أهمية الحوكمة لعدم تكرار مشكلة نتائج الثانوية

حسن الخطيب
خبير ومختص في الأمن السيبراني… جريدة الثورة السوري
عندما يأتي أحدهم على ذكر كلمة حوكمة، يدفع ذلك إلى الاعتقاد بأنه مصطلح معقد يقتصر على الشركات الكبرى أو الجهات الحكومية، وهذا طبيعي نظراً لحداثة المفهوم، فقد اعتمد مجمع اللغة العربية مصطلح الحوكمة في عام ٢٠٠٢ كترجمة لمفردة Governance. أما حوكمة الأمن السيبراني فكان بعد ذلك نتيجة الاهتمام العربي والخليجي بشكل خاص برقمنة الحكومات والشركات خلال العقدين الماضيين.
وفي الواقع العملي نحن نمارس الحوكمة في حياتنا دونما نشعر وكثير من الموظفين في الشركات والمؤسسات ينشغلون في الحوكمة في معرض أدائهم لمهامهم الوظيفية دون أن يهتموا أو يكون لديهم تصوّر عن ماهية الحوكمة. الممارسات الحوكمية المتفرقة، تنظم بعض الأعمال لكن لن تفيد في تحقيق أهداف ورؤية المؤسسة ما لم يكن هناك حوكمة شاملة.
ما حدث مع وزارة التربية في قضية نتائج الثانوية العامة الأسبوع الماضي مثال على ذلك، بكلّ تأكيد هناك عمل إداري وتنظيمي لكنه لم يرقَ إلى مستوى الحوكمة الشاملة التي من شأنها أن تضع تصورات للمخاطر المحتملة وإدارتها وأن تجري فحوصاً فنية وتقنية عدة مرات قبل الشروع بالإعلان عن النتائج. ونتيجة لغياب هذه السياسات فقد لمس الجمهور تخبطاً واضحاً في الأمور الفنية والتقنية وأيضاً لوحظ غياب فريق إدارة أزمة والتي تنص الحوكمة على وجوده عادةً، فكان بيان وزارة التربية بياناً نمطياً الغرض منه إخلاء المسؤولية لا أكثر.
وفي المنزل، هناك من يضع القواعد ويوزع المسؤوليات، ومن يتخذ القرارات، ومن ينفذ المهام، ومن يراقب الالتزام بها. أيضاً في المدرسة توجد أنظمة ولوائح تنظم سير العملية التعليمية، وفي الشركات توجد سياسات وإجراءات تضمن تحقيق أهداف الشركة بما ينسجم مع رؤيتها.
الحوكمة هي المبادئ والسياسات التي تُدار بها المؤسسة أو الشركة وتحدد بشكل واضح المسؤوليات وآليات اتخاذ القرار والرقابة، بما يضمن تحقيق الأهداف بكفاءة وشفافية وضمان المساءلة في حال التقصير أو الإهمال، وبشكل أبسط تهتم بتوجيه المؤسسة ورسم السياسات العامة فيها، وتركز على الشفافية والمساءلة وإدارة المخاطر والرقابة. وتختلف عن الإدارة التي تهتم بتنفيذ السياسات والخطط وتشغيل الأعمال اليومية. كما تفترق الحوكمة عن القوننة التي تُعنى بوضع التشريعات والقوانين الملزمة على مستوى الدولة وتحدد الحقوق والواجبات والعقوبات والمسؤوليات القانونية.
فعلى سبيل المثال لو أنّ اختراقاً إلكترونياً قد وقع ونجم عنه تسريب بيانات عملاء المؤسسة أو الشركة، فإن الحوكمة هي من تحدد سلفاً سياسة إدارة الحادث وآلية التعامل معه والحفاظ على سير العمل، والإدارة تحدد من هو الشخص أو الأشخاص الذين سيديرون التعامل مع الحادث والقوننة تحدد إذا ما كان الأمر يستوجب التبليغ قانوناً أم لا. فلو كان سير عمل الشركة أو المؤسسة رحلة، فالحوكمة تحدد الوجهة ونوع السيارة، الإدارة تتولى المقود، وتأخذ الطريق الأنسب للوجهة والقوننة تحدد السرعة على الطريق وقواعد السير عليه.
