استهدفت غارات سلاح الجو الأردني، مساء أمس الاثنين، مواقع عدة في محافظتَي درعا والسويداء، وأسفرت عن تدمير منازل، وسقوط 7 قتلى وإصابة 4 جرحى بحسب آخر بيان لمديرية صحة درعا، بينهم 5 قتلى من عائلة واحدة هم ثلاثة أطفال وامرأة ورجل في قرية الطفّ باللجاة، بالإضافة إلى مقتل رجل مسن في مزارع الشياح قرب نصيب، ومقتل رجل في قرية الشهيب بريف السويداء.

وقالت القوات المسلحة الأردنية في بيانها إن الغارات نُفِّذت «بالتنسيق مع الحكومة السورية»، وإنها «استهدفت أوكار التنظيمات الإرهابية في الجنوب الشرقي السوري». وزعمَ البيان أن الغارات أسفرت عن قتل وجرح عناصر في التنظيمات المُستهدفة، وأَطلقَ على العملية اسم «الردع الأردني – حمود»، إشارةً إلى قرية حمود قرب مدينة الكرك الأردنية، التي شهدت قبل أيام هجوماً إجرامياً دامياً على مراسم جنّاز في كنيسة. ورغم التصريحات الأردنية، التي أعقبت ارتكاب سلاح الطيران الأردني مجزرةً بحق مدنيين داخل سوريا، عن صلةٍ تجمع تنظيمات في سوريا بمُنفِّذي الهجوم على الكنيسة، وجميعهم أردنيون، فإنّ تصريحات رسمية أردنية سابقة كانت قد نفت وجود أي صلة بين المنفّذين وأطراف خارجية.

من جهتها، قالت الخارجية السورية إنها أبلغت الجانب الأردني «التحفظ الكامل على تنفيذ عمليات داخل ‏الأراضي السورية ‏دون تنسيق مسبق»، مضيفةً أنه «يجري التواصل والتنسيق المستمر مع ‏الجانب الأردني للوقوف على التفاصيل ‏والأسباب للتعامل مع ‏تداعيات هذا الحدث بما يحفظ الأمن وسيادة الأراضي ‏السورية».‏ كما أصدرت لاحقاً بياناً أكد «عمق العلاقات الراسخة بين البلدين»، معربةً عن «استنكارها ورفضها بأقسى العبارات لما شهدته المنطقة من عمليات قصف أردنية طالت مواقع عدة، وما رافقها من اختراق غير مقبول للأجواء السورية دون أي تنسيق مسبق، ما أسفر عن ارتقاء شهداء وسقوط جرحى»، إلى جانب تجديد إدانة استهداف كنيسة مار جاورجيوس في قرية حمود في الأردن.

وفي السياق نفسه، أغلقت الهيئة السورية للمنافذ الحدودية معبر نصيب مع الأردن صباح اليوم، وقالت إن «القرار يشمل تعليق ‏حركة ‏المسافرين والحركة التجارية بشكل كامل في كلا ‏الاتجاهين». وليست هذه الغارات هي الأولى التي ينفّذها الأردن على الأراضي السورية، لكن الغارات السابقة كانت تستهدف شبكات إنتاج وتهريب المخدرات، وتجري في ظلِّ تفاهمات واتفاقات تنسيق أمني، من أبرز محطاتها تشكيل لجنة أمنية مشتركة في كانون الثاني (يناير) 2025، تهدف أعمالها إلى تعزيز التنسيق بين البلدين في مجالات مكافحة تهريب المخدرات والسلاح والتنظيمات الإرهابية.

تصوير: علي حاج سليمان

«جمعنا أشلاء أفراد العائلة من مسافات تصل إلى 50 متراً»

قال سليم السليم، البالغ من العمر 35 عاماً، وهو من قرية المسمية في محافظة درعا وابن عم العائلة المستهدفة، إنهم كانوا يجلسون ليلاً في قرية المسمية، فيما تقيم عائلة عمه في قرية تُدعى الطف، بالقرب من المسمية. وأضاف: «لم نشعر إلا بضربات طيران حربي ونيران ودخان كثيف. نزلنا إلى منطقة الضربة، فإذا بمجزرة عظيمة قد وقعت».

وأوضح أنه عند وصولهم إلى مكان الحادث، وجدوا أشلاء بشرية لأفراد عائلة مدنية، مضيفاً: «بدأنا نجمع أشلاءهم من مسافات تتراوح بين 20 و30 و50 متراً. الرجل والرأس… قطعة قطعة».

