حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني… موقع درج
ماذا أفعل وكيف أتصرّف إذا وجدت القبرين المتجاورين قد خلعهما الصاروخ؟ إذاً الأفضل لي أن أعبر من جوار الجبّانة وأُلقي التحيّة من بعيد، وأبتسم لأبي وأمّي، وأُكمل طريقي إلى بيروت.
لا أدري ما إذا كنت جبنت عن التحقّق ممّا إذا كان قبرا أبي وأمّي قد دمّرتهما الغارة الإسرائيلية التي استهدفت منزل أقاربي الملاصق للجبّانة في بلدتي شقرا. الغارة نفّذتها طائرة إسرائيلية في 2024، ودمّرت المبنى المؤلّف من ثلاثة طوابق، الواقع بمحاذاة الجبّانة تماماً.
بعد الهدنة قصدنا البلدة، لا لمعاينة المنزل أو الجبّانة، إنما للتجوّل فيها وتفقّد مئات المنازل التي دُمّرت، مررنا بالقرب من جبّانة العائلة. الأكيد أنها أصيبت، لكنّني لم أتوقّف للتدقيق بطبيعة الخسائر، قلت لنفسي إن علاقتي بأبي وأمّي بعد موتهما تتعدّى قبريهما. أنا لا أزور القبور، مستعيناً بهذا الادّعاء.
الأرجح أن الأمر يعود إلى “قلق القبور”، الشحنة العاطفية التي تنطوي عليها زيارة القبر أقوى من قدرتي على تحمّلها، ربما. لكنّي مرتاح لما أنا فيه من انقطاع عن القبور.
الغارة الإسرائيلية عادت وأيقظت أسباباً أخرى لهذا الانقطاع. ماذا أفعل وكيف أتصرّف إذا وجدت القبرين المتجاورين قد خلعهما الصاروخ؟ إذاً الأفضل لي أن أعبر من جوار الجبّانة وأُلقي التحيّة من بعيد، وأبتسم لأبي وأمّي، وأُكمل طريقي إلى بيروت.
لكنّ قبور أهالي القرى الخرِبة بفعل الحرب التي تشنّها إسرائيل على بلادنا، هي أوّل ما تشخص إليه أذهان الناس ووجداناتهم خلال تقصّيهم أحوال الدمار في قراهم.
ديما الصحافية الصاخبة بالكلام السياسي والشديدة الانحياز في خياراتها، لا سيّما عندما تتحدّث عن بلدتها الخيام، أخفضت صوتها وسألتني خلال حديثنا، ما إذا كنت أعرف شيئاً عمّا حلّ بجبّانة الخيام. لم ترِد ديما لسؤالها أن يكون جزءاً من النقاش، إنه سؤال عاطفي لا مكان فيه لانقساماتنا حول الحرب، وأنا من جهتي لم أجب على نحو ما أُجيب حين يتعلّق الأمر بسؤال عمّا أعرفه عن مصير الخيام. لم أقل إنني لا أعرف ماذا حلّ بالجبّانة، فقط أجبت بملامح النفي المرتسمة على وجهي من دون صوت، لم أحاول معرفة سبب سؤالها، الأرجح أنها قَلِقة على قبر.
ديانا زوجتي، التي دمّرت غارة منزل عائلتها في تبنين، كان أوّل ما بحثت عنه في الفيديوهات التي وصلتها، قبر أبيها الذي لا يبعد كثيراً عن المنزل المدمّر. ديانا أكثر شجاعة منّي، والأرجح من ديما، في وضوح علاقتها بقبر أبيها، إنه نقطة ارتكاز في علاقتها مع بلدتها، وهي إذ تحقّقت على نحو غير حاسم من أن الجبّانة غير البعيدة عن منزلها لم تتضرّر، شعرت أن شيئاً ما زال يستحقّ انتظار انتهاء الحرب لزيارته.
نكبة الناس بخسارتهم قبور أهلهم وأحبابهم أكبر من نكبتهم بخسارة بيوتهم، أو لنقل إن الخسارة الأولى جوهرية أكثر، هي الخسارة الرمزية في مقابل الخسارة المادّية.
أن تخسر قبر أبيك أو أمّك يعني أنك خسرت رابطاً يتعدّى ما تضمّه جدران المنازل من ذكريات وأغراض وصور. القبر هو امتداد لوجودك فوقه، هو علاقة شديدة التوتّر بمَن أنتَ ومن تكون. إزالته تفوق إزالة البيت في عنفها وفي وظيفتها.
والناس المنكوبون في مناطق نزوحهم ولجوئهم لا يأتون على ذكر مقابر أهلهم أمام الصحافيين، فذكرها يعرّضهم لامتحان يتعدّى السياسة بما هي عرض للحال، تماماً كما فعلت ديما التي أخفضت صوتها عندما سألت عن جبّانة الخيام، ذلك أن سؤالها لا ينتمي إلى ضجيج الانقسام حول الحرب، هو سؤال يريد جواباً لتحتفظ به لنفسها لا لكي تضمّه إلى منظومة مواقفها العامّة.
لطالما كنت لا أُبدي اكتراثاً بالمقابر في عملي كصحافي متجوّل في بلاد الخراب، لا بل كنت أميل إلى تقديم قيمة المنازل على قيمة القبور. كنت أقول، لندع المقابر والأموات للأنثروبولوجيين، ولنلاحق نحن الصحافيين قصص الأحياء. إلى أن “وصل الموس إلى رقبتي” ولم أقوَ على تقصّي مصير قبري أمّي وأبي خوفاً من أن أعثر في ركامهما على عظامي. ثم إن الصحافة بوصفها تأريخاً للحظة، قد تُبقينا خارج القصّة الحقيقية للخسارة.
ها أنا الآن أحاول استعادة موقع المقابر في نكبات العراق وسوريا وغيرهما من الدول التي أهملت فيها قصص الأموات وركام مقابرهم، وأقرب قصّة استعدتها كانت في قرية اسمها بسيمة في وادي بردى في ريف دمشق.
وبسيمة حوصرت أثناء الحرب من جهة من قِبل جيش بشّار الأسد، ومن جهة أخرى من قِبل ميليشيا “حزب الله”. القرية تدمّرت بكاملها، ولم يبقَ منها إلا المقبرة التي تضرّرت لكنّها لم تتدمّر، وأوّل ما أعاد أهل بسيمة بناءه بعد سقوط النظام كان المقبرة. عادوا إلى القرية قبل أن يُعيدوا بناء منازلهم، شعروا أن إعادة بناء المقبرة هي الخطوة الأولى للعودة إلى قريتهم.
لم أكتب هذه القصّة في حينها، شعرت أنها تفصيل في قصّة العودة إلى بسيمة، الآن وقد تدمّرت مقابرنا في جنوب نهر الليطاني، انتبهت إلى أن قصّة المقابر هي في صلب قصّتنا عن قرانا وعن أنفسنا.