أعلن الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب سقوط مذكّرة التفاهم مع إيران في إحاطة متلفزة بدت أشبه بتمزيقه اتّفاقيّة العمل الشاملة في 2018، إثر استهداف إيران ثلاث سفن تجاريّة خليجيّة كانت تعبر المسار المحاذي للسواحل العمانيّة الذي ترفضه إيران حسب تفسيرها للبند الخامس من مذكّرة التفاهم.
يمكن لترامب أن يبدّل رأيه ويعلن أنّ الإيرانيّين يتوسّلون عقد صفقة معه. ليس هذا بالأمر المهمّ، إنّما الثابت أنّ هذه المذكّرة ستسقط حين تنتهي وظيفتها الأساسيّة، ألا وهي التقاط الأنفاس والتحضير للجولة المقبلة. وإن وأد ترامب المذكّرة فعلاً فتكون قد عادت إلى مكانها الصحيح في سلّة المهملات لأنّها تفتقر إلى أدنى صفات الحلّ. فهي لم تقارب أيّاً من نقاط الصراع الجوهريّة وافتقرت إلى الآليّات التي تمكّنها من حلّ الأزمة الناشبة نتيجة الصراع، والتي حوّلت مضيق هرمز إلى درّة التاج في أدوات فرض القوّة الإيرانيّة في الإقليم والعالم.
كشف الاستعصاء الدبلوماسيّ من إسلام آباد إلى لوسيرن فالدوحة أنّ مأزق مذكّرة التفاهم يتجاوز الخلاف على التفسير التقنيّ لبنودها. فالفجوة المفاهيميّة الوجوديّة Ontological gap الهائلة بين واشنطن وطهران وتل أبيب، لا تزال تتّكئ على رؤى متعارضة بالكامل لدور ونفوذ ومستقبل كلّ منهم في الإقليم، وشكل النظام الأمنيّ الذي سينشأ بعد الحرب وقدرة كلّ منهم على التحكّم بمعالمه.
تعتبر إيران أنّها انتصرت في الحرب وأنّ إمساكها بورقة المضيق يمكّنها من فرض شروط الاعتراف بهيمنتها على الولايات المتّحدة، إسرائيل، دول الخليج، والعالم. فأدبيّات الواقعيّة الهجوميّة تقول إنّ إيران ستكون قادرة على تكريس حضورها كقوّة مهيمنة إقليميّة Regional hegemon وفرض ما يمكن تسميته بالسلام الإيرانيّ Pax Iranica على خصومها. من خلال وضع جيرانها تحت ضغط لا يمكنهم احتماله، تهدف إيران إلى دفعهم إلى طلب انسحاب الولايات المتّحدة من أراضيهم. وبذلك تكون قد حقّقت الهدف الأسمى لثورتها على “الاستكبار العالميّ” كما عرّفه مؤسّس الجمهوريّة الإسلاميّة الإمام الخمينيّ بقوله إنّ “هدفنا الأساسيّ هو قلع جذور الاستكبار العالميّ، إخراج القوّات الأجنبيّة ونفوذ أميركا من المنطقة بالكامل، وتحرير الشعوب المسلمة من هيمنتها”.
صحيح أنّ إيران خامنئيّ الأب تعايشت لثلاثة عقود مع النفوذ الأميركيّ في الإقليم وتحالفت معه حيناً وحاربته أحياناً، إلّا أنّ أيّ قراءة لا تأخذ بعين الاعتبار التغيير الكبير، الذي طرأ على التفكير الإيرانيّ بعد 28 شباط وجرأة الذهاب إلى خيار التصعيد الأفقيّ وتفعيل ورقة المضيق، تخطئ في تقدير المدى الذي يمكن أن تتوقّف عنده إيران في مفاوضاتها مع الأميركيّين.