تصوير: علي حاج سليمان

وأشار إلى أن الضحايا هم زوجة عمه، وهي امرأة تبلغ من العمر قرابة 90 عاماً، وحفيدها الشاب زاهر البالغ من العمر 18 عاماً، إضافة إلى ثلاثة أطفال من أبناء ابنها هادي: ولدين وبنت. وأوضح أن الطفل الأكبر يُدعى ياسين، ويبلغ من العمر 10 سنوات، فيما يبلغ أسامة هادي السليم 8 سنوات، وتبلغ شقيقتهما لميس 6 سنوات. وقال السليم إن والد الأطفال اعتُقل في سجن صيدنايا وما يزال في عداد المُغيّبين، مؤكداً أنهم لم يتلقوا أي خبر عنه على الإطلاق منذ اعتقاله.

ووجه السليم «رسالةً إلى الدولة السورية» لإدانة ما وصفه بالعمل الإرهابي، وفتح تحقيق مباشر في المجزرة. وأضاف: «المنطقة مدنية، يعمل أهلها في البناء بالحجارة البازلتية ورعي الأغنام. عائلة مدنية عزلاء، والطيران الأردني الغاشم يرتكب مجزرة ويخترق الأجواء السورية من دون علم الحكومة السورية. هذا الكلام مرفوض رفضاً قاطعاً. نطلب من الدولة السورية أن تُدين هذا العمل، وأن تفتح تحقيقاً مباشراً  لتحديد مَن ارتكب المجزرة. ونحن تحت سقف القانون».

وتابع: «عندما وقع القصف، كانت المنطقة مدنية، وسكانها رُعاة أغنام، ولا يوجد فيها ما يدعو إلى اعتبار قاطنيها عصابات إرهابية. هل طفل عمره 10 سنوات إرهابي؟ وهل سيدة عمرها 60 سنة إرهابية؟ إنه عدوان غاشم، ويجب أن يُحاسَب المسؤولون عن ارتكابه».

وأضاف السليم: «نحن ندين المملكة الأردنية الهاشمية على هذا العمل. نحن جيران، وسوريا والأردن دولتان متجاورتان، والأردنيون يدخلون إلى سوريا على الرحب والسعة، لكن أن يصل الأمر إلى أن يذبحوا أطفالنا ويدمروا قرانا ويجعلوها غير آمنة. لماذا هذا العمل؟ حتى أنهم فعلوا ذلك من دون امتلاك إثباتات وبراهين».

تصوير: علي حاج سليمان

وتحدث السليم عن المنزل الذي كانت تقيم فيه العائلة، موضحاً أنه كان مصنوعاً من القماش، وهو ما يُعرف ببيت الشعر أو البيت العربي. وقال: «المنطقة منكوبة منذ عهد نظام الأسد. لا توجد بيوت فيها أساساً، فكلها قد هدّمها القصف في تلك الحقبة. فقر لا يوصف، ودمار شامل. لم يترك فيها نظام الأسد داراً واحدة». وأضاف أن حياة العائلة كانت بسيطة، إذ كانت تمتلك عدداً من رؤوس الماشية التي ترعاها، بينما كان الأطفال يقرؤون كتبهم ويؤدون واجباتهم المدرسية: «كانوا نائمين عندما وقع القصف. لا حول ولا قوة إلا بالله».

العائلة فقدت اثنين من أبنائها في سجن صيدنايا عام 2018

كشف السليم أن عمه فقد اثنين من أبنائه في سجن صيدنايا عام 2018، وأنهما ما يزالان مجهولي المصير بعد سقوط النظام ولم تصل العائلة أي معلومات عنهما، مضيفاً: «وإجوا جيراننا الأردنيين كمّلوا على باقي العيلة. خسر زوجته وابنه و3 أطفال ولاد ابنه».

وقالت إسراء الرفاعي وهي من سكان مدينة درعا، متحدثة عن لحظات سماع الطيران الحربي: «عندما سمعنا الطيران يخرق جدار الصوت، خفنا واعتقدنا أنه إسرائيلي. وعندما بدأت الأخبار تتحدث عن أنه أردني، ارتحنا وتوقفنا عن الخوف». وأضافت: «لكننا لم نتوقع، ولم يخطر ببالنا، أن نصطدم بهذه النتيجة. ردة الفعل هذه لا تخص عائلتي فقط، بل تُعمَّم على جميع الحوارنة».

تصوير: علي حاج سليمان

وتساءل عبد العونان، من سكان منطقة اللجاة، عن مبررات استهداف العائلة، مؤكداً أن الضحايا كانوا يعيشون في القرية بأمان واطمئنان. وقال: «أي إرهابيين؟ نحن أبناء عم ونعيش في القرية آمنين مطمئنين. حتى إن بيت العائلة التي استهدفتها الغارة الأردنية قُصفَ في عهد النظام البائد، وهم يعيشون في خيمة. كانوا نائمين مع أطفالهم في أمان الله. أطفال ونساء في قرية الطف، يفاجئهم الطيران الحربي بقصفهم وقتلهم. لماذا تقصفونهم؟ وعلى أي أساس تقصفون الأبرياء؟ وعلى عاتق من تقع مسؤولية ذلك؟».