والحوكمة مسألة نسبية إلى حد كبير وترتبط بشكل وثيق بهدف الأعمال المراد حوكمتها. فبالإضافة للتعريف العام للحوكمة الآنف الذكر يمكن لها أن تصبح أكثر تخصيصاً بحسب المجال الذي تشغله المؤسسة، فعلى سبيل المثال يوجد حوكمة مالية وهناك حوكمة تقنية وحوكمة حكومية وحوكمة أمن سيبراني وغيرها.
كما أن السياسات التي تقرها الحوكمة حتى في المجال نفسه فريدة تماماً، ويتم عملها على مقاس كلّ مؤسسة أو شركة على حدة، حتى وإن كانت تشغل الأعمال نفسها. فمشروع حوكمة أمن سيبراني لوزارة الإعلام ليس بالضرورة أن يتناسب مع صحيفة عامة أو قناة تلفزيونية تابعة لنفس الوزارة، وإن كان في كثير من الأحوال من الممكن أن تُعتبر الأولى بمثابة مظلة عامة للمؤسسات التي تنبثق عنها. ولا يصح لمن يعمل بالحوكمة أن يأخذ مشروعاً سابقاً تم تصميمه لمؤسسة ما والعمل به بمؤسسة أخرى، فالأمر أشبه ببدلة مصممة على مقاس شخص ولا تتناسب مع مقاس الأخ الأصغر أو الأكبر في العائلة.
وحينما يتعلق الأمر بالأمن السيبراني فالحوكمة هنا عمل وقائي أكثر منه علاجياً، مثل الكثير من الأعمال والأمور اليومية التي يجب أن يتبع الشخص فيها معايير السلامة العامة فيها في كل عمل يقوم به بحسب طبيعة الدور الذي يؤديه، أما إذا وقع حادث ما فهنا يأتي دور العلاج والذي هو بطبيعته إسعافي.
فعامل الكهرباء- على سبيل المثال- يجب عليه أن يتخذ إجراءات من شأنها حمايته وحماية العمل نفسه على أساس تقييمه للمخاطر التي يمكن أن تقع. فعليه أن يستخدم معدات حماية مناسبة مثل النظارات السميكة، القفازات المعزولة والأحذية العازلة. كما يتفحص المكان أيضاً بشكل جيد ليحدد المواد الواجب استخدامها، فالعزل في الأماكن الجافة يتطلب مواد مختلفة في الجودة عن العزل في الأماكن الرطبة، وتجاهل هذه المعايير يرفع نسبة المخاطر ويزيد من احتمال وقوع الحوادث، وكذلك الأمر بالنسبة للأمن السيبراني.
والعامل البشري هو الأساس في هذه العملية، إذ ما الجدوى في أن يضع شخص ما أفضل الأقفال لباب بيته ثم يضيع المفاتيح. كذلك الأمر بالنسبة للأشخاص الذين لا يهتمون بكلمات المرور القوية وتغييرها بشكل دوري أو يضغطون على أي روابط عشوائية في العالم الافتراضي. لذلك فإن الحوكمة تهتم بكفاءة الموظف ووعيه ومسؤولياته بشكل رئيسي، وتنظم العلاقة بين المسمى الوظيفي الذي يشغله الفرد وبقية زملائه لتحديد رؤية وأهداف المؤسسة أو الشركة.
والأمن السيبراني يهدف بشكل رئيسي إلى توافر البيانات اللازمة عند الحاجة إليها، وسلامة وصحة المعلومات وسريتها، أي حماية البيانات من التسريب ومنع الوصول إليها من الأشخاص غير المصرح لهم. وبالتالي فإن حوكمة الأمن السيبراني تدور حول هذه الأهداف من خلال وضع سياسات وإجراءات من شأنها رفع كفاءة ووعي الموظفين العاملين مع البيانات، والحدّ من المخاطر وإدارتها وتوزيع المهام ووضوح المسؤوليات بما يضمن سير العمل ومرونته لتحقيق أهداف الشركة أو المؤسسة والعمل وفق رؤيتها.