظَر تشغيل الطفل الذي لم يتم الخامسة عشرة من عمره.

‌ب- يُحظَر استغلال الطفل اقتصادياً أو في أداء أي عمل يُرجَّح أن يكون خطيراً، أو يمثل عائقاً لتعليم الطفل، أو أن يكون ضارّاً بصحته، أو بنموه البدني أو العقلي أو الروحي أو المعنوي أو الاجتماعي.

المادة 37:

تقوم الوزارة (أي وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل) بالتعاون مع الجهات المعنية بالآتي:

‌أ- مراقبة أماكن عمل الطفل والتحقق من شروط وظروف عمله، من قبل مفتشي العمل.

‌ب- توفير التأهيل والتدريب المهني المناسب للطفل.

‌ج- تقديم المساعدة الصحية والنفسية لمن تأذى من الأطفال بسبب العمل.

المادة 38:

يجب على صاحب العمل، في حال تشغيله طفلاً أو أكثر:

‌أ- أن يُعلن في مكان العمل القواعد والتعليمات الخاصة بتشغيل الأطفال، وخاصة ساعات العمل، وفترات الراحة، والشخص المسؤول عن مراقبة عمل الطفل.

‌ب- أن يقوم بالاشتراك عن الطفل لدى المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية في المحافظة.

المادة 39:

‌أ- يتقاضى الطفل مستحقاته كاملة وفق قانون التأمينات الاجتماعية إذا تعرض لإصابة عمل في أثناء عمله أو بسببه سواء أكان مشتركاً عنه في مؤسسة التأمينات الاجتماعية أم غير مشترك عنه.

‌ب- يحق للطفل مطالبة صاحب العمل بالتعويض عن الضرر الذي لحق به، إذا تبين وجود تقصير أو إهمال في تدابير الصحة والسلامة المهنية التي يجب على صاحب العمل اتخاذها، إضافة لحصوله على مستحقاته بموجب الفقرة (أ) من هذه المادة.

ومن الدلالات الأخرى المتعلقة بالحادثة المذكورة حرمان هؤلاء الأطفال من التعليم، والضرب بعرض الحائط بالمادة 27 من قانون حقوق الطفل والتي تنص على ما يلي:

تكفل الدولة حق الطفل في التعليم بمستوياته المختلفة، وتعمل على رفع السوية العلمية باستمرار، ويكون التعليم في المدارس العامة مجاناً، وإلزامياً في مرحلة التعليم الأساسي.

إضافة إلى أن القانون رقم 7 لعام 2012، الناظم لعمل التعليم الإلزامي، لم يكن يوماً سوى حبر على ورق، وهو القانون الذي يتضمن حق الطفل في التعليم حتى نهاية مرحلة التعليم الأساسي، أي نهاية المرحلة الإعدادية، ويُطبق عقوبات بحق الأهل الذين لا يلتزمون به.

وبحسب تقرير اليونيسيف الأخير عن الأطفال في سوريا، فإنه في عام 2025 يحتاج 16.7 مليون شخص، بما في ذلك 7.5 مليون طفل إلى الدعم الإنساني، منهم 2.45 مليون طفل غير ملتحقين بمدرسة، و2 مليون طفل معرضين لخطر سوء التغذية.

هذا من الناحية القانونية أما من الناحية الاجتماعية، فالعنف ضد الأطفال مُشرعَن أسرياً ومُجتمعياً، إذ يُعَدُّ العنف الأسري ضد الأطفال ظاهرة مقبولة اجتماعياً، بل أحياناً مُحبَّذة ووسيلة أمثلَ لتربية الأطفال، ما جعل أُسراً كثيرة هاجرت إلى بلاد غربية تستغرب تطبيق أحكام قانونية ضدها عند ضربها لأطفالها وتعنيفهم، وروجت تلك الأسر لأسطورة أن الحكومات الغربية تستهدف سحب أطفالهم منهم دون وجه حق.

كما سادت أعراف اجتماعية، بدت طبيعية ومقبولة، كمقولة الأهل للمعلم «اللحم إلك والعظم إلنا»، دلالةً على حريته في سلخ لحم الطفل عن عظمه في سياق تعليمه.

حتى الأمهات اللاتي يوصفنَ في مجتمعاتنا بالعاطفة والحنان لا يتورعنَ عن استخدام العنف ضد أطفالهن، وخاصة الفتيات منهنّ، بحجة تأديبهم-نّ. وكنت أستغرب دائماً الروح الساخرة التي يكتب فيها حتى الحقوقيون والناشطون السياسيون، مُستذكِرين الشحاطات الطائرة في علاقتهم بأمهاتهم، ويصل الأمر أحياناً إلى مباركة الأم لجرائم الشرف التي تُرتكَب بحق إحدى بناتها غسلاً للعار. وكم من مراهقة قُتلت بدم بارد على يد أحد أفراد العائلة لاشتباه أنها على علاقة عاطفية بأحدهم، وقد قاطع أهل قريةٍ في سوريا إحدى العائلات التي لم تقتل ابنتها المراهقة بعد انتشار خبر علاقتها العاطفية بأحد الشباب.

البُعد الأهم للحادثة برأيي هو تأثيرها على نفسيات هؤلاء الأطفال وتكوين شخصياتهم، بحيث تصطبغ نشأتهم بقبولهم العنف كقدر محتوم يُطبقه الأقوى على الأضعف. ألن يُصبح ذلك قاعدة لسلوكهم اليومي عندما يكبرون ويمتلكون القوة والسلطة على من هو أضعفُ منهم؟ خاصة بإخضاعهم وإجبارهم على المشاركة في تهنئة مُعذِّبهم بخروجه سالماً غانماً من قسم الشرطة، خروج الفاتح المنتصر.

أهذا ما سنتركه للأجيال القادمة التي يُعوَّل عليها في إعادة بناء بلد دمرته عقود متعاقبة من الحروب والاستعمار والاستبداد؟ أهذا هو مستقبل الإنسانية في هذا العالم الذي يرتد يوماً بعد يوم إلى عهود الهمجية والبدائية مُغلَّفاً بقشرة واهية من الحضارة التكنولوجية التي لا تخدم سوى قوى السيطرة والشر في العالم؟

كيف لنا أن ننقذ أطفالنا من مصير مظلم، لا ينبئ بأنه سيكون أفضل من تعاسة الزمن الذي عشناه.

أعتقد أن البؤس الإنساني الذي وصلت إليه، ليس شعوب المنطقة فحسب بل الحضارة البشرية بأكملها، لن ينقذنا منه سوى الأمل بمحاربة كل هذه الظلامية والجهل، لا بالقوة الهوجاء، بل بالعمل داخل مجتمعاتنا لإعادة بناء النفس البشرية على قيم الحق والعدالة والإنسانية، والاستمرار في النضال من أجل دولة العدالة والحق والقانون.

هو طريق شاق وطويل، ولكن ليس لدينا رفاهية الاستسلام رغم كل الإحباطات والخيبات.