تَظهرُ جوانب العنف السياسي والاجتماعي في المؤسسات السلطوية، سياسية كانت أم اجتماعية، عبر أدواتها الحراسية من شرطة وجيش ومنظومة أمنية. وتنضمُّ مؤسسة الأسرة لهذه المؤسسات بجوقة الحراسة الخاصة بها، خاضعة لقيم عليا، وهي ثيمة حاضرة باستمرار في الروايات العربية. ماء العروس هي واحدة من هذه الروايات، لكاتبها خليل صويلح، طُبعت في بيروت عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، وترشحت لجائزة البوكر العربية، وفي نهاية العام 2025 صدرت في طبعة خاصة بالقاهرة.

العنف السياسي الانقلابي

تَظهر أولى صور العنف في الرواية من منظور طفلٍ في السادسة يقف أمام بيت شَعر بصحبة الأم والجدة عند تخوم صحراء لا نهائية، مُشاهِداً والده يُجَرُّ مخفوراً بحبل وراء حصان يمتطيه دركي من حرس الحدود بتهمة حيازة سلاح غير مُرخَّص. تستمر صور العنف في عملية المداهمة لبيت الشَّعر، إذ ألقى أحد الدركيين نضيدة الفراش بعنف، وقلب أوعية الحليب واللبن بقدميه، وأزاح الصاج عن موقد الحطب، ودلق قربة الماء أرضاً. في حين كان رفيقه يقبض على بندقيته بيد متصلِّبة.

ترسم الأحداث التالية مشاهد دالّة على زمنها السياسي مع وصول «عبود السطام» إلى المخفر، بنيّة التوسط لفك أَسر الأب ساري البشير، ليجد أنّ مدير الناحية قد غادر بسبب الانقلاب. الكلمة التي لم يفهم معناها فأدار إبرة المذياع بين عدة محطات، ليلتقط جملاً متفرقة مثل «اللجنة العسكرية للحزب» و«التوترات بين أعضاء الحزب والحكومة واعتقال رئيس الجمهورية ناظم القدسي ورئيس الحكومة خالد العظم، وإعلان قانون الطوارئ».

شعر عبود السطام بدوار في رأسه جراء هذه المفردات الغامضة.

تتعمق تجليات العنف السياسي مع وصوله إلى مركز الناحية، حيث يُجيب حارس المبنى بشأن ما يحصل في البلدات والقرى التي تتبع للناحية بأن مدير الناحية زجَّ عشرات الموقوفين في السجن بتهمة «معاداة الثورة»، التي لفظها الحارس بتفخيم. يتوسط عبود عند المُساعد الذي يقرر أن يفرج عن الموقوف بعد رشوته بخروفين، وينصح الموقوف بالانتساب إلى حزب البعث الجديد.

يربط الروائي في الرواية ما بين تاريخ الانقلاب واعتقال ساري البشير الذي لن ينساه طوال حياته، وما جرى في العاصمة بعد سنوات طويلة حيث هدير طائرة حربية تخترق أجواء العاصمة، ثم صوت انفجار بعيد، عطَّلا اكتمال المشهد أمام الروائي، لينتقل إلى واقع حياته اليومية إذ أشعلَ سيجارة وراح ينصت إلى خرير الماء في الخزان بعد انقطاع ليومين متواصلين، وإلى نعيق غراب على سطح البناية المجاورة.

تعود الرواية إلى أحداثٍ جرت في القرن الثامن عشر، إذ فشلت عشر حملات للجيش العثماني على البدو، ونجحت ست فقط، وهذا ما كان يعكس ضعف الدولة مقابل ازدياد قوة قبائل البدو. وفي العام 1845 أغار البدو على قافلة مؤلفة من ثلاثة آلاف جمل متجهة من دمشق إلى بغداد، وغنموا بضائع ثمينة، فتعرض تجار دمشق للإفلاس.

