قبل عقد ونصف العقد، في شباط/ فبراير 2011، حلّ الباحث والكاتب والناقد الإيطالي أومبرتو إيكو (1932 ــ 2016) ضيفًا على المعرض الدولي الـ 25 للكتاب في القدس. وفي سياق مؤتمر صحافي عقده يوم 23 شباط/ فبراير 2011 في مناسبة هذه الزيارة، حرص على تأكيد أنه يعارض أي شكل من أشكال مقاطعة إسرائيل، أو الإسرائيليين، وأنه يرى ذلك “مظهرًا من مظاهر العنصرية” التي سبق أن اكتوى بها شعبه في إيطاليا في إبان سيطرة النظام الفاشي.
وفي شأن استنكافه عن توجيه النقد إلى الاحتلال الإسرائيلي، أو إلى سياسة حكومة بنيامين نتنياهو، على غرار ما فعل الكاتب البريطاني إيان ماكيوان، الذي اشترك في المعرض نفسه، وتسلم خلاله “جائزة القدس”، قال إيكو: “لديّ ما يكفي من عبارات النقد إزاء الحكومة الإيطالية، على نحو لا يبقي أي متسع من الوقت للكلام عن الحكومة الإسرائيلية”، معللًا ذلك بكونه “شخصية ثقافية لا تتدخل في السياسة”.
ولدى تطرّق إيكو إلى آخر رواياته، في ذلك الوقت، وهي “مدافن براغ”، التي تستند إلى كتاب “بروتوكولات حكماء صهيون”، وتتضمن وصفًا للجوّ الخاص الذي ساد في المجتمع الأوروبي في نهاية القرن الثامن عشر، وشخصياتها هم عملاء مزدوجون وجواسيس وسياسيون يهود وغيرهم، وتخلص إلى استنتاج فحواه أن اليهود كانوا من وراء الكواليس المسؤولين الرئيسيين عن انفجار الثورة الفرنسية عام 1789، ما اعتبر عنصرًا مركزيًا في تأجيج موجة العداء للسامية في أوروبا في القرن التاسع عشر، أكد أن هذه الرواية تعتمد على وثائق حقيقية وتوظّف شخوصًا تاريخية إلى جانب أفكار متخيّلة، كما هي الحال في سائر رواياته، وخصوصًا روايته الأشهر “اسم الوردة”. وأعرب عن بالغ سعادته لتمكنه من الحديث عن تلك الرواية، التي أثارت أصداء متفاوتة في أوساط الجالية اليهودية في إيطاليا، قبل إنجاز ترجمتها إلى العبرية، لأن ذلك “يوفر فرصة لعدم توجيه نقد صارم وظالم إليها”، على حدّ قوله.
وكان إيكو عشية زيارته تلك قد أدلى بمقابلة مطوّلة إلى صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية تحدّث فيها عن روايته الأخيرة، وكرّر الأفكار التي نطق بها في شأن مقاطعة إسرائيل، وقال إن على المثقف أن يتصرّف في أوقات الأزمة مثل أي شخص آخر، لأن تأثيره في الواقع يمكن أن يكون ذا وقع خاص لمسًا ورؤية إمّا قبل اندلاع الأزمة وإمّا بعد الخروج منها فقط. وأضاف أن مسألة تدخل المثقف في السياسة تظل شأنًا فرديًا مرهونًا به وحده، وإن كان يعتقد أن المثقف عمومًا لا يؤدي دورًا محددًا في السياسة، وأن أقصى ما يمكن أن يتسم به دوره فيها لا يتجاوز الجانب الدعائي، مطالبًا بعدم المبالغة في إيلاء دور ومكانة للمثقف في المجتمع.
لكن إيكو منح “شهادة حُسن سلوك” إلى الكتاب والمثقفين الإسرائيليين في معرض ردّه على سؤال كان فحواه ما الذي في مستطاع هؤلاء المساهمة فيه إزاء الشأن السياسي الإسرائيلي، حين أكد قائلًا: “أعتقد أنهم يساهمون في هذا الشأن. وأنا أعرف بعضًا منهم مثل أ. ب. يهوشواع، وعاموس عوز، اللذين لديهما حضور دائم في حقل نقد سياسة الحكومة الإسرائيلية، ناجم عن كونهما يحللان ويقومان بدورهما كمثقفين، ويحذران من الأخطار الماثلة، وينقدان أخطاء تُرتكب. وفي الإجمال العام، فإن الكتاب والمثقفين الإسرائيليين يؤدون الدور الذي يتعيّن عليهم تأديته”.
