ملخص
يبقى السؤال الجوهري قائماً، وهو في حال نجاح إيران في التوصل إلى اتفاق مع واشنطن عبر وساطات إقليمية، فهل ستكف عن سلوك “الفاعلين من غير الدول”؟ وتتحول إلى دولة مسؤولة تعتمد الأطر الدبلوماسية؟ أم أن ممارسة التهديد ورفع الكلفة وخلق الاضطراب المستدام باتت أدواتها الرئيسة لتحقيق المكتسبات السياسية؟
تعكس التطورات المتسارعة التي شهدتها المنطقة أخيراً، وكان أحدثها الهجوم بطائرة مسيّرة على ميناء دمياط المصري المطل على البحر المتوسط، تحولاً لافتاً في الإستراتيجية الإيرانية، فطهران تهدف من هذا النهج الجديد إلى فرض قواعد اشتباك جديدة، بالتزامن مع المسار الدبلوماسي المعلن، ورغبتها مع واشنطن في التوصل إلى اتفاق.
هذا التحول يقودنا إلى ضرورة فهم أسباب ودلالات توسيع إيران رقعة الصراع جغرافياً، لتشمل دولاً لم تكن طرفاً في أية مرحلة من مراحل المواجهة الأميركية – الإيرانية – الإسرائيلية، ومنها:
أولاً: أسباب الرفض الإيراني للمقترح العُماني حول الملاحة في هرمز، فبالتزامن مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعليق الضربات العسكرية المخطط لها ضد إيران، لمنح الدبلوماسية فرصة، أُطلقت محادثات عُمانية – إيرانية لضمان فتح الملاحة في مضيق هرمز، وقدمت مسقط مقترحاً لقي دعماً إقليمياً، يتضمن إنشاء آلية إقليمية مشتركة لإدارة المضيق، وتحصيل رسوم طوعية، والتنسيق مع القوات البحرية الإقليمية لضمان المرور الآمن عبر هذا الممر الحيوي.
وعلى رغم الترويج الإيراني السابق لرغبتها في التعاون الإقليمي، لكن طهران رفضت المقترح العُماني لأسباب إستراتيجية عدة، إذ رأت أن التقاسم مناصفة (50-50) مع عُمان يفقدها السيطرة الحصرية على المضيق، وأن مستوى نفوذ مسقط يجب أن يتناسب مع حصتها الجغرافية فقط، واشترطت بديلاً قدّمه نائب وزير الخارجية كاظم غريب أبادي، وهو أن يكون مسار دخول السفن كاملاً تحت السيطرة الإيرانية وفي مياهها الإقليمية، مع بقاء جزء من مسار الخروج فقط تحت السيطرة العُمانية، لأنها ترفض التخلي عن دور “شرطي الخليج”، وتعد السيطرة على المضيق من أهم أوراقها الإستراتيجية للتحكم في الاقتصاد العالمي، وردع أية تهديدات لمصالحها.
ثانياً: دوافع طهران لتوسيع رقعة الصراع وجغرافية التهديد، إذ تعتمد نهج رفع الكلفة على الجميع، وتوسيع الصراع استناداً إلى دافعين رئيسين، وهما التخوف من فقدان فاعلية “ورقة هرمز”، فهي تُدرك أن استمرار الحصار البحري والتصعيد منخفض الشدة في الخليج قد يتحول إلى حرب استنزاف طويلة، مما يفقد إغلاق المضيق تأثيره في الاقتصاد العالمي، والذي سبق وتكيف مع أزمات كبرى، مثل جائحة كورونا والحرب الروسية -الأوكرانية، ولذلك أوعزت للحوثيين باستهداف الملاحة في البحر الأحمر، ومهاجمة ميناء ينبع السعودي، لتعطيل المسارات البديلة لنقل النفط عبر البحر الأحمر، وخط “سوميد” في مصر.
أما الدافع الثاني فهو استهداف بنية الطاقة في البحرين الأحمر والمتوسط، ويأتي الانفجار الناجم عن طائرة مسيّرة في ميناء دمياط المصري ضمن رؤية إيرانية تهدف إلى خلق بؤر عدة غير آمنة، فهي تسعى إلى إرسال رسالة لواشنطن ودول المنطقة تؤكد قدرتها على تعطيل إمدادات الطاقة وبنيتها التحتية، ليس في الخليج وحسب، بل في البحرين الأحمر والمتوسط أيضاً.
ثالثاً: ملامح الإستراتيجية الإيرانية الجديدة، إذ يقوم نهج طهران الجديد على إعادة تشكيل قواعد اللعبة عبر خطوات عدة، في مقدمها الضربات الاستباقية، والهجوم على القواعد الأميركية في الأردن، لتأكيد الجاهزية للتصعيد، على رغم التهديدات الأميركية والإسرائيلية، وكذلك نقل الصراع للشرق الأوسط الكبير، وتحويل الأزمة من نطاق الخليج العربي إلى كامل الإقليم، لإلغاء المفهوم الذهني للـ “مناطق الآمنة”، وأيضاً التصعيد عبر الوكلاء بفتح جبهات عدة، من خلال استخدام شبكة “محور المقاومة” تجنباً للدخول المباشر، مع الاستمرار في استغلال الوساطات الإقليمية، إضافة إلى إعلان “حرب الطاقة”، وخلق اضطراب مستدام وأفقي في أسواق الطاقة العالمية للضغط على أسعار النفط، بعد أن فقدت التصريحات والتهديدات العسكرية تأثيرها المباشر في الأسواق.
تستدعي هذه التحولات التوقف عند ملاحظتين رئيستين، الأولى دلالة الضعف لا القوة، فالتسريع الإيراني نحو توسيع الصراع جغرافياً يُشير إلى عدم قدرتها على تحمّل حرب استنزاف طويلة، أو حصار بحري يستنزف رأسمالها الاقتصادي والإستراتيجي، ومن ثم فإنها تهدف إلى رفع الكلفة العسكرية، لدفع واشنطن والدول الإقليمية نحو تعجيل الحل الدبلوماسي، وفق الشروط الإيرانية.
أما الملاحظة الثانية فهي “تجنب المواجهة المباشرة، ففي وقت تُصعد طهران ضد دول المنطقة، فقد تفادت الرد على إسرائيل، على رغم تصريحات وزير دفاعها يسرائيل كاتس حول استخدام الطائرات الأميركية للأجواء، والإمكانات الإسرائيلية، وكذلك لم ترد على استهداف أوكرانيا سفينة إيرانية في بحر قزوين، رغبة منها في تجنب ضربات انتقامية مباشرة.
ويبقى السؤال الجوهري قائماً، وهو في حال نجاح إيران في التوصل إلى اتفاق مع واشنطن، عبر وساطات إقليمية، فهل ستكف عن سلوك “الفاعلين من غير الدول”؟ وتتحول إلى دولة مسؤولة تعتمد الأطر الدبلوماسية؟ أم أن ممارسة التهديد ورفع الكلفة وخلق الاضطراب المستدام باتت أدواتها الرئيسة لتحقيق المكتسبات السياسية؟
اندبندنت عربية
