حين قصفت الولايات المتحدة جسر السكك الحديدية في محافظة كلستان شمال إيران، انصرف الاهتمام إلى عدد الصواريخ وحجم الأضرار. لكن ربما كان السؤال الحقيقي مختلفاً تماماً: لماذا يُستهدف جسر يمكن لإيران إصلاحه خلال أيام؟
إذا كان الهدف قطع الطريق البري الذي يربط إيران بروسيا والصين، فإن الضربة لا تحقق غايتها. أما إذا كانت الرسالة هي أن أي محاولة إيرانية للالتفاف على الحصار الأميركي لن تكون آمنة، فإن المعنى يصبح مختلفاً.
فالولايات المتحدة لا تقول إنها قادرة على إغلاق الموانئ الإيرانية فحسب، بل إنها توحي أيضاً بأن أي ممر بري قد تعتمد عليه طهران مستقبلاً سيكون بدوره جزءاً من بنك الأهداف إذا اقتضت المواجهة ذلك.
بهذا المعنى، لا تبدو الضربة محاولة لتدمير جسر، بل إعلاناً عن مفهوم جديد للحصار: حصار يبدأ من البحر ولا ينتهي عند اليابسة. لكن هذه ليست سوى نصف القصة.
في التاسع من أيلول/ سبتمبر 2023، أعلنت الولايات المتحدة والهند والاتحاد الأوروبي، إلى جانب السعودية والإمارات وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، عن مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC). في ظاهره، بدا المشروع شبكة من الموانئ والسكك الحديدية. أما في جوهره، فكان مشروعاً لإعادة رسم الجغرافيا الاقتصادية للعالم، بحيث لقبه مهندسوه بـ”جسر القارات”!
تنطلق البضائع من الموانئ الهندية، وتعبر بحر العرب إلى الإمارات، ثم تنتقل عبر شبكة سكك حديدية إلى السعودية، فالأردن، وصولاً إلى ميناء حيفا على البحر المتوسط، قبل أن تُشحن إلى أوروبا… وبالعكس!
ولا يقتصر المشروع على نقل الحاويات، بل يشمل خطوط كهرباء، وكابلات ألياف ضوئية، وأنابيب للهيدروجين الأخضر، ما يجعله ممر تجارة وطاقة وبيانات في آن واحد. والأهم من كل ذلك أنه يتجاوز إيران بالكامل.
منذ أربعة عقود، استند جزء من ثقل إيران الإقليمي إلى الجغرافيا. فموقعها جعلها معبراً محتملاً بين آسيا وأوروبا، كما منحها قدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية في العالم، مضيق هرمز. أما إذا نجح IMEC، فإن جزءاً من هذه الأهمية قد يتراجع تدريجياً.
لن يحدث ذلك بين ليلة وضحاها، ولن تختفي مكانة إيران الجغرافية، لكن المشروع يطرح للمرة الأولى بديلاً استراتيجياً لا يمر عبر أراضيها ولا يعتمد على نفوذها.
ولهذا، لا يُنظر إلى المشروع في الغرب باعتباره مجرد استثمار في البنية التحتية، بل كجزء من إعادة توزيع النفوذ الاقتصادي في الشرق الأوسط. هل غيّر السابع من أكتوبر المعادلة؟
بعد أقل من شهر على الإعلان عن IMEC، اندلعت حرب السابع من أكتوبر، بهجوم شنته “حركة حماس” على غلاف غزة، وتوقفت عملياً مسيرة التطبيع السعودي – الإسرائيلي، التي كانت تشكل ركناً أساسياً في البيئة السياسية اللازمة لتنفيذ المشروع. وكان التهليل الإيراني كبيراً للغاية! وطلبت الجمهورية الإسلامية في إيران من كل التنظيمات “المتحالفة” معها الدخول في الحرب، فكانت ورطة لبنان عبر “حزب الله” والعراق عبر “الحشد الشعبي” وسوريا عبر “الاحتلال الإيراني” واليمن عبر “الحوثيين”.
وهكذا دخل المشروع في سبات طويل، وفقد زخمه السياسي، بعدما فقد البيئة الإقليمية التي كان يحتاج إليها. وظنّ كثيرون أنّه ذهب أدراج… الحرب!
خلال الأشهر الأخيرة، وتحديداً بعد تحويل إيران في حربها ضد الولايات المتحدة الأميركية مضيق هرمز إلى سلاح، بدأ المشروع يعود إلى الواجهة، بهدوء، ولكن بفاعلية!
في حزيران/ يونيو، أكد قادة أوروبيون، خلال اجتماعات مجموعة السبع، أن المشروع يمثل أحد الخيارات الضرورية لبناء طرق تجارة أكثر أمناً وأقل عرضة للاضطرابات.
في نيسان/ أبريل 2026، دعت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى تسريع مشاريع الربط الاستراتيجي بين آسيا وأوروبا. وجاء ذلك في وقت كانت الولايات المتحدة توسع فيه ضرباتها ضد البنية اللوجستية الإيرانية.
في هذا السياق، اكتسب استهداف الولايات المتحدة لجسر السكك الحديدية في محافظة كلستان الإيرانية دلالة تتجاوز البعد العسكري. فالجسر يقع على الخط البري الذي يربط إيران بتركمانستان وكازاخستان وصولاً إلى روسيا والصين، وهو المسار الذي ازداد استخدامه بعدما تراجعت حركة التجارة عبر الموانئ الإيرانية.
ورغم أن واشنطن لم تربط الضربة رسمياً بمشروع IMEC، فإن استهداف أحد أهم الممرات البرية الإيرانية يتزامن مع عودة المشروع المنافس إلى الواجهة، ما يعكس احتدام المنافسة على طرق التجارة العالمية. وهكذا، يتواجه اليوم مشروعان كبيران.
الأول تقوده الصين وروسيا، وتعتمد إيران فيه على موقعها الجغرافي بوصفها عقدة رئيسية في الربط بين آسيا وأوروبا.
أما الثاني فتدعمه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والهند وعدد من الدول العربية، ويهدف إلى إنشاء شبكة جديدة تمر عبر الإمارات والسعودية والأردن وإسرائيل وصولاً إلى أوروبا، من دون المرور بإيران.
وبذلك، لم تعد طهران تواجه ضغوطاً عسكرية واقتصادية فقط، بل تواجه أيضاً مشروعاً قد يقلص تدريجياً من أهميتها الجيوسياسية إذا كُتب له النجاح.
