ساطع نورالدين.. كاتب وباحث لبناني.
البحث عن موقع لبنان في اتفاق “الخذلان” الأميركي الإيراني، يزداد صعوبة يوماً بعد يوم. سببان للشعور العام بالإحباط اللبناني من ذلك الاتفاق: ليس هناك ما يوحي بقرب وقف اطلاق النار في الجنوب. وليس هناك فرصة بان تكون للبنان حصة، ولو بنسبة عشرة بالمئة كما شيّع مؤخراً في بيروت، في مشروع مارشال الأميركي الجديد الذي وقعه الرئيس دونالد ترامب لاعادة بناء إيران ودمجها في الاقتصاد العالمي والاعتراف بهيمنتها على الخليج العربي ومضيقه المهم، وحقها في تحصيل 300 مليار دولار من احتياطياته المالية.
وليس من المطمئن أبداً ان يصبح لبنان عقدة مركزية فعلاً تختزل الخلافات الأميركية الإسرائيلية التي لم تعد نزاعاً عابراً بين بلدين وشعبين ربطت بينهما علاقات تاريخية وثيقة تتصدع هذه الأيام بشكل مذهل، يعبر عنه ترامب الذي جاهر بانه “لولاه لما كانت إسرائيل”، ونائبه جي دي فانس الذي يوصف كلامه الأخير بأنه أجرأ وأهم ما صدر من أميركا ضد الدولة الإسرائيلية وحكومتها..مع أنه قد يبقى مجرد نزاع سياسي داخل العائلة الواحدة، يمكن ان يحل حبياً في أقرب انتخابات أميركية او إسرائيلية.
ما يهم الآن هو أن لبنان بات المعيار الأبرز لما يمكن ان ينتجه ذلك الردح الأميركي الإسرائيلي المتبادل الذي لم يسبق له مثيل، والذي خرق بالفعل بعض المحرمات “العائلية” بين البلدين، وهو يمس الآن جوهر العقيدة والوظيفة الإسرائيلية في محيطها العربي المباشر. وبهذا المعنى صارت جبهة الجنوب اللبناني خاصة مرآة تعكس النزاع بين “القرار الوطني الإسرائيلي المستقل” وبين الإرادة السياسية الأميركية التي كانت ولا تزال وستظل تعتبر دولة إسرائيل رديفاً، لا يحق له الاعتراض ولا الاجتهاد في أي شأن إستراتيجي أميركي.
وبكلمة أخرى أصبح لبنان، وجنوبه تحديداً، ميداناً عسكرياً لصراع انتخابي حاسم بين الحكومتين الأميركية والإسرائيلية اللتين باعدت بينها أصوات الناخبين وهما تستعدان لفتح صناديق الاقتراع بحملة عسكرية مثيرة للجدل والشك، على المنطقة الحدودية الصفراء من الجنوب اللبناني، وما كان يمكن أو ينبغي ان يشملها وقف اطلاق النار. والجواب الإسرائيلي على هذا السؤال، لا يدع مجالا للشك في ان الحرب على هذه الجبهة، تقع خارج التفاهم الأميركي الإيراني، وتتجه نحو مزيد من التصعيد، لاختبار أو ربما تحدي الإرادة الأميركية، التي منحت طهران أكثر بكثير مما توقعت، على جميع الجبهات، حتى اللبنانية.
ومن المشكوك فيه ان تصمد هذه الإرادة الأميركية أمام الصلف الإسرائيلي تجاه لبنان، خاصة وأن الأدوات والأساليب التي يعتمدها الاميركيون لا توحي بالجدية، بدليل اقتراح ترامب الجنوني الاستعانة بالرئيس السوري أحمد الشرع لقتال حزب الله، أو بالتردد في دعم المفاوض اللبناني، وتاليا الجيش اللبناني، في مسعاهما الحثيث لاستعادة السلطة والسيادة في الجنوب.
نص التفاهم الأميركي الإيراني، الذي وهب إيران وقفاً نظرياً لاطلاق النار على الجبهة الجنوبية، كان يمكن إهداؤه للبنان مباشرة، ساهم في تعميق الصلة التي كانت تتفكك خلال الأشهر الماضية بين طهران وبين حزب الله وجمهوره.. وربما ساعد أيضا في إعادة ربط المسار اللبناني بمسار المفاوضات الأميركية الإيرانية المباشرة وما تحتمله من مناورات ومساومات لن يظل من السهل على لبنان ان يتفاداها، إلا بالهامش الذي تتيحه مفاوضات واشنطن اللبنانية الإسرائيلية المباشرة، وهو هامش يضيقه الإسرائيليون يومياً، ولا يعتبره الاميركيون جديراً بالاهتمام.. طالما انه يجوز إهداء لبنان الى كل من إسرائيل وإيران معا، ليكون جبهتهما الحصرية للحرب، ومنصتهما الجذابة للتفاوض والتصالح في المستقبل القريب!
بيروت في 19 / 6 / 2026