وأضاف العونان أن الحكومات يجب أن تتحمل المسؤولية كاملة، مطالباً بالكشف عن الجهة المسؤولة عن استهداف المدنيين. وتابع: «نريد أن نعرف كيف يقصفون الناس الأبرياء، ومن يتحمل المسؤولية. ألا يخافون الله؟ أليس الله فوق الجميع؟ يدخلون إلى محافظة درعا، وتقع مجزرة هنا وأخرى في المزيريب وطفس. أين دولتنا؟ لماذا نجمع أشلاء الأطفال؟ دماء الناس وأشلاؤهم، من المسؤول عن هذا؟ لا يجوز ما حدث».

وطالب العونان السلطات السورية بمخاطبة الأردن وطلب التحقيق مع الطيار الذي نفّذَ القصف، قائلاً: «نريد من دولتنا أن تخاطب دولة الأردن. هذا الطيار الذي قصف الناس، يجب التحقيق معه. على أي أساس قصفَ الناس الآمنين؟ لقد ضرب خيمة فيها خمسة أطفال وأمهم، فماتوا وتقطعت أجسادهم أشلاءً. ماذا رأى في هذه الخيمة حتى يضربها؟ ومن أعطاه الإحداثيات وقال له اضرب الأطفال النائمين والنساء؟».

وأضاف: «لا يقبل الله هذا، ولا مجلس الأمن، ولا الأمم المتحدة، ولا المشايخ، ولا الكنائس. أي إرهابيين؟ فليأتوا ويسألوا الناس ويحققوا معهم. حسبي الله ونعم الوكيل».

وأشار العونان إلى أن العائلة كانت تعيش من تربية الأغنام، ولم يكن لديها عمل آخر، قائلًا: «أناس يعيشون على لقمة عيشهم التي يحصلون عليها من رعي الأغنام، ولا يملكون شيئاً، يسكنون في خيمتهم آمنين مطمئنين، ثم يأتي الصاروخ ليضربهم».

وتحدث العونان عن العلاقات بين سكان المنطقة والأردنيين، مشيراً إلى أنّ البلدين متجاوران، وأن سكان المناطق الحدودية تربطهم علاقات عشائرية واجتماعية. وقال: «الأردن جارتنا، والشعب الأردني الموجود على الحدود كله من العشائر، ومن بني حسن، وهم من العشائر الطيبة، وجيران ومتحابون، ولا توجد أي مشكلة». وأضاف أنه «إذا كان هناك إرهابيون على الحدود، فلا يجوز استهداف السكان المدنيين بدلاً منهم.

ووصف العونان لحظة القصف: «عندما ضربت الطائرة، اهتزت المنطقة كلها. فزِع الناس، وفزِعنا معهم، وإذا بنا أمام كارثة يندى لها الجبين، بكل معنى الكلمة. لا يتقبلها بشر ولا حجر. هذا لا يجوز، والله لا يجوز».

وفي ختام حديثه، طالب الحكومات بتحمل المسؤولية والعمل على استعادة حقوق الضحايا، وقال: «نريد من حكومتنا أن تتحمل المسؤولية، وأن تستعيد حقوق الناس الذين ذهبت أرواحهم سدى. أين مجلس الأمن؟ أين الملك عبد الله؟ أين الرئيس؟ لماذا لا يحققون؟».

مديرية الصحة في درعا: سبعة ضحايا وأربعة جرحى

وأعلنت مديرية الصحة في درعا مقتل سبعة أشخاص وإصابة أربعة آخرين جراء الغارات الجوية التي استهدفت ريفي درعا والسويداء مساء أمس. وجاء في بيان المديرية أن كوادر مديريتي الطوارئ وإدارة الكوارث والصحة في درعا، من خلال فرق الدفاع المدني والأطقم الطبية، استجابت للبلاغات الواردة جراء الغارات الجوية التي استهدفت عدة مواقع، شملت قرية الطف في اللجاة، ومزارع الشياح في نصيب، والمزيريب، وبلدة شهيب.

وأضاف البيان أن الفرق نفّذت عمليات البحث والإنقاذ والإسعاف والنقل، وأن مشافي المحافظة استقبلت جثامين سبعة شهداء، بينهم ثلاثة أطفال وامرأة، إضافةً إلى أربعة جرحى جرى تقديم الإسعافات الأولية لهم ونقلهم لتلقي العلاج في مشافي المحافظة. وأشار البيان إلى أنّ الفرق الطبية والدفاع المدني يواصلان الاستجابة لمتابعة الأوضاع الميدانية ورفع الجاهزية للتعامل المباشر مع أي طارئ.

وشُيِّعَ ضحايا اللجاة من مشفى الصنمين العسكري عند الساعة الحادية عشرة والربع من صباح اليوم، كما شُيِّعَ أحد الضحايا من الجامع العمري في درعا بعد صلاة ظهر اليوم.