في زمنٍ آخر، تَعرِضُ الأحداثُ شدَّ عصب ما تبقى من القبيلة في مواجهة قوانين حزب البعث، التي اعتبرت الزعامات العشائرية عبئاً على برامج الدولة في إرساء سياسة الإصلاح الزراعي، وتركت أثراً على الاقتصاد الرعوي والقيم البدوية في المضافات، وذلك من خلال ما سُمّي بقانون العشائر رقم 124، الذي كان هناك من يدعو لرفضه ومقاومته.

اتفاقية العام 1936، المُوقَّعة بين سلطة الانتداب الفرنسي والوفد المفاوض السوري تُمثل وجهاً من وجوه التسلط ترويه القصة أيضاً، فعدا عن حق استخدام الأرض السورية عسكرياً في حال نشوب حرب عالمية جديدة، وتدريب الجيش الوطني عند إنشائه، تنصّ الاتفاقية على تعيين مستشارين فرنسيين في كل مفاصل الدولة. كذلك تحكي الرواية عن عملية التنقيب عن النفط، الذي لم يتدفق إلا بعد استيلاء حزب البعث على السلطة، بوصول أول برميل نفط إلى ميناء طرطوس في أيار (مايو) من العام 1968.

تستطلع الراوية أَثرَ انقلاب 1963 على كل تفاصيل الحياة اليومية، من الحدود العراقية وصولاً إلى أحياء دمشق، ثم إلى استباحتها فيما بعد أمام الطيران الإسرائيلي.

صراعات ثقافية وسرقة كتب

تُضيء الرواية على جزء من الحياة الثقافية عبر صدامات شخوصها وتياراتٍ يمثلونها. يتخيل الرواي مساجلة له مع الروائي أومبرتو إكو: «نهضتُ عن طاولتي واتجهت نحو طاولة أومبرتو إكو الذي كان منهمكاً في مراجعة أوراق ورسمات وخرائط أمامه. كنتُ أخشى أن يكون متعالياً، بعد أن طبع من روايته اسم الوردة نحو (50) مليون نسخة بثمانين لغة عالمية، لكنه استقبلني بلباقة وأبدى سعادة واضحة حين أعلمته بأنني قرأت روايته بمتعة كبيرة».

من تفاصيل الصراعات ما يبدو عرضياً لكنّه يعرض ملامح بيئة التفاعل والإنتاج الثقافي، مثل غضب المخرج وكاتب سيناريو الفيلم إسماعيل ساري من اقتراح المخرج وضع  ثلاثة ديكة فوق طاولة النقاش، بدلاً من الخراف المكتوبة في السيناريو، بقصد إضافة حيوية أكبر على المشهد لحظة طيران أحد الديكة خارج الشاحنة المسرعة، كما قال، ليُهدد إسماعيل بسحب السيناريو وإلغاء المشروع كاملاً مُعتبِراً وجود مثل هذه الديكة البلهاء في الشريط عاراً بحق البيئة لا يقبله البتة.

يسكن إسماعيل أحد بيوت الديوانية التي تُؤجَّر فيها الغرف منفردة في بيت مطبخه وحمامه جماعي، كان هؤلاء العباقرة يتجولون في الغرف بالبيجامات كسكان أصليين، يتبادلون الشتائم والاتهامات واللكمات بلا رحمة.

لطالما خرج ماركس من السهرة بلحية منتوفة، وخسر لينين هيبته لأسباب تتعلق بغطرسته الإيديولوجية، وهرب ماو من النافذة لندرة مريديه، وخبط فلهلم رايش الطاولة بيده من دون أن يستمع إليه أحد. هزائم هؤلاء لن تستمر طويلاً، ففي الليلة الثانية سيستعيد لينين كرامته التي هُدرت أمس بمناوشات مضادة تضع النظرية في نصابها، وسيحضر زوربا، وبوذا، وفرقة «ناس الغيوان»، وسينضم إلى السهرة التونسي الميلود عماري بصحبة رولان بارت.

