تعجز القيادة الإيرانيّة عن التكيّف مع نتائج الحرب، فتحوّل عداءها نحو جيرانها، بمحاولة يائسة لدفع إدارة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب لوقف ضغوطه القصوى. بالقدر نفسه يعجز “الحزب” في لبنان عن مراجعة حساباته أمام التحوّلات التي أنهكت طهران في الإقليم وأضعفت موقعه لبنانيّاً. ولأنّ مفاوضات “تامبا” بين لبنان وإسرائيل أُرجئت لأجل غير مسمى، يستدير “الحزب” نحو الداخل بالموادّ المتفجّرة والحملات المفتعلة.
في الثاني من آب الماضي برّر ترامب تأجيل ضربات قويّة لإيران وبنيتها التحتيّة النفطيّة والمدنيّة، بالقول إنّ ثلاث دول خليجيّة طلبت منه ذلك. قيل في حينها إنّها السعودية وقطر والإمارات العربيّة المتّحدة. قيل أيضاً إنّ القيادة الإيرانيّة هدّدت في حال حصول الضربات، باجتياح وحدات من “حرس الثورة” الإيرانيّة مع الميليشيات العراقيّة الموالية لها مناطق حدوديّة في الكويت. وسرّب بعض الأوساط أنّ “الحرس” لوّح باجتياح مناطق في البحرين، وربّما بتحريك الحوثيّين لدخول مناطق حدوديّة سعوديّة…
بعد شهرين اختارت طهران قصف مطارات ومنشآت نفطيّة سعوديّة، بتوقيع حوثيّ، ردّاً على تشديد الحصار الأميركيّ الجوّيّ والبحريّ والنفطيّ، بعدما رفض ترامب شروطها لتجديد التفاوض وفتح مضيق هرمز.
تعطيل الرّياض لابتزاز نتنياهو
تتّبع القيادة الإيرانيّة أسلوب دفن الرأس في الرمال كأنّ شيئاً لم يتغيّر في المنطقة، فتفتعل تصعيد العداء مع دول الخليج من دون حساب للعواقب. بسياستها الانتقاميّة عبر إشعال الجبهات مع محيطها، تعتنق طهران مبدأ “الخبطة العشواء”.
هذا ما يتيح للإدارة الأميركيّة توظيف المخاطر الإيرانيّة على دول الخليج، فتضعها أمام تحدّي توفير سبل حماية أمنها بتحالفات إقليميّة محدودة الحركة بسبب التعقيدات الكبيرة للعلاقات بين الدول المعنيّة.
بموازاة رفض السعوديّة طلب طهران الانضمام إلى “تحالف مكّة” السعوديّ الباكستانيّ التركيّ، لأنّه مجرّد مناورة لتعطيله، أتاح ترامب لبنيامين نتنياهو أن يسعى إلى ابتزاز دول الخليج، على قاعدة ضرب الحوثيّين مقابل التطبيع الإبراهيميّ. إلّا أنّ وليّ العهد السعوديّ الأمير محمّد بن سلمان أحبط الابتزاز برفضه أيّ مشاركة إسرائيليّة في صدّ الاندفاعة الإيرانيّة-الحوثيّة.
في لبنان يتلقّف بنيامين نتنياهو رفع “الحزب” الصوت ضدّ السلطة، وزعمه بأنّه سيقاتل الاحتلال في زمن الانتخابات الإسرائيليّة لتوظيفه لمصلحته. يقول مسؤلون أميركيّون سابقون إنّ سلوك “الحزب” بات ورقة انتخابيّة لنتنياهو تفيده أكثر من المفاوضات، وهي أهمّ من التفاوض لكسب الأصوات.
لذلك لا يريد الإسرائيليّون العودة إليها، على الأقلّ في المرحلة المنظورة المقبلة، على الرغم من محاولات سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوّض استعجال استئنافها في لقاءاتها في الخارجيّة الأميركيّة، باعتبار أنّ لبنان سيطرح توسيع المناطق التجريبيّة وانتشار الجيش وتحريك آليّة التحقّق الأميركيّة من التنفيذ.
