يمكن قراءة «اتفاق مكة» من زوايا عدة، وإن كانت الشروط الإقليمية الراهنة تدفع باتجاه النظر إليها من زاوية المسعى السعودي لحفظ أمنها في مواجهة الخطر الإيراني. فالقيادة الإيرانية التي تمكنت من الصمود أمام الحرب الأمريكية – الإسرائيلية المتواصلة عليها، إلى الآن، وجهت ردودها على تلك الهجمات إلى دول الخليج بصورة أساسية، ورأت هذه أن المظلة الأمنية الأمريكية لم تحمها منها. وقد اتجهت المملكة السعودية إلى التحالف مع الباكستان، منذ أيلول العام الماضي، أي قبل اندلاع الحرب الجديدة على إيران في 28 شباط 2026. لكن هذا التحالف لم يحم المملكة من الهجمات الإيرانية والحوثية، ومؤخراً تلك القادمة من الفصائل العراقية التابعة لإيران. فهل تتغير المعادلة بعد انضمام تركيا إلى التحالف ليصبح ثلاثياً يطوّق إيران من ثلاث جهات؟
الهجمات الأخيرة التي شنتها قوات الحوثي على مناطق متاخمة للسعودية، وأخرى على أراضيها، قد تكون نوعاً من الاختبار المبكر لتحالف مكة، وإن كان لا يتوقع أن تتدخل باكستان أو تركيا مباشرةً وفقاً لما أعلن عنه من أن «أي اعتداء على إحدى دول التحالف يعتبر اعتداءً عليها جميعاً» فيما يشبه البند الخامس من ميثاق حلف الناتو على ما أعلن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان.
ثمة من شبهوا اتفاق مكة بحلف بغداد في منتصف خمسينيات القرن العشرين الذي أنشأته بريطانيا في مواجهة التمدد الشيوعي، ثم سرعان ما فشل بسبب فتور واشنطن في التعاطي معه، وتجاوزه بفعل ديناميات داخلية في بلدان المنطقة، وصولاً إلى حله رسمياً بعد سقوط نظام الشاه في إيران في العام 1979. يقوم هذا التشبيه على افتراض أن اتفاق مكة موجه ضد الخطر الإيراني المباشر، لكن الحرب لم تنته بعد إلى نتيجة يمكن البناء عليها، ولا يمكن التنبؤ بما إذا كان نظام الملالي سيبقى أو سيستمر في نهجه التوسعي والعدواني تجاه محيطه. وقبل الحرب الأولى عليه، في حزيران 2025، كانت السعودية قد فتحت خطوط التفاهم معه بوساطة صينية، لكن ذلك لم يحمها من تداعيات الحرب الأمريكية – الإسرائيلية، في فصليها الأول والثاني.
ثمة مفارقة غريبة في ردود الفعل الإيرانية على إعلان اتفاق مكة الثلاثي. ففي حين بدا الاستياء واضحاً لدى التيار المتشدد الذي اعتبر الاتفاق موجهاً ضد إيران، رحب به التيار المعتدل الذي دعا، فوق ذلك، إلى انضمام إيران إليه باعتباره اتفاقاً دفاعياً إسلامياً! لا بد أنه سيكون خبراً سيئاً لأطراف الاتفاق إذا تقدمت إيران فعلاً بطلب رسمي للانضمام إليه! ولأن الاتفاق «مفتوح لانضمام دول أخرى» كما جاء في تصريحات وزير الخارجية التركي، سيكون من المحرج للدول الثلاث رفض الطلب الإيراني. ولكن إذا نظرنا إلى هذا الاحتمال من زاوية أخرى فهذا الطلب المفترض ينطوي ضمناً على «كف شر» الاعتداءات الإيرانية، سواء باستهداف القواعد العسكرية الأمريكية في المملكة السعودية أو منشآتها الاقتصادية، بضربات إيرانية مباشرة أو بواسطة أذرعها الميليشيوية. إنه افتراض سوريالي على أي حال، بالنظر إلى أن إيران لا تملك، في محنتها الحالية، ترف التخلي عن أذية الجيران في الرد على الضربات الأمريكية، ولا طبعاً ترف التخلي عن الميليشيات التابعة لها، أو عن ورقة مضيق هرمز.
ماذا عن تركيا؟
إذا كانت قيمة باكستان في التحالف الجديد تكمن في أنها الدولة الإسلامية الوحيدة التي تملك سلاحاً نووياً، إضافة إلى قدراتها العسكرية التقليدية، وإلى دور دبلوماسي كبير برز مؤخراً في التوسط بين واشنطن وطهران، وعلاقاتها المميزة مع الصين، فما الذي تضيفه تركيا إلى هذا التحالف؟ الواقع أن تركيا قد برزت، في بضع السنوات الأخيرة، بصناعاتها العسكرية المتطورة، وثقلها الجغرافي والديموغرافي، إضافة إلى كونها عضواً في حلف شمال الأطلسي وصاحبة ثاني أكبر جيش بين دول الحلف، ولم أذكر إمكاناتها الاقتصادية بسبب ما يعتري اقتصادها من أزمة في السنوات الأخيرة، لكن ذلك لا يعني غياب قوتها الكامنة في هذا الميدان، وبخاصة في التجارة العابرة للحدود مع تنوع شبكة الدول الشريكة لها في التجارة. هذه العناصر من شأنها أن تضيف إلى اتفاق مكة قوة ردع إضافية.
ولكن من جهة أخرى لا يمكن تجاهل النزوع الإمبريالي لدى القيادة التركية، بالنظر إلى وجودها العسكري المباشر في عدد من الدول، من أذربيجان إلى ليبيا، ومن سوريا والعراق إلى الخليج العربي والقرن الإفريقي. فالاحتماء من عدوانية جار قوي بجار آخر قوي أمر لا يخلو من مجازفة لا بد من التحسب لها. فقد مضى زمن «القوة الناعمة» لتركيا، قبل ثورات الربيع العربي، لتحل محلها قوتها الخشنة.
وماذا عن إسرائيل؟
ردود الفعل الإسرائيلية سلبية عموماً تجاه اتفاق مكة، فبروز حلف دفاعي بين ثلاث دول إسلامية كبيرة، في الوقت الذي كانت تأمل فيه بانضمام السعودية إلى اتفاقات أبراهام، يمكن اعتباره خسارة صافية للدولة العبرية، حتى لو لم يكن التحالف موجهاً ضدها، وهو كذلك بالفعل، إذ لا يمكن تصور قيام تحالف مضاد لإسرائيل بين ثلاث دول حليفة لواشنطن. ولكن من شأن التحالف أن يعمق عزلة إسرائيل الإقليمية بعدما تلامح لها الاندماج في نسيج الإقليم من خلال اتفاقات أبراهام. وهذا مضافاً إلى عزلة دولية تشتد عليها باطراد بسبب حربها الهمجية على قطاع غزة ولبنان وتوغلها في الأراضي السورية.
اتفاق مكة يشبه بالأحرى محاولات لم يكتب لها النجاح في تسعينيات القرن الماضي. ففي أعقاب تحرير الكويت جرت مشاورات جدية لإقامة تحالف أمني ثلاثي بين كل من السعودية ومصر وسوريا، من المحتمل أن واشنطن أفشلتها. أما اليوم فيبدو التحالف الثلاثي الجديد ذا حظ أكبر بالبقاء وبتكريسه مؤسسياً ليشكل ركيزة أمن إقليمي شامل، إذا، وفقط إذا، فاز العقل على الأهواء.
٭ كاتب سوري