ما يمكن ادعاؤه هو أن إيكو لا يعير اهتمامًا إلى حقيقة أن مساهمة الكتاب الإسرائيليين في معظمهم في الشأن السياسي العام تبقى أدنى أهمية وخطورة من مساهمة نصوصهم الأدبية في تطهير واقع علقت به شوائب أخلاقية كثيرة، والتي كانت مساهمة سياسية ــ أيديولوجية بامتياز. فمثلًا، عقب الحرب التي شُنّت على غزة قبل زيارته بعامين (في شتاء 2009) كتب الباحث الإسرائيلي أورن يفتاحئيل أن من شأن تأمل الأحداث العنيفة بصورة معمقة من وراء ركام الدمار المريع وسحب الدخان وأشلاء الجثث وبقع الدماء وصرخات الأطفال، أن تتيح إمكان فهم هذه الحرب على أنها استمرار للمشروع المترتب على سلوك ثقافي ــ جغرافي إسرائيلي تبنى هدفًا متشددًا ووحشيًا يتمثل في إسكات الزمان الفلسطيني، أي محو التاريخ الكامل لهذا البلد. وغني عن القول إن إسكات التاريخ يشكل أيضًا محوًا للمكان الفلسطيني، ومعه الحقوق السياسية الكاملة، تلك الحقوق القائمة بحق مشروعيتها لا بمنة من إسرائيل. وعليه، فإن الغزو الإسرائيلي لغزة هو ليس فقط عملية لوقف إطلاق الصواريخ، أو مسعى لتلميع شخصيات سياسية تمهيدًا للانتخابات الإسرائيلية العامة، أو محاولة لترميم قوة الردع الإسرائيلية. كما أن الغزو ليس فقط محاولة أخرى “لفرض النظام” لدى آخرين وإسقاط حكومة حماس، وليس مسعى إمبرياليًا (إسرائيليًا ــ أميركيًا) للسيطرة على حيّز إسلامي بمستويات متصاعدة من العنف. إن هذا الغزو هو تلك الأمور كلها بطبيعة الحال، ولكنه أيضًا استمرار لإستراتيجيا مديدة الأعوام من إنكار ومحو وشطب أي ذكر لتاريخ هذا المكان في العصور الأخيرة. ومشروع المحو هذا ينخرط فيه الجميع تقريبًا: السياسيون والفنانون ووسائل الإعلام والباحثون في الجامعات والمثقفون الإسرائيليون.
فضلًا عن ذلك، يمكن القول إن الدارس، أو المتتبع، للعلاقة بين أهل الفكر والأدب العبريين، وبين الرأي العام اليهودي والإسرائيلي (قبل إقامة دولة إسرائيل، وبعدها) في إمكانه أن يلحظ بسهولة ويُسر أن هنالك عملية طمس ممنهجة ميّزت الأدب العبري وكُتابه إزاء الإنسان الفلسطيني والعربي، وبالأساس إزاء الرواية الفلسطينية. فمنذ الأيام الأولى للاستيطان الصهيوني في فلسطين التاريخية، في نهاية القرن التاسع عشر، ثبّت الأدب العبري ورموزه العربي والفلسطيني كإنسان بلا معالم، يقوم ويحيا ويتواجد في الحيز “الرعوي”، شبه البربري، الفلاحي، كخطر أمني، أو استراتيجي على الاستيطان، وعلى احتمالات توسعه في “أرض الميعاد”. وقد تقصّى الباحث الإسرائيلي يوحاي أوبنهايمـر هذه العملية منذ بدايتها وحتى يومنا هذا، في سياق دراسة بعنوان “وراء الجدار: تمثيل العرب في الأدب العبري والإسرائيلي (1906 ــ 2005)”، تعدُّ من الأكثر حفرًا في هذا الصدد، علمًا بأن هنالك دراسات أخرى ليست أقل أهمية منها. والاستخلاصات التي توصل إليها أوبنهايمـر ليست في حاجة إلى شرح، أو تعقيب، ومؤداها ما يلي: “إن روايتي النكبة (1948)، أو النكسة (1967)، لم تظهرا قطّ في الأدب العبري. كما أنه لم تُكتب أي قصة مدنية (أي خارج السياق العسكري الصدامي) تتناول حيوات العرب في منأى جغرافي وبالأساس ذهنيّ عن خط التماسّ القومي”. وزاد: “إن المشتكي هو المتضرّر ويملك الأدوات لإثبات هذا. لكنه يتحوّل إلى ضحية عندما يفقد هذه الأدوات… ويصبح عرض الغبن الذي لحق به غير ممكن على الإطلاق”. ويمضي أوبنهايمر في استخلاصه النهائي ليقول: “إن الأدباء اليهود يستصعبون عمومًا الكتابة عن الطرد واللجوء كما يفعل الكاتب العربي، لا لأنهم لم يمروا بهذه التجربة من قبل، بل لأنّ كتابتهم بالعبرية مصوغة من لبّ الرواية الإسرائيلية القومية الطابع. إن تمثيل العرب من وجهة نظر تشذّ عن مألوف هذه الرواية الإسرائيلية هو أمر محدود جدًا [في الكتابة الأدبيّة الإسرائيلية]”.
وعلى ذكر عاموس عوز، الذي أشاد إيكو بمواقفه الناقدة للسياسة الإسرائيلية الرسمية، لا بُدّ من أن ننوّه بأنه سبق له أن رأى أن “دور الكاتب في المجتمع” يحيل إلى دور مطفئ الحرائق. غير أن معاينة سريعة لأدب عوز سرعان ما تشي بأن الغاية الأهم المضمرة لعملية إطفاء الحرائق متمحورة من حول الذات لا من حول ما تسببت به من أذى إزاء الآخر، العربي الفلسطيني، وفحواها تجميل الكينونة الإسرائيلية ضمن وجهة “تأخذ في اعتبارها الحاضر أساسًا، وليس الماضي التاريخي فقط”، على حدّ قوله. بكلمات أخرى، فإن عوز يبدو الأكثر إخلاصًا لـ”اليوتوبيا الصهيونية”، وفقما هجس بها مؤسسها بنيامين زئيف هرتسل في أواخر القرن التاسع عشر، من خلال تجاهل وجود الشعب الآخر، الشعب الفلسطيني، الذي سرعان ما استحال إلى تجاهل حقوقه، والدوس عليها في ما بعد. وبذا فإنه يواصل تقاليد أسلافه من الذين سبق أن استأنفوا على هذه “اليوتوبيا” من موقع الحماسة لها لا من موقع البديل الراديكالي، وبطريقة تتجاهل ما اتسم به تطبيقها من وقائع آثمة ما زالت مفاعيلها مستمرة، ويُعد التغاضي عنها خطأ وخطيئة معًا.