إيران لا تقيم وزناً للتّفاهمات الجانبيّة
إيران في قبضة قائد الحرس الثوريّ أحمد وحيدي وأمين المجلس الأعلى للأمن القوميّ محمّد باقر ذي القدر ومن خلفهما جبهة الصمود والباسيج والحرس، لا تقيم وزناً للتفاهمات الجانبيّة ولا لوعود المليارات التي ستتدفّق إن أحسنت التصرّف. ترى إيران الجديدة أنّ انتصارها في الحرب وسيطرتها على المضيق وجرأتها على استخدام القوّة الغاشمة ضدّ دول الخليج ستحقّق لها مكاسب على المدى الطويل تفوق بكثير ما ذهبت إليه مذكّرة التفاهم بغضّ النظر عن واقعيّة هذا التصوّر وعن دعمه بمعطيات حقيقيّة أو كونه ضرباً من الغرور.
لذا لا تتمتّع التفاهمات الجانبيّة التي تعقدها دول الخليج مع إيران بقيمة استراتيجيّة حقيقيّة من المنظور الإيرانيّ إلّا من حيث كونها دليلاً على أنّ هذه الدول أذعنت للقوّة الإيرانيّة وستكون أكثر ميلاً لمزيد من التنازلات إن غلّظت إيران أداءها. فقد ضُربت الناقلات القطريّة والسعوديّة والإماراتيّة عندما خالفت التعليمات الإيرانيّة وعبرت ضمن المياه الإقليميّة العمانيّة على الرغم من التفاهمات التي حيّدت تراب هذه الدول عن الاستهداف في الجولتين الأخيرتين.
تستهدف إيران أراضي البحرين والكويت لأنّها لا تقيم أيّ وزن لمفهوم السيادة، وترى أنّ وجود أيّ سلاح أميركيّ في أيّ منطقة تطالها صواريخها ومسيّراتها هو هدف مشروع لها بغضّ النظر عمّا تدّعيه من روابط جوار مع الدولة التي تقع على أرضها تلك الاعتداءات. فهدف النظام الإيرانيّ الحاليّ الذي يقوم على تحويل مضيق هرمز إلى رهينة عسكريّة، هو مقدّمة للإمساك بدول الخليج من عنقها الاقتصاديّ من خلال رفع كلفة الحماية الأميركيّة عبر الهجمات المستمرّة ودفع العواصم الخليجيّة أمام خيار مرير: إمّا تحمّل نزيف اقتصاديّ مدمّر، أو الطلب من واشنطن إخلاء قواعدها لشراء الأمن من طهران مباشرة.
هذه هي المعادلة التي تسعى إيران الجديدة إلى تكريسها والتي تعرّف النصر من وجهة نظرها والتي لا تتوقّف عند حدود السيطرة على المضيق، بل تحوّل إيران إلى “بائع الأمن” في الإقليم.
Pax Israeli
من جهتها، رسمت إسرائيل لنفسها دوراً مشابهاً بعد أحداث السابع من أكتوبر حين أعادت المؤسّسة العسكريّة الإسرائيليّة بناء عقيدتها العسكريّة من مفهوم جزّ العشب إلى الدفاع على أرض العدوّ من خلال إقامة الأحزمة العازلة في غزة ولبنان وسوريا.
أمّا على المستوى السياسيّ فقد أطلقت الصهيونيّة الدينيّة المتحكّمة برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مشروع إسرائيل الكبرى القائم على فكرة مطابقة في جوهرها إلى حدّ كبير مع التصوّر الإيراني، مفادها أنّ إسرائيل الكبرى هي مشروع نفوذ أمنيّ بالدرجة الأولى يقوم على استسلام الإقليم للنفوذ الإسرائيليّ والتسليم بالسيطرة العسكرية على ما تعتبره إسرائيل أحزمة أمان لحواضرها المغتصبة لأرض فلسطين التاريخيّة على تخوم الحدود الدوليّة مع سوريا ولبنان.
يذعن نتنياهو تكتيكيّاً لترامب بتوقيع صيغة الإطار مع لبنان ويمتنع عن ضرب إيران لكن في اللحظة التي يضمن فيها بقاءه السياسيّ سينبري مجددّاً لتحقيق الهدف الاستراتيجيّ الأبعد بفرض واقع السلام بالاستسلام على الإقليم من دون الالتفات إلى أيّ تسوية مع الفلسطينيّين إن لم يحسن أحدهم لجمه.
