لا تنظر أنقرة إلى اتّفاق مكّة باعتباره التزاماً دفاعيّاً تجاه السعوديّة وباكستان فحسب، بل بوصفه رافعةً استراتيجيّة في ترتيب يربط المصالح الأمنيّة للدول الثلاث، ويوسّع قدرتها على التأثير في معادلات الأمن الإقليميّ والتوازنات التي يمكن أن تتشكّل حوله.
يظهر الاختبار الأوضح لهذا التكتّل في قدرته على التعامل مع استمرار الهجمات الحوثيّة على السعوديّة. فالمسألة لا تتعلّق بإعلان التضامن مع الرياض، بل بطريقة التعاون الدفاعيّ بين الشركاء في مواجهة هذه الاعتداءات والتأثير في حسابات إيران التي تموّل وتدعم جماعات الحوثيّ.
السؤال بالنسبة إلى أنقرة لا يقتصر على كيفيّة تعامل الحلف مع متغيّرات المشهد اليمنيّ، بل يمتدّ إلى ما إذا كانت فاعليّته ستدفع طهران إلى مراجعة سياستها هناك، أم ستواصل توظيف علاقاتها مع الحوثيّين رغم تغيّر البيئة الأمنيّة المحيطة بها.
يبدو أنّ أنقرة أمام اختبار معادلة دقيقة اعتمدتها في الأشهر الأخيرة: ترسيخ شراكتها الدفاعيّة مع السعوديّة وباكستان وتعزيز فاعليّة حلف مكّة، من دون أن يتحوّل اختبار الردع في اليمن إلى مواجهة إقليميّة مفتوحة مع إيران.
اكتسب المسار القانوني للاتّفاقيّة خطوة إضافيّة، بعد إحالتها إلى البرلمان. وتتجاوز أهميّة هذه الخطوة الإجراء الدستوريّ إلى اختبار قدرة أنقرة على تحويل التفاهم السياسيّ إلى التزام استراتيجيّ مستقرّ.
لذلك تكشف الهجمات الحوثيّة المتكرّرة على السعوديّة أنّ الاختبار الفعليّ لحلف مكّة لا يتعلّق بإعلان التضامن مع الرياض، بل بقدرته على وضع حدّ للاعتداءات التي تتعرّض لها المملكة.
بناء آليّات مؤسّسيّة
شكّلت اجتماعات الرياض في الخامس من الشهر الحاليّ خطوة في مسار بناء الآليّات المؤسّسيّة للحلف، إذ بحثت اللجنة السياسيّة والدفاعيّة الاستراتيجيّة التطوّرات الأمنيّة والمرحلة التي بلغتها جهود استكمال مؤسّساته، وأُعلن تعيين أوّل أمين عامّ للحلف لمدّة ثلاث سنوات. ويعكس ذلك تقدّماً في بناء الإطار المؤسّسيّ للتعاون بين الدول الثلاث، لكنّ كلّ ذلك ينتظر تفعيل بنود الاتّفاقيّة ودخولها حيّز التنفيذ.
أكّد وزير الخارجيّة التركيّ هاكان فيدان أنّ الاتّفاقيّة دفاعيّة ولا تتيح لتركيا إرسال قوّات إلى أراضي دولة أخرى لتنفيذ هجمات. وفي الوقت نفسه، أوضح أنّ أنقرة تقيّم، بالتنسيق مع شركائها، سبل دعم القدرات الدفاعيّة السعوديّة، بما يشمل مجالات الدفاع الجوّيّ والحرب الإلكترونيّة والجوانب الفنّيّة.
في هذا السياق، يستدعي مبدأ الدفاع الجماعيّ في حلف مكّة مقارنةً بالمادّة الخامسة من ميثاق حلف شماليّ الأطلسيّ، من حيث ربط أمن الأعضاء بمواجهة الاعتداء على أحدهم. لكنّ التشابه في المبدأ لا يعني تطابقاً في آليّات التنفيذ أو مستوى التكامل العسكريّ، فذلك يتوقّف على الإجراءات التي تعتمدها الدول الثلاث، وقدرتها على تحويل الالتزام السياسيّ إلى استجابة عمليّة عند وقوع اعتداء على أحد الأعضاء.
الدّفاع الجماعيّ والرّدع الجماعيّ
هنا يظهر الفرق بين الدفاع الجماعيّ والردع الجماعيّ: فالأوّل يقوم على الالتزام بمواجهة التهديد الذي يتعرّض له أحد الشركاء، بينما يسعى الثاني إلى التأثير مسبقاً في حسابات الطرف المهدِّد، بما يدفعه إلى إعادة تقدير قرار التصعيد وكلفته المحتملة. فاعليّة الحلف لن تُختبر بقدرته على اعتراض الهجمات فحسب، بل أيضاً بمدى تأثير إجراءاته الدفاعيّة والردعيّة في حسابات الحوثيّين وإيران.
تتجاوز المسألة اليمنيّة حدود العلاقة بين طهران والحوثيّين إلى مستقبل شبكة النفوذ الإيرانيّة في المنطقة. فالتغييرات التي طرأت على موقع إيران في سوريا ولبنان أعادت إبراز الأهميّة النسبيّة للعراق واليمن في حسابات نفوذها الإقليميّ.
توظيف العلاقات
تظلّ التجربة الإيرانيّة السابقة حاضرة في حسابات أنقرة وشركائها، لا باعتبار أنّ تكرارها في اليمن أمر محسوم، بل لأنّ توظيف العلاقات مع القوى المحليّة للتأثير الإقليميّ قد يصطدم ببيئة سياسيّة وأمنيّة مختلفة، وبترتيبات تسعى دول المنطقة إلى بنائها لحماية أمنها وممرّاتها التجاريّة.
من هنا، فإنّ استمرار التصعيد يضع إيران أمام سؤال مختلف: كيف يمكنها الحفاظ على علاقاتها مع الحوثيّين من دون أن تتحوّل هذه العلاقات إلى مصدر ضغط على مصالحها الإقليميّة، أو إلى عامل يدفع دول حلف مكّة نحو تنسيق دفاعيّ وردعيّ أوسع؟
تكتسب هذه المعادلة أهميّة إضافيّة مع إعلان طهران استعدادها لتسهيل الحوار بين السعوديّة والحوثيّين، بالتزامن مع استمرار الهجمات على الأراضي السعوديّة. ومن منظور أنقرة، قد يتّسع هامش التقاطع مع إيران إذا تحوّلت الدعوة إلى الحوار إلى خطوات ملموسة، بينما سيزداد التباعد إذا استمرّ التناقض بين خطاب التهدئة والواقع الميدانيّ.
لا يلغي تعزيز الشراكة الدفاعيّة مع الرياض وإسلام آباد حاجة أنقرة إلى إبقاء قنوات التواصل مع طهران مفتوحة، لكنّه يجعل الموازنة بين الالتزامات الدفاعيّة وإدارة الخلاف مع إيران أكثر صعوبة. وسيظلّ هامش التقاطع بين البلدين مرتبطاً بمدى انعكاس الموقف الإيرانيّ المعلن على سلوك الحوثيّين وتطوّرات الميدان.