الحضور الإيرانيّ… رغم الحصار
إلّا أنّ “الحزب” وإيران يملآن الفراغ بالحضور الأمنيّ والسياسيّ الذي يخاطب الداخل اللبنانيّ:
– نائب وزير الخارجيّة الإيرانيّ سعيد خطيب زادة يزور بيروت بحجّة توقيع كتاب له في معرض الكتاب، فيستقبله وفد من “الثنائيّ الشيعيّ” في المطار. لكن لا زيارة له للرئاسة اللبنانيّة. وعلى رغم طلبه لقاء رئيس الحكومة نوّاف سلام، يستقبله نائب رئيس الحكومة طارق متري…
تقول الرسالة الإيرانيّة إنّ طهران تستطيع اختراق الحصار الدبلوماسيّ والجوّيّ من لبنان. فالوفد الإيرانيّ وصل بطائرة قادمة من بغداد، لأنّ بيروت امتنعت عن استقبال طائرات قادمة من طهران بفعل عقوبات وزارة الخزانة الأميركيّة.
– المفارقة التي رافقت وصوله حصول اتّصال وزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي برئيس الجمهوريّة جوزف عون، “وكان الرأي متّفقاً على ضرورة دعم الحلول الدبلوماسيّة باعتبارها الأفضل لوضع حدّ للنزاعات في المنطقة، وعلى كلّ الجبهات”. وهو كلام يناقض حملة “الحزب” على المفاوضات التي تخوضها السلطة اللبنانيّة مع إسرائيل للتوصّل إلى اتّفاق عدم اعتداء يضمن انسحاب إسرائيل وحصر السلاح بيد الدولة.
قول الشيء وفعل عكسه
– سبق ذلك اكتشاف الأجهزة اللبنانيّة تهريب شحنتَين تحتويان كميّات هائلة من الموادّ المتفجّرة، إحداهما في منطقة ضهر البيدر والأخرى في منطقة الهرمل، تعودان إلى “الحزب”. قناعة المسؤولين اللبنانيّين أنّ للشحنتين هدفاً داخليّاً لاستخدامهما في عمليّات أمنيّة ضدّ مسؤولين أو جهات معادية لـ”الحزب”.
قيادة “الحزب” حاولت استرداد المتفجّرات كما في السابق، بحجّة أنّها تُستخدم في الطائرات المسيّرة في حال وسّع الجيش الإسرائيليّ احتلاله. لم يتأقلم “الحزب” مع خطوات الدولة للإمساك بالأمن ولو أنّها ما تزال خجولة. فقد اعتاد على حرّية التصرّف بحجّة أنّه “مقاومة” بينما اعتقاد مسؤولين لبنانيّين رسميّين وسياسيّين أنّه لم يعد ينفّذ عمليّات ضدّ القوّات الإسرائيليّة المحتلّة، بعدما ثبت أنّ قدرته الردعيّة ضدّ التغوّل الإسرائيليّ كانت سراباً صنعته المبالغات وأحياناً الخرافات.
بقدر مخالفة “الحزب” اتّفاقه مع الجيش وفقاً لاتّفاق وقف الأعمال العدائيّة في 27 تشرين الثاني 2024، الذي يكرّر قادته أنّهم يلتزمونه، على حظر نقل أو استخدام أنواع السلاح في شمال نهر الليطاني، باتت القوّات المسلّحة في حلّ من الترتيبات الأمنيّة السابقة مع “المقاومة”… كما أنّ تهديدات بعض مسؤولي “الحزب” لتوجّهات السلطة وسائر القوى المعارضة لاحتفاظه بترسانته، تشي بإمكان عودته لأسلوب الاغتيالات الذي مارسه ضدّ معارضيه.
– تزامن وضع اليد على المتفجّرات مع إعلان “الحزب” رزمة مساعدات سيقدّمها لـ14 ألف عائلة مهجّرة من الجنوب كبدل إيواء وترميم تُصرف على أربع دفعات خلال سنة. كما تزامنت مصادرة الموادّ المتفجّرة، مع اجتماع نوّاب “الحزب” وحركة “أمل” مع الرئيس سلام لعرض خطط الحكومة لصرف 70 مليون دولار من أجل بدء إعادة الإعمار في الجنوب. أي أنّ “الحزب” قفز فوق اتّهامه السلطة بأنّها تسهّل لإسرائيل تحقيق أهدافها، ليقول الشيء ويفعل نقيضه.
