تخطي إلى المحتوى

موقع السفينة

السفينة

القائمة الرئيسية
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • الافتتاحية
  • مقالات رأي
  • أدب وفن
  • الأرشيف
  • من نحن
  • الرئيسية
  • المحرر Editor
  • أن نبقي الحرب.. خارج المنزل
  • مقالات رأي

أن نبقي الحرب.. خارج المنزل

المحرر Editor 6 مارس، 2026 تمت قراءة 1 دقيقة

Image-1772709192
تعلم اللبنانيون الكثير من تقنيات النجاة (Getty)
..يوسف بزي كاتب لبناني … المدن

على مبعدة أشهر من بلوغي الستين، أكون قد عايشت نحو 20 حرباً كبرى وصغرى، “أهلية” وإسرائيلية وسورية وفلسطينية على أرض لبنان، عدا مجاورتي الحميمة والمؤذية لدزينة حروب إقليمية أصابتني شظاياها، وأمسكت بمصيري.

ابتدأت حياتي الواعية في عمر الثامنة بمقتل أبي مطلع “حرب السنتين” (1975-1976). وبقي القتل والفوضى والتدمير والرعب ومصارعة الموت والتهجير يلاحقني بلا هوادة حتى هذه اللحظة. وفي الأثناء، كان من المفترض أن أُقتَل مراراً.

عمر بأكمله على إيقاع بائس: نعيش الهدنة بيقين أن الحرب التالية مقبلة. ونعيش الحرب بيقين أن هدنة أخرى آتية. وما بينهما نحيا بيقين أيضاً، أن لا سلام سيتحقق.

هكذا، بلا أوهام تدبرت قدري (وهو قدر ملايين وأجيال عدة)، في معايشة الفظاعات وحفظها في الذاكرة والجهاز العصبي، وحمل جبل الخسارات الذي يزداد ثقلاً وارتفاعاً كل يوم. ولا حسرة أو ندم. قبول واستسلام مريح. 

من كل تجربة حربية، اكتسبت خبرة إضافية في تقنيات النجاة. غريزة مصقولة تتصرف تلقائياً، عقلياً وجسدياً، وتنقذني باستمرار. ولا يتعلق الأمر بتدبير الوقود مثلاً، أو مصدر طاقة كهربائية، أو تخزين مواد غذائية، أو إبقاء حقيبة المتعلقات الشخصية (الوثائق، المدخرات..) جاهزة، بل أيضاً رسم خريطة عيش وتنقل آمنة، وترتيب جغرافيا افتراضية للهروب أو الإقامة أو الاحتماء، عبر تحصيل معرفة مسبقة قدر الإمكان بميدان المعركة وأهداف الحرب وحدود الخطر ومكامنه.

على هذا المنوال، ومنذ زمن بعيد، اخترت الحيّ الذي سأسكنه، الأمكنة التي أرتادها. ورتبت شبكة الأمان التي تبدأ من بقاء جواز السفر صالحاً، إلى صيانة السيارة دوماً، واقتناء قارورة غاز احتياطية، وكيس الشمعات، وخزانة مؤونة ممتلئة باستمرار، وسائر ما أسماه الروائي اللبناني رشيد الضعيف “تقنيات البؤس”، واكتناز ما أمكن من “قرش أبيض لليوم الأسود” في اليد لا في المصرف، وصولاً إلى ابتداع “قوقعة” اجتماعية ومكانية، تتيح ديمومة الحياة الطبيعية في عز الحرب. 

تلك القوقعة تشبه “القبة الحديدية”: صد الحرب وشظاياها. وبناؤها تم عبر سنوات مديدة، وأول شروطها مقاومة الإدمان على البث المباشر والاكتفاء بنشرتين إخباريتين على الأكثر (صباحية ومسائية)، الحفاظ على الروتين اليومي قدر الإمكان، الاكتفاء بالحد الأدنى من التنقل وفي مساحة جغرافية ضيقة، وهو ما اعتدت عليه منذ أكثر من 25 عاماً. التواطؤ مع شلة أصدقاء لا يتجاوزون عدد أصابع اليد، منسجمين سياسياً ونفسياً ومتفقين على ابتداع البهجات الصغيرة، وقادرين على التعاون والتضامن والتكافل.