أمّا الولايات المتّحدة بقيادة دونالد ترامب فيتنازعها تيّاران: انعزاليّ لا يرى في هذا الإقليم سوى مصدر للصداع يسعى جاهداً لتحويله إلى مساحة هادئة لمشاريع التنمية، وتيّار أحفاد المحافظين الجدد الذي يكنّ عداءً أيديولوجيّاً للنظام الإيرانيّ.
غير أنّ التيّارين يتّفقان على أنّ بإمكان الولايات المتّحدة إعادة تشكيل الإقليم على قاعدة احتواء إيران ضمن معادلة توازن أمنيّ من تركيا إلى الهند. لكنّ التيّارين لم يبرهنا حتّى الآن عن قدرة على تجاوز عتبة الألم المطلوبة لفرض هذه المعادلة على مشروعين متعارضين لم يقبلا حتّى الآن إعادة تعريف نفسيهما.
لا الحرب على إيران دفعتها لإعادة تعريف دورها، لا بل زادتها تطرّفاً وقناعة بنهجها الثوريّ، ولا الضغط على نتنياهو أفلح في دفعه نحو استدارة استراتيجيّة. لذا ستكون الولايات المتّحدة قريباً أمام استحقاق السؤال الكبير: هل يمكن أن تعود حاملات الطائرات إلى الموانئ الأميركيّة وإيران خارج المنظومة؟
لم يعد هذا السؤال نظريّاً، فهو يتسلّل اليوم إلى قلب المؤسّسة العسكريّة الأميركيّة نفسها. ففي ندوة نظّمها المعهد اليهوديّ للأمن القوميّ الأميركيّ، تحدّث قائد القيادة المركزيّة الأميركيّة السابق الجنرال المتقاعد فرانك ماكينزي بوضوح نادر عن منظومة القواعد الأميركيّة الممتدّة على طول الساحل الجنوبيّ للخليج، من العديد إلى الظفرة فالمنامة، واعتبرها إرثاً من زمن الحرب الباردة ومكافحة الإرهاب في العراق وأفغانستان، وبنية غير صالحة لمواجهة الخطر الإيرانيّ الحاليّ. قال ماكينزي إنّه “لا شخص عاقلاً في يومنا هذا يضع المقرّ الأماميّ للقيادة المركزيّة الأميركيّة على بعد مئة ميل فقط من إيران”، في إشارة إلى قاعدة العديد في قطر.
لم تعد المشكلة، في قراءة ماكينزي، في رمزيّة الوجود الأميركيّ، بل في هشاشته الجغرافيّة. القرب الشديد من إيران حوّل القواعد الأميركيّة إلى أهداف مكشوفة أمام الصواريخ القصيرة المدى والمسيّرات الانتحاريّة، وجعل الأصول الأميركيّة في الخليج أقرب إلى رهائن جغرافيّة منها إلى أدوات ردع محصّنة.
كشف ماكينزي أنّه منذ عام 2022 كان يحذّر من هذه المعضلة، وأنّه اقترح على الإدارة الأميركيّة خطّة لإعادة تموضع القوّات والقواعد باتّجاه الغرب، بما يشمل مصر وإسرائيل ومناطق أخرى تستطيع القوّات الأميركيّة أن تنكفئ إليها وتتدفّق منها غرباً إذا دخلت واشنطن في حرب مع إيران.
الحرب، في هذه القراءة، لا تُدار فقط بعدد الطائرات والبوارج، بل بموقع القواعد وعمقها وقدرتها على الحركة، وبالقيود السياسيّة والعمليّاتيّة التي قد تفرضها دول الخليج على الإقلاع والهبوط وتحليق الطائرات الأميركيّة فوق أراضيها في لحظة الاشتباك. وأبلغ دليل ما قاله ماكينزي عن الموقف السعوديّ الحاسم الذي حال دون استمرار مشروع الحرّيّة لفتح المضيق والذي أدّى إلى زيادة التوتّر في العلاقة بين المملكة وواشنطن إلى مستويات غير مسبوقة.
