علاء المفرجي… جريدة المدى
(تصدّع الجمال الأنثوي) لمؤلفه خالد مطلك محاولة فكرية جادة لإعادة تفكيك مفهوم يبدو للوهلة الأولى بديهيًا وبسيطًا: الجمال الأنثوي. غير أن هذا المفهوم، كما يكشف الكاتب، ليس طبيعيًا أو ثابتًا كما يُخيّل إلينا، بل هو بناء معقّد تشكّل عبر التاريخ، وارتبط بتحولات الثقافة والمدينة والفن والإعلام. ومن هنا، فإن الكتاب لا يقدّم وصفًا للجمال بقدر ما يقدّم نقدًا جذريًا لفكرته.
ينطلق الكاتب من فرضية أساسية مفادها أن الجمال ليس معطى طبيعيًا خالصًا، بل هو نتيجة تراكمات ثقافية وحضارية. هذه الفرضية تضع الكتاب ضمن سياق الدراسات الثقافية التي ترى أن كثيرًا من مفاهيمنا اليومية (مثل الجمال، والهوية، والذوق) ليست بريئة أو تلقائية، بل مشروطة بسياقات اجتماعية وتاريخية.
يولي الكاتب أهمية كبيرة للمدينة الحديثة، ويرى أنها لعبت دورًا محوريًا في إعادة تشكيل الجمال الأنثوي. فالمدينة، بما تحمله من تنظيم، وازدحام، وتسارع، خلقت حاجة إلى “الصورة” و”الانطباع”. وبناء على هذا الأمرلم تعد المرأة تُرى فقط ككائن بيولوجي، بل كجزء من مشهد حضري متكامل. ومن هنا أصبح الجمال مرتبطا بالأناقة والتنظيم والتناسق مع المحيط وأيضا القدرة على الظهور ضمن فضاء عام مزدحم بالصور.
يقول المؤلف: «الثيمة المركزية التي تسري في عروق هذا الكتاب هي الجمال الأنثوي، وتبدلاته الثقافية في مختلف الأزمنة. ومن الزوايا التي اطلعت عليها بشكل شخصي، خلصت دون مبررات منهجية إلى أن المرأة الموديل في أي عمل فني هي جزء مهم في صناعة هذا العمل، ولها يعود فضل يقل عن أو يتعدى، دور الفنان مبدع العمل ذاته. ومن أجل توضيح هذه الفرضية وليس لإثباتها، ناقشت عددا من الكتابات وتجولت في أفكار الفلاسفة ومنظري الجماليات بحرية لم أجبر نفسي على تملق أغراض منطقية أكاديمية في قبول طروحاتهم كما هي؛ لأنني أولاً وأخيراً كاتب، مجرد كاتب لديه نزعة للهروب من أي منهج أو أي إطار مريح لإنقاذ فرضياته من احتمال الوقوع في الفوضى».
هذا الطرح عميق من جهة، لأنه يربط بين التحولات المكانية (المدينة) والتحولات الجمالية. لكنه من جهة أخرى يثير تساؤلًا نقديًا مهمًا: هل يمكن اختزال الجمال في كونه نتاجًا حضريًا فقط؟ ماذا عن المجتمعات غير الحضرية التي امتلكت بدورها معايير جمالية واضحة؟ هنا يبدو أن الكاتب يميل إلى تضخيم دور المدينة على حساب عوامل أخرى.
الجانب الأهم في الكتاب هو الربط بين الجسد الأنثوي والفنون البصرية، خصوصًا العمارة والفن التشكيلي، حيث يرى الكاتب أن معايير مثل التوازن التناظر الانسجام، وهي معايير جمالية معروفة في الفن، قد انتقلت إلى طريقة النظر إلى الجسد، وهذا الطرح يمنح الكتاب بعدًا فلسفيًا غنيًا، إذ يجعل القارئ يرى الجسد كـ”نص بصري” يمكن تحليله كما تُحلّل اللوحات أو المباني. غير أن هذا التوسّع في التحليل قد يفتح بابًا للنقد: فهل يمكن حقًا تطبيق معايير الفن على الجسد الإنساني دون الوقوع في نوع من “التشييء”؟ وهل هذا التحليل يفسّر الجمال أم يعيد إنتاجه بطريقة أكثر تعقيدًا؟
يتناول الكاتب مسألة النظرة بوصفها عنصرًا مركزيًا في فهم الجمال. فهي ذاتية من جهة كيف ترى المرأة نفسها، وخارجية من جهة كيف يراها المجتمع، وخاصة الرجل. حيث يرى الكاتب أن الجمال الأنثوي غالبًا ما يُصاغ تحت ضغط النظرة الخارجية، مما يؤدي إلى نوع من الازدواجية أو الصراع الداخلي لدى المرأة. هذه الفكرة تلامس موضوعات قريبة من الفلسفة والنسوية، حيث يُنظر إلى الجسد بوصفه ساحة للتفاوض بين الذات والآخر.
الفكرة المركزية في الكتاب تتجلى في مفهوم “التصدّع”. فمع تعدد المصادر التي تنتج الجمال (فن، إعلام، ثقافة، مدينة)، لم يعد هناك نموذج واحد ثابت. بل أصبح الجمال متعددا، متناقضًا، متغيرًا باستمرار. هذا “التصدّع” لا يعني الانهيار فقط، بل يعني أيضًا الانفتاح على احتمالات جديدة. فبدل معيار واحد صارم، هناك الآن فضاء أوسع للتنوع.
هذه الفكرة من أقوى ما في الكتاب، لأنها تعكس واقعًا معاصرًا بالفعل. لكنها تطرح سؤالًا: هل هذا التصدّع تحرر أم أزمة؟ الكاتب يميل إلى اعتباره إشكالية وضغطًا، لكنه لا يستكشف بما يكفي الجانب الإيجابي لهذا التعدد.
وعلى الرغم مما يقوله المؤلف أنه يمار س عملية الكتابة بحرية تنهل من تأملاته الشخصية، لكن هذا لا يمنع في أن يكون الكتاب درسا مهما في التذوق الجمال وتحولاته.
وأشير الى أن هناك مقاربة بين هذا الكتاب، وكتاب (الحقيبة النسائية) للمؤلف نفسه من حيث الموضوع والمنهج واللغة والرهان الجمالي. فكلاهما ينطلق من اهتمام خالد مطلك بالمرأة بوصفها حقلًا ثقافيًا وجماليًا، لكن كل كتاب يقترب من هذا الحقل من زاوية مختلفة فالحقيبة النسائية بوصفها غرضًا/أثرًا/علامة على الذوق والهوية، وفي تصدع الجمال الأنثوي بوصفه تاريخًا وتحولًا وتمثلات للجمال في المدينة والفن والعمارة.