تتنوع صراعات المثقفين السوريين في الرواية، فقد أثار معرض «عاريات» في صالة كامل بالمزة سخط المثقفين القروسطيين باحتجاجات صاخبة (بسبب اقتحامه مناطق في الجسد بمقاصد إيروتيكية شفيقة تطيح بمنطقة الشهوة لمصلحة التكوينات الخطية وتناغم الكتل في الفراغ). فهم لم ينظروا إلى هذه الأعمال من باب انتشال الجمال النائم في غفوته، و«إعادة ابتكار العالم وحمايته إلى الأبد من الإهانة، من اللا مبالاة، من النسيان».

يرفض إسماعيل سماع قصيدة من ومضات مصعب هاشم عندما كان ساهراً في غرفة مصعب بالطابق الثاني من بيتهم المشترك: «واستلَّ (مصعب) دفتراً من حقيبة استعداداً لقراءة آخر ومضاته، إلا أن إسماعيل رفض الإنصات إليه برفع يده معترضاً فقد كان بمزاج لا يسمح له بمثل هذه الهرطقة الليلية.

أحضر الشاعر كأسين من عرق الريان على أمل أن يتحسَّنَ مزاج نديمه ويقصفه بومضة شعرية تنال استحسانه. فجأة اختفى الشاعر وراء غيمة من الدخان التي ملأت الغرفة الضيقة».

تمثل الخلافات بشأن الاستحواذ على الكتب وسرقتها في الرواية جزءاً من صراع المثقفين السوريين في حقبة زمنية ما من حياتهم؛ «فقد كان اختلاس الكتب عملاً بطولياً خارقاً يحتاج إلى خفة يد لحظة خطف الفريسة، أو إلى ارتداء فيلد عسكري لإخفاء الغنائم تحت بطانته الفضفاضة، أو إلى رفقة صديقة راديكالية تتأبط حقيبة نسائية كبيرة تتسع لاحتضان مجلد من طراز النبي المسلح لإسحاق دوتيشر في حال كنت ذا ميول تروتسكية.

ولأنّ شعار السارق من السارق كالوارث من أبيه هو الأكثر تداولاً بين هذه الورشة الطليعية، كان عليك أن تحذر من غزوات الأصدقاء لمكتبتك، وذلك باستغلال خروجك من الغرفة إلى المطبخ لدقائق فقط».

صراعات المثقفين السوريين تُعبِّرُ عن المزاج الحاد الذي ساد الأوساط الثقافية السورية، فسرقة الكتب شكّلت ظاهرة من ظواهر الثقافة السورية في ثمانينيات القرن الفائت. أمّا الاحتجاج على معرض «عاريات» للفنان يوسف عبدلكي في دمشق أيام النظام البائد فقد اجتاح عدداً كبيراً من صفحات الفيسبوك، وبعض المواقع الإلكترونية، وهذا ما دفع الفنان للرد على هذه الاحتجاجات في صحيفة القدس العربي، موضحاً سبب المعرض في العاصمة السورية الذي لم يعتبره تطبيعاً ثقافياً وفنياً مع نظام الاستبداد الأسدي.

يُكرّس العنف السياسي والعسكري خطاب شرعة الأقوياء والغاب ليُصبح قانوناً رسمياً في البلاد مثلما فعل انقلاب 1963، إذ شرّعَ عملية الاعتقال من بوابة معاداة «أهداف الثورة» التي كانت في الواقع انقلاباً استخدم العنف السياسي لتثبيت سلطته في قيادة الدولة والمجتمع، وهذا ما حوَّلَ خطاب السلطة إلى إيديولوجيا تُعبر عن تطلعات السلطة، وكذلك عاش مثقفو سوريا صراعات إيديولوجية بعيدة عن المجتمع وحاجاته الأساسية في خطاب سياسي اجتماعي قادر على تحقيق مصالح الطبقات الشعبية في حياة حرة كريمة.

صدر للروائي خليل صويلح قبل رواية ماء العروس روايات: «ورّاق الحب، احتضار الفرس، جنّة البرابرة، دع عنك لومي، سيأتيك الغزال، اختبار الندم، بريد عاجل، عزلة الحلزون». وفي النقد: «قانون حراسة الشهوة، ضد المكتبة، نزهة الغراب، حفرة الأعمى، اغتصاب كان وأخواتها-حوارات مع محمد الماغوط».