الأهمّ في كلام ماكينزي أنّه أشار إلى أنّ إسرائيل، بخلاف القواعد الخليجيّة المكشوفة للصواريخ القصيرة المدى والمسيّرات الانتحاريّة، تمتلك منظومات دفاع جوّيّ أكثر تماسكاً وقدرة على حماية الأصول الأميركيّة. وهذا لا يعني بالضرورة انتقالاً فوريّاً من الخليج إلى إسرائيل أو مصر، لكنّه يكشف أنّ المؤسّسة العسكريّة الأميركيّة بدأت تنظر إلى الجغرافيا الخليجيّة نفسها باعتبارها جزءاً من المشكلة، لا مسرحاً للحلّ فقط.
ماذا عن المحور العربيّ الإسلاميّ من هندسة الإقليم؟
هنا تحديداً يصبح مأزق مذكّرة التفاهم أكثر وضوحاً. فهي لا تعالج فقط خلافاً على مسار سفن أو بند ملاحيّ أو آليّة مراقبة، بل تصطدم بسؤال أوسع: كيف يمكن بناء نظام أمنيّ جديد في الإقليم إذا كانت إيران تريد إخراج أميركا منه، وإسرائيل تريد تحويل جواره إلى مناطق عازلة مفتوحة، والولايات المتّحدة نفسها بدأت تتشكّك في صلاحيّة خرائط انتشارها القديمة؟ أيّ مذكّرة تستطيع أن تضبط هذا التناقض إن لم تكن جزءاً من إعادة هندسة شاملة لا من استراحة قصيرة بين جولتين؟
حين يفشل التفاوض في إنتاج تسوية، وبانتظار إنضاج تحالف عسكريّ واسع يوفّر الشروط المطلوبة لإطلاق الحرب الكبرى على إيران، تبحث واشنطن عن معالجات موضعيّة. تصعيد محسوب بهدف استعادة الردع، جزرة ضخمة من الحوافز والأموال بهدف إطلاق صراع على المكاسب داخل النظام، فيما تنشغل دول الإقليم في التنقيب عن دروب سلكها الأجداد بعيداً عن مضيق هرمز عبر سوريا إلى المتوسّط بحيث لا تبقى الطاقة والتجارة الخليجيّة معلّقة على مضيق تعرف إيران كيف تحوّله إلى زناد سياسيّ.
أمّا إيران فلديها هي أيضاً سلّمها التصعيديّ: تستطيع أن ترفع كلفة الملاحة في هرمز، أو تضرب القواعد الأميركيّة في الخليج، أو تحرّك الأذرع في الساحات الرخوة، أو تعود إلى ابتزاز الدول العربيّة كلّما شعرت بأنّ التسوية تحاصر طموحها. لكنّها قد تلجأ أيضاً إلى خيارها الأخطر: إعلان مفاجئ بأنّها تجاوزت العتبة النوويّة أو باتت تمتلك قنبلة. وهذا ما سيدفع الجميع إلى عدم التعامل معها كدولة قابلة للاحتواء، بل كقوّة لا يمكن إعادتها إلى حجمها الطبيعيّ إلّا بثمن أعلى بكثير.
من هنا، يصبح السؤال العربيّ والإقليميّ أكثر إلحاحاً من السؤال الأميركيّ: إلى أيّ مدى تستطيع الدول العربيّة والإقليميّة التعايش مع مشروعين متقابلين لفرض السلام بالقوّة ومشروع أميركيّ مرتبك لا يقوى على هضم الثمن المطلوب؟ إلى أيّ مدى يمكن التحوّط منهما بتفاهمات جانبيّة، ووساطات مرنة، وهدن مؤقّتة، فيما يتحضّر الجميع للجولة المقبلة؟ متى يتحوّل حلف الوسطاء دعاة الاستقرار إلى حلف فرض الاستقرار من إسلام آباد إلى القاهرة؟
* كاتبة صحافيّة وإعلاميّة لبنانيّة حاورت شخصيّات عربيّة وعالميّة خلال عملها في شبكة “بي بي سي نيوز عربيّ”. تخصّصت في دراسة مكافحة الإرهاب والجماعات المسلّحة.