تشييد تلك القوقعة، يتطلب مثلاً أن تبقي قراءاتك الأدبية على الوتيرة نفسها، الاهتمام بنوعية الطعام وباقي الملذات، العناية بالنفس والصحة والملبس، الإكثار من مشاهدة الأفلام الجيدة، الاستماع للموسيقى، التنزه أو الذهاب إلى المقهى.. قضاء العطلة الأسبوعية خارج العاصمة للاستجمام والاسترخاء. والأهم، هو الانغماس بالعمل اليومي بكل همة وحماسة. وبمعنى آخر، منع الحرب من تغيير نمط عيشك، أو من السيطرة على تفكيرك. منع الغضب وتصريف الحزن باللهو.

بطبيعة الحال، ليس بمقدور أحد فعل ذلك بغتة، بل هذا حصيلة خبرة وقرار قديم أتاح لي مثلاً الإدراك التام أين أسكن بعد أكثر من تهجير أو تبديل اضطراري لمكان الإقامة. التمرن على عادات متكيفة مع حالات الطوارئ، الجهوزية للكارثة تصير روتيناً يومياً، لتحاشي الصدمة. الإصرار على وجود مكان استجمام للعطلة الأسبوعية في جغرافيا آمنة، كأن يكون بعيداً عن خطوط تماس الطوائف، أو الحدود، أو المنشآت الحيوية المعرضة للقصف.

هكذا، وكما معظم اللبنانيين، قضينا كل الحروب نذهب إلى السهرات الصاخبة في مكان والقصف العنيف في مكان آخر، نرتاد المطاعم في مكان والنيران المشتعلة في مكان آخر. نقيم عرساً في مكان والجنازات المفجعة في مكان آخر.

ليست هذه بلادة عاطفية، بل هي على الأرجح الآلية الدفاعية التي أبقت اللبنانيين على حيويتهم ومنحتهم القدرة على الاستمرار نصف قرن من الويلات.

منذ زمن بعيد، وبعد “ترومات” لا تُحصى، بتُّ أتصرف إزاء الحرب بحيادية شديدة البرودة، أبقيها خارج المنزل، خارج القوقعة الرائعة المعبأة بالحب، وبلا انفعالات لا طائل منها. أتفرج عليها بطمأنينة ومناعة نفسية. فهي حياتي كلها وقد اعتدت عليها إلى حد الإدمان.

عن المؤلف

المحرر Editor

Administrator

زيارة الموقع عرض كل المقالات

تصفّح المقالات

السابق: الإمبراطورية الأميركية في أول حروبها
التالي: مفارقة «العودة» لنازحي مخيمات الشمال السوري

قصص ذات صلة

In-the-article-4
  • مقالات رأي

غُرابان أبيضان ينقران أذنيَّ وأذنيك رسالة إلى فريدريش نيتشه

المحرر Editor 31 أكتوبر، 2026
  • مقالات رأي

لماذا نحتاج إلى عدوّ؟

المحرر Editor 31 أكتوبر، 2026
  • مقالات رأي

هواجس تجاه الوجود المسيحي السوري

المحرر Editor 31 أكتوبر، 2026
https://www.youtube.com/watch?v=WC7ddVEJ4Y4

أحدث المقالات

  • مصدر لـ”الحرة”: حضور الشرع للمطار كاد يلغي زيارة الزيدي إلى دمشق
  • “لحظة بالغة الخطورة”.. سباق إقليمي لمنع ضربة جديدة على إيران
  • موقف دفاعي عن الإعلامية نور الهدى مراد،
  • خامنئي يوسّع بنك الأهداف ويتوعد برد إيراني بلا قيود جغرافية
  • “انقلاب في وارسو”.. ما الذي يحدث في بولندا؟

لربما فاتك

  • الأخبار

مصدر لـ”الحرة”: حضور الشرع للمطار كاد يلغي زيارة الزيدي إلى دمشق

المحرر Editor 31 أكتوبر، 2026
  • الأخبار

“لحظة بالغة الخطورة”.. سباق إقليمي لمنع ضربة جديدة على إيران

المحرر Editor 31 أكتوبر، 2026
Download (9)
  • الأخبار

موقف دفاعي عن الإعلامية نور الهدى مراد،

المحرر Editor 31 أكتوبر، 2026
Almada-logo
  • الأخبار

خامنئي يوسّع بنك الأهداف ويتوعد برد إيراني بلا قيود جغرافية

المحرر Editor 31 أكتوبر، 2026

AF themes

We mainly focus on quality code and elegant design with incredible support. Our WordPress themes and plugins empower you to create an elegant, professional and easy to maintain website in no time at all.

All Themes Plan
حقوق النشر والنسخ؛ جميع الحقوق محفوظة. | MoreNews بواسطة AF themes.